في قصة الذبح، كثيرًا ما تتجه الأنظار إلى مشهد الأب المطيع، والابن الصابر، فتتوقف القلوب عند كلمات إسماعيل الخالدة  : { يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } (الصافات : 102)

مشهدٌ تهتزّ له الأرواح؛ أبٌ يُؤمر أن يذبح أحبّ الناس إلى قلبه، وابنٌ يستقبل الأمر برضا المؤمن وتسليم العارف بالله .

لكن خلف هذا المشهد العظيم، تقف شخصية قد لا يذكرها النص مباشرة في لحظة الابتلاء، بينما يفيض أثرها في كل تفاصيله: هاجر .

نعم… هاجر  

تلك الأم التي لم تكن مجرد ظلٍّ في القصة، ولا حضورًا هامشيًا في حياة إسماعيل، بل كانت في كثير من المعاني الصانعة الأولى لهذا الموقف الإيماني العظيم .

فإسماعيل الذي سلّم نفسه لأمر الله، لم يولد بهذا اليقين فجأة، ولم يتشكّل في لحظة، إنما نشأ في حضن امرأة علّمها الله معنى التسليم قبل أن تعلّمه لولدها .

تخيّل أمًّا تُترك في وادٍ مقفر، لا زرع فيه ولا ماء، لا بيت يؤويها، ولا بشر يأنسونها، ومعها رضيعها فقط. ومع ذلك، لم يكن سؤال هاجر: لماذا؟ بل سألت سؤالًا واحدًا فقط: «آلله أمرك بهذا؟» فلما جاءها الجواب: نعم، قالت الكلمة التي ربما صنعت تاريخًا كاملًا من الإيمان: «إذن لا يضيّعنا الله».

هنا وُلدت المدرسة… مدرسة الثقة بالله حين تنعدم الأسباب .

في هذا الوادي تربّى إسماعيل. لم يكن أبوه حاضرًا كل يوم، فإبراهيم عليه السلام كان يأتي ويغيب امتثالًا لأمر الله، أما التي حملت عبء التربية والخوف والجوع والانتظار، فكانت هاجر .

هي التي ربّت طفلها على أن الله حاضر حتى لو غاب الناس، وأن الفرج قد يخرج من قلب الصحراء كما خرج زمزم، وأن الطاعة لا تعني غياب الألم، لكنها تعني أن يكون الله أكبر من الألم .

ولهذا، حين وقف إسماعيل أمام أعظم اختبار، لم يعترض، بل خرج من قلبه جواب بدا وكأنه كُتب منذ سنوات في بيت أمه :

﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾

وكأن عبارة الابن كانت امتدادًا لعبارة الأم  :
«إذن لا يضيّعنا الله» ← «افعل ما تؤمر»

لكن هنا سؤال يهزّ القلب: أين كانت هاجر يوم الذبح؟

القرآن لم يذكر موقفها تفصيلًا، ولم تصلنا رواية صحيحة تصف ما جرى بينها وبين إبراهيم أو إسماعيل. لكن أيمكن لقلب أن يتخيّل أن الأم التي ربّت إسماعيل وحدها وغرست فيه هذا اليقين، كانت بعيدة عن أعظم امتحان في حياته؟

ربما كانت تعلم… وربما قرأت في وجه إبراهيم ما لم يستطع قوله .

وربما — كتخيّل أدبي لا رواية تاريخية — رتّبت ثياب إسماعيل بيدٍ ترتجف، واختارت له أجمل ما يلبس، ومرّرت يدها على شعره أكثر من المعتاد، وكأن قلب الأم يحاول أن يحفظ تفاصيل الوجه قبل الغياب  .

وربما عطّرته… لا لأنه ذاهب إلى سفر، بل لأنه ذاهب — في ظنها — إلى امتحان اصطفاه الله له .

وربما ناولت إبراهيم السكين بقلبٍ مكسور يختار الله فوق نفسه، وربما قالت له بصوتٍ خافت :
«خذه بعيدًا عن الدار يا إبراهيم… أخشى إن رأيتُ الموقف أن تسبقني فطرة الأم إلى ما لا يليق بمقام الرضا».

ليس ضعفًا في الإيمان… بل لأن الإيمان لا يُلغي الفطرة .

وهنا يظهر عِظم هاجر الحقيقي؛ فهي ليست فقط أمًّا صبرت على الغياب، بل امرأة ربّت ابنها على أن الله أحبّ من كل شيء .

إن عبارة إسماعيل :
﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾
ربما بدأت يوم قالت أمه  :
«إذن لا يضيّعنا الله» .

ولعل أعظم تكريم لهاجر ليس فقط أن يُخلّد سعيها بين الصفا والمروة، بل أن يبقى أثر تربيتها ظاهرًا في ابنٍ وقف أمام الموت مطمئنًا لأن أمه ربّته على أن أمر الله لا يضيّع أحدًا .

وفي زمننا، نحن بحاجة أن نتذكر :

أن الأمهات لا يربين أبناءهن بالكلمات فقط… بل بالمواقف .

وربما كان خلف كل ثباتٍ عظيم… أمٌّ عظيمة بكت بصمت، وآمنت بصمت، وربّت بصمت .