تحول السؤال التربوي الكبير في عصرنا من ماذا نعلم أبناءنا؟ إلى سؤال أشد إلحاحا وأكثر صدقا: كيف نراهم؟ وكيف نفهم ما يدور في داخلهم؟ وفي خضم الحديث عن المناهج وسباق النتائج وضجيج مؤشرات الأداء، يتوارى جانب جوهري من العملية التربوية لا يقاس بالأرقام ولا يظهر في جداول التحصيل، وإنما يختبئ في أعماق الطالب حيث تتشكل علاقته الحقيقية بالتعلم، ذلك البعد النفسي والاجتماعي الذي تمثله الخدمة الاجتماعية والنفسية في المؤسسات التعليمية بات اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
ما وراء الخدمة الاجتماعية
تقوم الخدمة الاجتماعية على مساعدة الفرد في فهم ذاته، والتكيف مع محيطه، وتجاوز أزماته، وبناء توازنه الداخلي. وتتوزع في امتدادها المهني بين مجالات متعددة، من الأسرة إلى المجتمع، ومن المستشفى إلى المدرسة، حيث تتخذ في البيئة التعليمية شكلها الأكثر حساسية وتأثيرا، فالطالب لا يدخل إلى المدرسة بعقله وحده وإنما بتجاربه وقلقه وأسئلته وعلاقاته، وربما بجراحه الصامتة ، إنه يحمل عالما داخليا لا تكشفه الواجبات ولا أسئلة الامتحانات وبالتالي معنى المدرسة بالنسبة له أكثر من مكان للتعلم.
لقد أرسى هذا الإدراك قواعده في نظريات راسخة داخل علم النفس التربوي. فقد أثبت عالم النفس الروسي ليف فيغوتسكي في نظريته “الاجتماعية الثقافية” أن التعلم يحدث من خلال التفاعل مع بيئة داعمة، وأن الطالب يحتاج إلى سند إنساني ضمن ما أسماه “منطقة النمو القريب” ليبلغ إمكاناته الحقيقية. وبالمثل وضع عالم النفس الأمريكي أوري برونفنبرينر في نموذجه البيئي إطارا يبين أن تطور الطالب لا يفهم خارج منظومة الأنظمة المتداخلة من أسرة ومدرسة ومجتمع.
وفي نفس السياق، أكد عالم النفس الأمريكي دانيال غولمان في كتابه “الذكاء العاطفي” أن مراكز التعلم في الدماغ تعمل بكفاءة قصوى حين يكون الإنسان هادئا. وأوضح غولمان أن الاضطراب الانفعالي يعطل الذاكرة العاملة ويغلق مراكز التعلم، مما يجعل التوازن النفسي شرطا بيولوجيا للتعلم الفعال. وقد أفضى ذلك إلى تطوير برامج التعلم الاجتماعي الانفعالي (SEL) التي تعد اليوم من أكثر المجالات رسوخا حيث تشير تقارير اليونسكو لعام (2021) إلى ضرورة عقد اجتماعي يضع الإنسان كاملا في مركز العملية التعليمية.
التراجع الأكاديمي
تأمل طالبا كان متفوقا ثم بدأ مستواه يتراجع دون سبب أكاديمي واضح وقد تتعدد التفسيرات المتسرعة: إهمال، ضعف دافعية، غير أن النظرة العميقة تكشف أنه يعيش اضطرابا أسريا أو ضغطا نفسيا لم يجد من يحتويه. المشكلة هنا لا تكمن في قدرته على الفهم، وإنما في قدرته على التوازن، وفي ظل غياب عامل الدعم النفسي يتحول هذا الخلل الداخلي إلى تراجع دراسي وربما يساء تفسيره ويعالج بطريقة تزيد الأمر تعقيدا.
المفارقة المؤلمة أن هذا الإدراك لا ينعكس دائما في الواقع المؤسسي بسبب تهميش أو تقليص دور الخدمة الاجتماعية والنفسية في كثير من الأنظمة التعليمية موقعها السيادي، وتحولت إلى أقسام محدودة الصلاحيات تستدعى عند وقوع الأزمات فقط، مما يعكس فلسفة تربوية مختلة تختزل التربية في نتائجها الرقمية، وبالتالي يفقد التعليم عاملا يهتم بالبعد النفسي.
بلغة الأرقام السلامة النفسية بوابة التفوق
جمع الباحث جوزيف دورلاك وزملاؤه من جامعة “لويولا شيكاغو” نتائج 213 برنامجاً من برامج التعلم الاجتماعي والانفعالي طبقت على أكثر من 270,000 طالب، وجاءت خلاصة الدراسة بأن الطلاب المشاركين في برامج تعزيز الصحة النفسية والانفعالية تقدموا في تحصيلهم بمعدل 11 رتبة مئوية مقارنةً بأقرانهم الذين لم يلتحقوا بها. ولتبسيط هذه النتيجة تخيل أننا وضعنا 100 طالب في صف واحد مرتبين من الأقل تحصيلاً إلى الأفضل؛ هنا يُعتبر الطالب الذي يحتل الرتبة الخمسين هو الطالب “المتوسط” الذي يتفوق على نصف زملائه تماماً. وبناءً على نتائج الدراسة، قفز هذا الطالب من المركز 50 إلى المركز 61، مما يعني أنه تجاوز 11 زميلاً إضافياً في سباق التفوق دون أن تتغير قدرته الذهنية، وإنما لأن توازنه الداخلي تحسّن فأصبح أكثر تركيزاً وقدرةً على التعلم.
وعلى الصعيد ذاته، أظهرت دراسة نشرت في مجلة ” Frontiers in Psychology ” عام 2021 م استنادا إلى تحليل بيانات أكثر من 250,000 طالب في تشيلي، أن المدارس التي تفعل دور الأخصائي النفسي والاجتماعي تسجل معدلات تسرّب أقل وتحصيلا أفضل. والنتيجة المستخلصة من هذه الدراسة ببساطة: الطالب الذي يجد من يسمعه ويحتويه يتمسك بمدرسته بدلا من الانسحاب منها.
وعلى الرغم من أن هذه النتائج جاءت من سياقات عالمية متنوعة، فإن خلاصتها تتقاطع مع ما يؤكده علم النفس التربوي حول العالم. ويعزز هذا التوجه ما رصده مختبر ييل للذكاء الانفعالي التابع لجامعة ييل، من أن البرامج الممتدة التي تمنح الطالب دعما نفسيا متواصلا تضاعف المكاسب الأكاديمية مقارنة بالتدخلات السريعة والعابرة.
الأصالة التربوية في التراث الإسلامي
وقبل الدراسات التربوية يتقدم نموذج نبينا محمد ﷺ التربوي على كل نموذج بدعوته إلى المعاملة بالرفق ومراعاة الفروق الفردية من خلال ما جاء من أحاديث صحيحة في السنة النبوية أسست لفلسفة تربوية وسبقت نظريات التربية. يقول ﷺ : “إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه.” (رواه مسلم).
واستكمالا للنهج النبوي، أدرك علماء الإسلام هذا الأثر العميق ومن أبرزهم العلامة ابن خلدون إذ كتب في مقدمته الخالدة: “إن الشدة على المتعلمين مضرة بهم، وذلك أن إرهاف الحد بالتعليم مضر بالمتعلم.” وهو إدراك عميق لأثر البيئة النفسية سبق به نظريات القرن العشرين بكاملها.
هندسة المدرسة الإنسانية
إن إعادة الاعتبار للخدمة النفسية والاجتماعية تعني إعادة تعريف المدرسة ذاتها، ويتطلب هذا التحول عملا على ثلاثة مستويات:
- السياسات التعليمية: إعادة بناء الدور المؤسسي المستقل للخدمة النفسية الاجتماعية، ومنحها موقعا فاعلا في هياكل مؤسسات التربية والتعليم.
- المستوى المدرسي: دمج الأخصائي الاجتماعي في صميم العمل المدرسي اليومي.
- مستوى المعلم: التدريب على كفايات الذكاء الانفعالي وتعزيز القدرة على بناء علاقة قائمة على الاحتواء لا على التلقين وحده.
يستدعي ذلك بناء شراكة واعية مع الأسرة لأن التكامل بين البيت والمدرسة شرط جوهري للتوازن النفسي للطالب.
خاتمة
إننا نعاني اليوم من أزمة إغفال الاحتياجات النفسية والاجتماعية لطالب المعرفة؛ فحين تهمش النفس يختل الميزان كله. وفي زمن شديد التعقيد، غدا التعليم مرافقةً واعية وبناء رصينا لجوهر الإنسان فمن استقام داخله أبدع في خارجه.
