يثير هذا الكتاب إشكالا قديما لاحق المؤرخين منذ قرون: هل ما نعرفه عن الماضي يمثل الحقيقة الكاملة، أم أن أيدينا لا تمسك إلا بشظايا متناثرة من صورة أوسع وأعمق بكثير؟ يتقدم السؤال خطوة أخرى حين نتأمل أن التاريخ التقليدي اعتمد السرد القصصي والتوثيق الأرشيفي، في حين أفرزت عصورنا الراهنة أدوات أرقى قادرة على استنطاق طبقات أعمق من البيانات التاريخية واستخراج حقائق كانت كامنة خلف حجب السرد.

وضمن هذا الإطار المنهجي جاء عمل الدكتور مصطفى أحمد زايد «التاريخ الكمي مع تطبيقات في التاريخ الإسلامي» بوصفه مشروعا فكريا طموحا ينادي للاستفادة من الأساليب الإحصائية والرياضية وجعله في قلب البحث التاريخي.

من السرد إلى القياس

تتأسس الفكرة المحورية للكتاب على قناعة راسخة بأن التاريخ التقليدي غدا قاصراً أمام تضاعف المعارف واعتماده يصورة كبيرة على البيانات، مما يدعو الباحث التاريخي المعاصر إلى استثمار الأساليب الكمية والإحصائية والرياضية كي يستخرج حقائق جديدة تعجز المناهج القديمة عن بلوغها، وغدت المسافة واسعة بين تصور نظري جامد وبين دعوة عملية تنهض بالباحثين إلى إعادة كتابة التاريخ بأدوات تمتاز بقدر أعلى من الدقة والموضوعية، تحول العمل التاريخي إلى علم يعتمد على التحليل الصارم واختبار الفروض واستكشاف العلاقات العميقة بين الظواهر.

منطلقات التجديد وأدواته

ارتكز الدكتور مصطفى زايد على سلسلة متماسكة من الحجج تشخص الواقع التاريخي القائم وتقترح منافذ عملية لتجاوزه نستعرضها في الفقرات التالية.

تشخيص أزمة التاريخ التقليدي

عرض الكتاب قراءة نقدية متأنية للطرائق المألوفة في دراسة التاريخ، حيث يبيّن أن الجهد التاريخي انصرف طويلا إلى سرد الأحداث الكبرى، بينما بقيت الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الظل، أو عولجت في أحسن الأحوال معالجة جزئية ومبعثرة، وبهذه المقاربة المحدودة تتسع الفجوات في فهمنا للماضي.

دوافع إعادة كتابة التاريخ

استحضر المؤلف جملة من العلل الموضوعية التي تجعل التغيير المنهجي ضرورة ملحة مثل اتساع أفق البحث التاريخي وتعدد أسئلته، وتنوع المصادر المتاحة اليوم بشكل غير مسبوق، بالإضافة إلى الثورة التقنية التي وفرت أدوات تحليلية تفوق بكثير ما عرفه المؤرخ القديم. ومن تضافر هذه العوامل يتشكل واقع جديد تتراكم فيه الإمكانات والمعطيات إلى حد يفرض تطويراً جذرياً في مناهج البحث التاريخي وأساليبه.

الحل في الكمّ والقياس

قدم المؤلف الأساليب الكمية بوصفها طوق نجاة منهجيا للمؤرخ المعاصر، عارضا مجموعة واسعة من الأدوات تتدرج من البسيط إلى المعقد: من الإحصاء الوصفي وتمثيل البيانات، إلى التحليل العاملي، فالانحدار المتعدد، ثم تحليل السلاسل الزمنية وغيرها من المناهج المتقدمة. الغاية الجامعة لهذه الأدوات يكمن في تقديم فهم أعمق وأدق للظواهر التاريخية، واستخراج أنماط خفية وعلاقات بعيدة لا تظهر أثناء السرد التقليدي.

إثبات الجدوى عبر التطبيق الحي

شيد المؤلف مؤلفه على أرض صلبة من النماذج العملية المتنوعة، تتسع مسيرته من دراسة عمر الكون والطبقات الجيولوجية وما تحمله من شواهد على تطاول الزمن، إلى استكشاف تطور السكان عبر ألفيات متعاقبة، ثم تحليل الحراك الاجتماعي في ديناميته المتغيرة، وتقف هذه التطبيقات الواقعية شاهدة على حقيقة مزعزعة للتصورات السائدة: أن لغة الأرقام تحمل في طياتها سحرا خاصا يجعلها قادرة على استنطاق التاريخ الصامت، وكشف ما تراكم في طبقاته من أسرار وخبرات ودروس مطمورة.


رحلة عبر أبواب الكتاب الخمسة

يتشكل هذا العمل الموسوعي في صورة خمسة أبواب متسلسلة هي :

  1. التأسيس النظري : توقف المؤلف عند تعريف مفهوم التاريخ، وقسمه إلى فئات ذات دلالة معرفية هي: التاريخ المستدرك الذي يضاف تباعاً إلى رصيد معرفتنا، والتاريخ المفقود الذي اندثر مصدره، والتاريخ المعلوم الذي توفر لنا عنه قدر كاف من الوثائق، ثم التاريخ الصائب الذي نقر بصحته بعد التمحيص. بهذا التقسيم يرسم الكتاب خريطة وحدودا واضحة لمجال المعرفة التاريخية وما يظل خارجها.
  2. مسارات التطور والتحول : يرصد هذا الباب التحولات الكبرى في مصادر المعرفة ومناهج البحث التاريخي عبر العصور، مسلطاً الضوء على صعود أدوات بحثية جديدة مثل تحليل المحتوى، والدراسات السيرية الجماعية، والديموغرافيا التاريخية، وما أتاحته من إمكانات لتتبع تغير المجتمعات في المدى الطويل.
  3. القلب المنهجي للمشروع: يعد هذا الباب حجر الزاوية في الكتاب كله؛ ففيه يفصل المؤلف في الأساليب الكمية والإحصائية المتاحة للمؤرخ، موضحاً كيفية توظيفها في السياق التاريخي ابتداء من وصف المتغيرات الفردية والعلاقات القائمة بينها، مروراً بالاستقراء والتنبؤ واختبار الفروض، وانتهاءً بتوظيف النتائج في عمليات صنع القرار التاريخي أو في إعادة تأويل الوقائع الماضية.
  4. النماذج والتطبيقات العالمية: قدم المؤلف في هذا الباب طيفاً واسعاً من التطبيقات العملية الممتدة على مساحة التاريخ الإنساني؛ من تقدير عمر الكون والأرض، إلى رصد تطور الأعداد السكانية عبر قرون طويلة، إلى تتبع مسارات الديمقراطية والاستبداد، وتحليل ظواهر الجريمة والإرهاب، واستقراء أنماط الحراك الاجتماعي، وتقدير تأثير الوقائع الكبرى في مسارات المجتمعات. تكشف هذه النماذج عن القوة الفعلية للأدوات الكمية في استخراج أنماط عميقة وعلاقات خفية من رصيد البيانات التاريخية.
  5. التطبيقات على التاريخ الإسلامي: توج الكتاب غرضه في وضع هذه المناهج في خدمة دراسة التاريخ الإسلامي وتراثه الديني والحضاري. في هذا الباب يتحول الكتاب من مرجع نظري في المنهجية الكمية إلى دعوة عملية لإعادة قراءة تراثنا بأدوات الحداثة، بما يمنح المشروع بعدا ثقافيا خاصا ويجعله شديد الصلة بالقارئ العربي والمسلم.

خاتمة

يطوي القارئ صفحات هذا العمل حاملا قناعة بأن علم التاريخ الإسلامي مدعو إلى التطور جنبا إلى جنب مع سائر العلوم والمعارف، وأن المؤرخ المعاصر لا يسعه أن يغض الطرف عن لغة الأرقام والإحصاء بعدما برهنت على جدواها في قراءة الظواهر الإنسانية والاجتماعية. ومن خلال هذا الكتاب ينهض الدكتور مصطفى زايد بدعوة رصينة تستحث القارئ المسلم على إعادة اكتشاف ماضيه الغني بعيون الحاضر وتكنولوجياته، وبمنظور جديد يتسلح بالأدوات العصرية.