لم يعرف التاريخ بناءً على وجه الأرض نال من التعظيم والإجلال ما نالته الكعبة المشرفة؛ فهي أول بيت وُضع للناس، وقبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ومهوى أفئدة المؤمنين، وأعظم بقعة يُتقرب فيها إلى الله تعالى بالطواف والاعتكاف والصلاة، وليس الحديث عن الكعبة حديثًا عن بناء من حجارة وطين، وإنما هو حديث عن بيت اختاره الله تعالى من بين بقاع الأرض، وأضافه إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، فقال سبحانه: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]. ولذلك ظل تعظيمها من أعظم شعائر الإسلام، وبقيت أخبارها مرتبطة بعقيدة المسلم وتاريخه، في صورة فريدة لا نظير لها في أي موضع آخر على وجه الأرض.
تاريخ بناء الكعبة
اختص الله تعالى الكعبة المشرفة بخصائص لم يجمعها لبيت سواها، فهي أول بيت وُضع لعبادة الله تعالى، قال سبحانه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 96-97]. ولم يبتدئ بناء الكعبة مع إبراهيم عليه السلام، وإنما رفع إبراهيم قواعدَها التي كانت موجودة من قبل، كما قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127]. وقد تعددت الروايات التاريخية في أول من أسس بناءها؛ فذهب طوائف من أهل العلم والمؤرخين إلى أن الملائكة هم أول من بناها، وقيل بل آدم عليه السلام، أو ابنه شيث عليه السلام، ثم توالت عليها عمليات البناء والترميم عبر العصور، فبنتها قبائل العمالقة، ثم جُرهم، ثم قصي بن كلاب وعبد المطلب.
ثمَّ هدم السيلُ جدران الكعبة فأعادت قريش بناءها، وشاركهم النبي ﷺ -وكان حينها في الخامسة والثلاثين من عمره- بنقل الحجارة ووضع الحجر الأسود في مكانه، ثم في العهد الإسلامي احترقت الكعبة فأعاد عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بناءها على قواعد إبراهيم عليه السلام، وجعل لها بابين: باباً يدخل الناس منه وباباً يخرجون منه، وعقب ذلك قام الحجاج بن يوسف الثقفي بأمر من الخليفة عبد الملك بن مروان بهدم ما بناه ابن الزبير، وأعادها إلى الهيئة التي كانت عليها في عهد قريش وزمن النبي ﷺ.
كسوة الكعبة
إن من أعظم مظاهر الاهتمام بالكعبة عبر التاريخ: كسوتُها، وهي سنةٌ قديمةٌ عرفت قبل الإسلام، ثم أقرها الإسلام ونظَّمها الخلفاء، وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في يوم عاشوراء: “كان يومًا تستر فيه الكعبة” رواه البخاري. وقد اختلف المؤرخون في أول من كسا الكعبة؛ فقيل: إسماعيلُ عليه السلام، وقيل: عدنان، وقيل: تُبَّع الحميري وكان اسمه أسعد كما ذكر الفاكهي وغيره، ويمكن الجمع بين هذه الأقوال: بأن بعضهم أول من كساها نوعًا معينًا من الكسوة، وبعضهم أول من كساها كاملة كما قال ابن حجر، وقد ذكر الأزرقي والفاكهي أن تُبَّعًا كساها الأنطاع، ثم الوصائل وهي ثياب حبرة يمانية، وجعل لها بابًا يغلق، ثم استمرت كسوتها في الإسلام، فكساها النبيﷺ، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان رضي الله عنهم، وتولى الخلفاء بعد ذلك أمر الكسوة باعتبارها من شعائر الإسلام الظاهرة. جاء في أخبار مكة للأزرقي: عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كسا الكعبة القباطي من بيت المال، وكان يكتب فيها إلى مصر تحاك له هناك، ثم عثمان من بعده، فلما كان معاوية بن أبي سفيان كساها كسوتين: كسوة عمر القباطي، وكسوة ديباج، فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء، وتكسى القباطي في آخر شهر رمضان للفطر. قال ابن منظور في لسان العرب: والقبطية: ثياب كتان بيض رقاق تعمل بمصر، وهي منسوبة إلى القبط على غير قياس، والجمع: قباطي قباطي.
ألوان كسوة الكعبة وطيبها
لم تكن كسوة الكعبة على لون واحد عبر تاريخها الطويل، فقد كُسيت بالقماش الأبيض، والأحمر، والأخضر، والأصفر وغيرها، ثم استقر العمل في عصور متأخرة على اللون الأسود الذي كساها به الخليفة: الناصر العباسي كما ذكر الفاكهي وابن حجر وغيرهما، وصار الأسود شعارًا معروفًا للكعبة إلى يوم الناس هذا. لم تقتصر العناية بالكعبة على كسوتها فقط، بل كانت الكعبة تبخر وتطيب بالمسك والعود، وتغسل من داخلها، ويعتنى بستائرها وأبوابها وما يزال، قال الأزرقي في أخبار مكة: “وأجرى لها معاوية وظيفة من الطيب لكل صلاة، وكان يبعث بالطيب والمجمر، والخلوق في الموسم وفي رجب، وأخدمها عبيدًا بعث بهم إليها، فكانوا يخدمونها، ثم اتبعت ذلك الولاة بعده”.
وقد انعقد إجماع العلماء على جواز كسوة الكعبة بالحرير والديباج؛ لأن المقصود منه تعظيم البيت لا لبس الحرير، وهو معنى يختلف عن النهي الوارد في لباس الرجال للحرير، وأما كسوتها بالذهب فقد وقع الخلاف فيه بين الفقهاء بين مُجيز ومانع. ومن لطيف ما ذُكر في الحكمة من كسوة الكعبة: أن الكسوة ليست لحماية الحجارة من الحر أو البرد، ولا هو إحرام للكعبة، وإنما الكسوة إعلان دائم لمكانة البيت في قلوب المسلمين، وإظهار لشرفه، كما تزين المساجد وتطيب تعظيمًا لشعائر الله تعالى دون بلوغ حد المباهاة؛ بل إن الكسوة نفسها أصبحت شاهدًا على عناية الأمة بقبلتها.
الكسوة القديمة
كانت كسوة الكعبة تبدل كل عام، ولم يكن يُلقى بالكسوة القديمة على وجه الإهانة، بل كان السَّدنة يتصرفون فيها بما يليق بحرمة البيت وعظمته؛ فكانت الكسوة القديمة تحفظ في خزائن الدولة، أو تباع وتنفق في سبيل الله تعالى، وقد روى الفاكهي في كتاب مكة من طريق علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة رضي الله عنها قالت: “دخل علي شَيبة الحجبي، فقال: يا أم المؤمنين، إن ثياب الكعبة تجتمع عندنا فتكثر، فننزعها ونحفر بئارًا فنعمقها وندفنها؛ لكيلا تلبسها الحائض والجنب، قالت: بئسما صنعت، ولكن بعها فاجعل ثمنها في سبيل الله وفي المساكين، فإنها إذا نزعت عنها لم يضر من لبسها من حائض أو جنب، فكان شَيبة يبعث بها إلى اليمن فتباع له فيضعها حيث أمرته.
المؤلفات في مكة
لم يقتصر تعظيم المسلمين للكعبة على كسوتها والعناية بعمارتها وخدمة قاصديها، بل امتد ذلك إلى حفظ تاريخها وأخبارها، وتدوين كل ما يتعلق بها؛ فأفرد العلماء لها المصنفات المستقلة، وجمعوا أخبار بنائها، وكسوتها، وفضلها، وأحكامها، وما وقع لها عبر العصور، حتى غدت الكعبة من أكثر بقاع الأرض توثيقًا في التراث الإسلامي، ومن أشهر ما أُلِّف في ذلك: كتاب (فضائل مكة والسكن فيها) للحسن البصري، وكتاب (أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار) لمحمد بن عبد الله الأزرقي، وكتاب (أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه) لمحمد بن إسحاق الفاكهي، وكتاب (شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام) لتقي الدين الفاسي، وكتاب (إتحاف الورى بأخبار أم القرى) لعمر بن فهد المكي.
وفي العصر الحديث اعتنى العلماء والمؤرخون بهذا الباب، فنقلوا روايات من سبقهم، واستدركوا عليها، وأضافوا عليها ما استجد من أخبار البيت الحرام وشؤونه، ومن ذلك كتاب (معالم مكة التأريخية والأثرية) لعاتق بن غيث البلادي، وكتاب (باب الكعبة المشرفة ومتعلقاته عبر العصور) لابراهيم بن محمد بيومي وغيرها الكثير من الكتب، وهذا لون فريد من ألوان تعظيم الكعبة والاهتمام بأخبارها؛ إذ إن حفظ تاريخ البيت العتيق، وصيانة أخباره من الضياع، لا يقل شأنًا عن العناية ببنائه وكسوته.
إن الأمة التي تحفظ تاريخ قبلتها؛ تحفظ جانبًا من هويتها وذاكرتها الإيمانية أيضًا.
