المقدمة

اعترف مؤخراً علماء أمريكة أن صعودهم الأول إلى القمر كان بالاستعانة بكتب ابن الهيثم عن القمر ودراساته الدقيقة في ذلك، وهؤلاء العلماء الغربيون العظماء لا يأبهون للسياسة ورجالها الذين يسعون لطمس أي إنجاز يحمل معالم عربية أو إسلامية، لذلك قرروا (ونفذوا) وضع أسماء علماء العرب والمسلمين على تضاريس القمر، اعترافاً بإنجازاتهم في علوم الفضاء، فقد أعلنت الهيئة الفلكية العالمية التي تتألف من علماء من جميع أنحاء العالم أنها شكلت لجنة تسمى (لجنة تسمية تضاريس القمر ) مهمتها دراسة فضل العلماء على مر العصور الذين ساهمت أبحاثهم في هبوط الإنسان على سطح القمر، فكان في مقدمة من اختارتهم هذه اللجنة (18) عالماً عربياً ومسلماً، وقررت وضع أسمائهم على تضاريس القمر، ومن هؤلاء كما جاء في القرار: أبو الفداء – ابن فرناس – ابن يونس – ابن الفزاري – المرودي – الفرغاني – أبو عبد الله المهاني – أبو الريحان البيروني – القزويني – الخوارزمي – جابر بن حيان – ابن بطوطة – عمر بن الخيام، هذا علاوة على اسم العالم العربي المعاصر الدكتور فاروق الباز.

لقد قدم كثير من علماء الحضارات العربية الإسلامية دراسات واكتشافات عن القمر، ينبغي علينا أن نظهرها، وأن نعيد التدقيق فيها كما فعل ويفعل الغربيون، وهذه دعوة للتوجه نحو تحقيق المخطوطات الفلكية العربية الإسلامية، إذ لم يبلغ المحقق منها سوى ما نسبته 5 %، وهذه الـ 5 % أظهرت إنجازات أذهلت العلم الحديث!!.

وأقوم هنا بدوري بإظهار بعض الدراسات القمرية لهؤلاء العلماء العظام، علها تكون منطلقاً لدراسات أوسع في المستقبل العربي القريب. 

أولاً: ابن الهيثم والقمر

هو أبو علي الحسن بن الهيثم البصري نسبةً لمسقط رأسه البصرة في العراق، المبدع في علوم الفيزياء وبخاصة البصريات، فلُقب لذلك ببطليموس الثاني. نبغ إلى جانب البصريات بالفلك والهندسة والفلسفة والمنطق والموسيقى، وأتقن الطب وصنّف فيه وإن لم يمارسه، كان كثير الترحال في طلب العلم، فزار فارس والأهواز والشام.

لقد دأب ابن الهيثم منذ نعومة أظفاره على طلب العلم من مصادره المختلفة، فعكف على قراءة كل ما وقع في يده من مؤلفات الهنود والفرس واليونان وقدماء المصريين وغيرهم، حتى أصبح ذا ثقافة موسوعية شاملة، يدل على ذلك أنه عاش في أواسط القرن الرابع الهجري = العاشر الميلادي، هذا القرن الذي يعد من أزهى العصور العباسية في الآداب والعلوم، فحركة العلم كانت ناشطة في جميع حواضر المملكة الإسلامية، بما فيها بغداد والكوفة والبصرة والقاهرة.

كانت هندسة البناء إحدى علامات نبوغه المبكر، فذُكر أن سكان البصرة كانوا يلجئون إليه ليضع لهم رسوم وتصحيحات بيوتهم الهندسية، وعند حصولهم على مبتغاهم كانوا يعهدون إلى البنّائين والعمال بأمر تنفيذها وإنجازها.

كان للحسن مجلس علم يزدحم بالتلامذة الوافدين من سائر البلدان، وبينهم أمير من أمراء الشام ومعه تلميذ آخر كان يتعلم على يديه اسمه مبشر بن فاتك القائد. توفي سنة430 هـ = 1038م([1]).

ولقدتوصل ابن الهيثم إلى أن القمر من دون الأجرام السماوية الأخرى يستمد نوره من ضوء الشمس ولا  يضيء بذاته، وبذلك توصل إلى ظاهرة التظليل وكتب عن تطبيقها([2]).

ومن الظواهر الجوية التي بحث فيها؛ الهالة التي تبدو محيطة بالشمس أو القمر، وعزا وجودها للانكسار، حينما يكون الجو مشبعاً بالبلورات الصغيرة من الثلج أو الجليد، فإن الضوء الذي يمر خلالها ينكسر وينحرف بزاوية معلومة، ومن ثم يصل الضوء إلى العين كأن مبعثه فقط حول الشمس أو القمر([3]).

وبعد إبداع ابن الهيثم للعدسات، توالى الاهتمام بصناعة العدسات ودراستها على أيدي كثير من علماء الغرب معتمدين بشكل شبه كامل على أبحاث ابن الهيثم، وظلوا كذلك حتى توصل جاليليو لعمل أول تلسكوب له، وتمكن من رصد جبال القمر، فبدأت نهضة فلكية، أدت في نهاية المطاف إلى صعود الإنسان للقمر.

وبما أن هؤلاء _ وبخاصة الأمريكيين منهم _ قد اعتمدوا في نظرياتهم الرياضية على ابتكارات ابن الهيثم، فلمن إذن يعود الفضل ؟!.

قال حكيم محمد سعيد رئيس مجلس العلوم في كراتشي بمناسبة الحفلة التذكارية التي أقيمت سنة 1389 هـ= 1969م لابن الهيثم في باكستان: « يعد وقوف الإنسان على سطح القمر لأول مرة راجعاً بدون شك إلى التكنولوجيا الحديثة، ولو أخذنا كل شيء بعين الاعتبار، فإن ابن الهيثم يعد رائد هؤلاء العلماء الأمريكيين، حيث أن كل نظرياتهم الرياضية مقتبسة من ابتكارات أبي علي، ولهذا فإنه باستطاعتي أن أقول: إن لابن الهيثم عقلية القرن العشرين، وإن كان قد عاش في القرن العاشر، ومهما حاولت أن أصف عالمنا الكبير فإنني عاجز عن ذلك »([4]).

وقد صنّف ابن الهيثم عدة كتب تتحدث عن قضايا مثيرة عن القمر، منها كتابه «ماهية الأثر الذي يبدو على وجه القمر»، وقد بدأه بقوله: « قد اختلف أهل النظر في ماهية الأثر الذي يظهر على وجه القمر، وهذا الأثر إذا تؤمل واعتبر، وجد دائماً على صفة واحدة لا يتغير لا في شكله ولا في وضعه، ولا في مقداره، ولا في كيفية سواده، وقد تصرفت ظنون الناس فيه وتشتت آرائهم».

ثم يعرض لآراء كثيرة في الموضوع نفسه ويستطرد في شرحها ثم يقول مبيناً بطلان هذه الآراء: «وجميع هذه الآراء تبطل وتضمحل عند تحقيق النظر، ونحن نبين فساد هذه الآراء، ثم نبين بعد ذلك ماهية هذا الأثر».

وبالفعل فإن ابن الهيثم يرد رداً علمياً على هذه الآراء ويثبت فسادها، ثم ينتقل إلى وجه الصواب في القضية قائلاً: «فقد بقي أن نبين ماهية هذا الأثر، فنقول: إن جوهر القمر مخالف لجوهر جميع الكواكب الباقية، والدليل على ذلك أن جميع الكواكب (النجوم) مضيئة من ذواتها لا من إشراق الشمس عليها، وقد بينا هذا المعنى بياناً واضحاً في كتابنا في أضواء الكواكب([5])، وإذا كانت الكواكب مضيئة من ذواتها من غير حاجة إلى إشراق الشمس عليها، وكان القمر غير مضيء من ذاته إلا بعد أن تشرق عليه الشمس، فجوهر القمر إذن مخالف لجوهر جميع الكواكب»، ويستطرد كثيراً في شرح هذه الظاهرة الممتعة والشائقة([6]).

وفي كتاب آخر هو «أضواء على الكواكب» يتحدث ابن الهيثم عن القمر أيضاً باهتمام واضح، ومن قوله في ذلك: «قد يظن قوم من المتفلسفين أن أضواء الكواكب مكتسبة من ضوء الشمس، وأن أجرامها في ذواتها غير مضيئة، وذلك لما قد استقر في نفوسهم من ضوء القمر، لأنهم لما وجدوا القمر مختلف الأحوال في مقدار ما يظهر مضيئاً من جرمه في انكسافه في وقت مقابلته للشمس إذا كان في حقيقة المقابلة تقرر في نفوسهم أن جرمه غير مضيء، وأن الضوء الذي يظهر فيه إنما يكتسبه من ضوء الشمس، ولما استقر ذلك في نفوسهم قاسوا أضواء الكواكب عليه وجوزوا أن تكون الكواكب أيضاً على مثل ما عليه القمر من اكتساب الضوء، إلا أنهم لم يأتوا على ذلك ببراهين ولا مقاييس، وإنما اعتقدوه عن طريق التظني قياساً على ضوء القمر، ولما تقرر هذا المعنى على أسماعنا من قوم يعتقدونه دعانا ذلك إلى إمعان النظر في أضواء الكواكب وفي خواصها المطردة فيها، فظهر لنا عند تحقيق التظني أنها مضيئة من ذواتها بخاصة تخص جوهرها وليس واحد منها يكتسب الضوء من غيره سوى القمر فقط»([7])، ويستطرد في شرح ذلك أيضاً.

وفي كتابه ماهية الأثر يصل ابن الهيثم إلى نتائج على درجة كبيرة من الدقة العلمية، ومن تلك قوله: «فموضع الأثر إذن إنما ليس يقبل الضوء قبولاً تاماً، لأن فيه كثافة تعوقه عن القبول التام، وجميع القمر كثيف، وإذا كان ذلك كذلك، فموضع الأثر من القمر فيه كثافة زائدة على الكثافة التي في جميع جرم القمر، وهذه الزيادة هي التي تعوقه عن القبول التام».

ويقول: «وقد تبين أن كل جسم متلون إذا أِرق عليه ضوء قوي ظهر لونه رقيقاً أو فيه بعض الرقة، وظهر الضوء الذي فيه قوياً، وإذا أشرق عليه ضوء ضعيف ظهر لونه قوياً، أعني أشبع وأظلم من لونه إذا أشرق عليه ضوء قوي، ويظهر الضوء فيه ضعيفاً».

 ثم يعلل ذلك ومن ثم ينقلنا إلى ظاهرة علمية قمرية جديدة، فيقول: « فإن القمر في الليلة الثانية والثالثة من الشهر تظهر استدارته ويظهر محيطه مضيئاً، ويظهر جرمه في وسط الاستدارة مظلماً، فلون القمر الذي يخصه هو لون مظلم، والضوء الذي يظهر فيه في سائر الأوقات إنما هو الضوء الذي يستفيده من الشمس إذا أشرقت عليه، والضوء الذي يحصل فيه من الشمس هو ضوء قوي، والقوة القابلة للضوء الذي فيه هي في غاية القوة، وأقوى من القوة القابلة التي في الأجسام الأرضية، فلفرط قوة الضوء الذي فيه، وفرط القوة القابلة فيه، خفي لونه المظلم الذي يخصه، مع ذلك فإن لونه قد كشف الضوء الذي حصل فيه، ولولا ظلمة لونه لكان ضوؤه أقوى مما هو عليه، يدل على ذلك ما يظهر من ألوان الأجسام الأرضية إذا أشرق عليها ضوء الشمس»([8]).

ولابن الهيثم كتاب ثالث يختص بدراسة القمر وهو «ضوء القمر» ويثير فيه مباحث جليلة وصلبة، وفيه من أقواله: «إن كل ضوء يخرج من مقعر الفلك إلى سطح القمر في أقوات الاستقبالات ويصح أن ينعكس، فإن النقطة التي منها يصح أن يقع انعكاسه تكون قريبة من وسط السطح الظاهر من القمر، ويكون بعدها من محيط السطح الظاهر أكثر من بعدها من وسطه».

ويقول: «وقد تبين أن الخطوط المماسة لمقعر الفلك يكون بعدها من محيط السطح الظاهر من القمر أكثر من بعدها من وسطه، وكل خط يخرج من مركز القمر إلى نقطة من مقعر الفلك من النقطة التي يصح أن يخرج منها ضوء إلى سطح القمر، ويصح أن ينعكس عن النقطة التي عند أطراف الخطوط المماسة فهو يفصل مما يلي: وسط السطح الظاهر من القمر قوساً أصغر من القسي التي تفصلها الخطوط المماسة»([9]).

ثانياً :علماء الحضارة العربية الإسلامية وأبحاث القمر

لم يكن ابن الهيثم الوحيد من بين علماء الحضارة العربية الإسلامية الذين بحثوا في دراسات القمر، بل كان هناك آخرون:

ومنهم: الصوفي عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سهل الصوفي (ت 376 هـ = 986م )، أبو الحسين الرازي. وُلد في الري وعاش فيها، وعُد من أعظم فلكييّ العرب المسلمين. اتصل بعضد الدولة البويهي وصار منجمه، فبنى له مرصداً خاصاً به في حدائق قصره، وانقطع إليه يرصد النجوم ليلة بليلة، فتوصل إلى اكتشافات فلكية هامة لم يُسبق إليها .

اتبع الصوفي في أرصاده منهجاً علمياً دقيقاً يقوم على المشاهدة والمعاينة المباشرة والمتابعة اليومية، والتسجيل المستمر لكل ما يشاهده أو يكتشفه عن الأجرام السماوية يرسمها بالألوان ويمثلها على هيئة إنسان أو حيوان أو شيء ما([10]).

وبالنسبة لأبحاث القمر؛ علّل الصوفي استخدام منجمي العرب لمنازل القمر باعتمادهم على الشهر القمري، فقال: إن كثيرين يحسبون عدد النجوم الثابتة 1025، والحقيقة أن عدد النجوم الظاهرة أكثر من ذلك، والنجوم الخفية أكثر من أن تحصى. وعدّ 1022 من النجوم، 360 منها في الصور الشمالية، و 346 في دائرة البروج، و316 في الصور الجنوبية([11]).

ومنهم ابن الزرقالة أبو إسحق إبراهيم بن يحيى التجيبي النقاش المعروف بابن الزرقالة. نشأ في طليطلة الأندلس، وانتقل منها إلى قرطبة فاستوطنها وتوفي بها، وقد قيل عنه إن الأندلس لم تأت بمثله من حين فتحها العرب المسلمون، وقال عنه القفطي: «أبصر أهل زمانه بإرصاد الكواكب وهيئة الأفلاك واستنباط الآلات النجومية ». توفي سنة 493هـ = 1099م).

وقد أبدع ابن الزرقالة طريقة جديدة تبين استخدام الإسطرلاب مع دليل لمعرفة ما يدرك بالرصد، وسميت باسمه (الصحيفة الزرقالية) وذلك عندما أضاف للإسطرلاب دائرة القمر التي تؤذن بتتبع حركات هذا الجرم التابع للأرض في مجراه، كما أضاف إليه مربعاً لحساب المثلثات يبين للباحث على الفور الأظلال المبسوطة والمنكوسة للزوايا المقيسة منسوبة إلى نصف قطر مقسم إلى (12) جزءاً، وقد ذاع صيت الصحيفة الزرقالية هذه في أوروبا، واشتهرت هناك باسم (  Saphsea ) أي الصفيحة.

وهو أول من أثبت حركة  أوج الشمس بالنسبة إلى النجوم، وكان له شرف الوصول إلى أدق نتيجة عرفت في ذلك العصر في مقدار هذه الحركة التي بلغت بحسب قياساته: 12,04 دقيقة في حين أن مقدارها الحقيقي هو 12,08 دقيقة.

كما أخذ كوبرنيكوس الكثير من آراء وأقوال ابن الزرقالة في كتابه «دوران الأجرام السماوية» ومنها قوله بدوران الكواكب في مدارات بيضية (إهليلجية). وبرهن على أن تغير بعد الأرض والشمس التي عدها علماء اليونان ثابتة تلائم تقدم نقاط تعادل الليل والنهار، قال بذلك بعد أن أجرى ما لا يقل عن 402 مشاهدة([12]).

وقد شهدت زيغريد هونكه ببراعة ابن الزرقالة عندما قالت عنه: « إن أهم الزِيَج التي دخل معظمها بلاد الغرب وعمل بها حتى في أيام كوبرنيكس ذاته دون قيد أو شرط لعدم توفر إمكانية القيام برصود خاصة، أو بتحقيق زيج خاصة، نقول إن أهم تلك الزيَج كانت زيجة الخوارزمي والمأمون و البتاني و ابن يونس و الزيجة الطليطلية للزرقالي »([13]).

ومنهم البوزجاني محمد بن محمد بن يحيى بن إسماعيل بن العباس، أبو الوفاء البوزجاني الحاسب. وُلد في بوزجان وهي بلدة صغيرة واقعة بين هراة ونيسابور، وذلك عام 328 هـ = 940م. قرأ على عدد من العلماء، ولما بلغ من العمر العشرين انتقل إلى بغداد حيث فاضت قريحته ولمع اسمه، وظهر للناس إنتاجه في كتبه ورسائله وشروحه لمؤلفات إقليدس والخوارزمي وغيرهم.

اختُلف في وفاة البوزجاني، فقيل إنه توفي سنة 376 هـ = 986م، في بوزجان، و قيل إنه توفي في بغداد سنة 388 هـ = 998م([14]).

وقد أبدع البوزجاني معادلة السرعة، وهي معادلة ثلاثية توضح بموجبها مواقع القمر([15]).

وكشف البوزجاني التغير بحركة القمر، وسبق بذلك العالم الدنماركي (تيخو براهي) الذي نُسب له هذا الكشف، فبعد أن اختلف العلماء في نسبة الخلل في حركة القمر، وجرى حول هذا الموضوع نقاشات طويلة في أكاديمية العلوم الفرنسية في القرن التاسع عشر للميلاد = الثالث عشر الهجري، فادعى بعضهم أن معرفة الخلل ترجع إلى تيخو براهي الفلكي الدانماركي الشهير.

وقد بقي المؤرخون تجاه هذا الاختلاف مدة في حيرة إلى أن ثبت لدى باحثي هذا العصر بعد التحريات الدقيقة أن الخلل الثالث هو من اكتشاف البوزجاني، وأن تيخو براهي ادعاه لنفسه، أو نسبه الغير إليه([16])، ولهذا الاكتشاف أهمية كبرى تاريخية وعلمية لأنه أدى إلى اتساع نطاق علم الفلك والميكانيكا.

يقول العلّامة المنصف سيديو: « استوقف نقض نظرية بطليموس القمرية نظر أبي الوفاء فصحح الأرصاد القديمة، فوجد عدا معادلة المركز ومعادلة الاختلاف، اختلافاً قمرياً ثالثاً لم يكن بالحقيقة سوى الاختلاف الذي عيّنه تيخو براهي  بعد ستمائة سنة، ووُجد من العلماء من حاولوا ـ دون جدوى ـ حجب وجه الحق مستشهدين بعبارة مبهمة للعالم العربي أبي الوفاء، ولكن التعابير التي تؤيد اكتشافه لذلك الاختلاف الثالث قاطعة واضحة دالة على حيازة العلم له منذ ذلك الزمن »([17]).

ويقول جاك ريسلر: «  وكشف أبو الوفا الانحراف الثالث للقمر قبل تيخو براهي »([18]).

ويقول كاجوري : « إن اكتشاف بعض الخلل في حركة القمر يرجع إلى أبي الوفا البوزجاني لا إلى تيخو براهي»([19]).

ومنهم ابن يونس أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، من مشاهير الرياضيين والفلكيين الذين ظهروا في التاريخ العربي الإسلامي، وهو سليل بيت اشتهر بالعلم، عرف الخلفاء الفاطميون قدره وقدروا نبوغه وأجزلوا له العطاء وشجعوه على متابعة بحوثه في الهيئة والرياضيات، وبنوا له مرصداً على جبل المقطم قرب الفسطاط، وجهزوه بكل ما يلزم من الآلات والأدوات.

أمره العزيز الفاطمي أبو الحاكم أن يضع زيجاً (جداول فلكية)، فبدأ به في أواخر القرن الرابع الهجري= العاشر للميلاد، وأتمه في عهد الحاكم ولد العزيز، وسماه ( الزيج الحاكمي). يقول عنه ابن خلكان: «هو زيج كبير رأيته في أربعة مجلدات، ولم أر في الأزياج على كثرتها أطول منه ». وهو يحوي أرصاد الفلكيين القدماء، وأرصاد ابن يونس نفسه عن الكسوف والخسوف واقتران الكواكب. وقد سرد في زيجه الحاكمي الطريقة التي اتبعها بعض فلكيو المأمون في قياس محيط الأرض. توفي ابن يونس في مصر عام 399 هـ =  1008م

 وهو الذي رصد كسوف الشمس وخسوف القمر في القاهرة حوالي عام 978م = 368هـ ، وأثبت فيهما تزايد حركة القمر وحساب ميل دائرة البروج فجاء حسابه أقرب ما عرف إلى الحقيقة. وكان ذلك أول رصد سُجل بدقة متناهية وبطريقة علمية بحتة([20]).

ومنهم الكاشي غياث الدين جمشيد بن مسعود بن محمود الكاشي أو الكاشاني، ولد في مدينة كاشان بين طهران وأصفهان، وكان يقيم بها مدة ثم ينتقل إلى مكان آخر، وتوجه فيما بعد إلى سمرقند، وفيها ألّف أكثر مؤلفاته التي كانت السبب في شهرته.

درس النحو والصرف والفقه على المذاهب الأربعة فأجادها حتى أصبح حجة في الفقه، وله سمعة مرموقة في علم المنطق والمعاني والبيان، استفاد من معرفته للمنطق بأن درس وكتب في حقل الرياضيات، فاندهش منه كثير من علماء الرياضيات في العالم لقدرته القوية على حسن التعبير، وكان والده من أكابر علماء الرياضيات والفلك، وبهذا ترعرع ابنه في بيئة علمية أصيلة، توفي الكاشي عام 832 هـ = 1429م.

بنى الكاشي مرصداً امتاز بدقة أرصاده وسماه: « مرصد سمرقند» فكان علماء الفلك يأتون إليه من كل فج لانتهال العلم ونقله إلى بلادهم، فاستطاع أن يقدر بكل دقة الكسوفات التي حصلت في السنوات الثلاث بين عامي 809 و 811 هـ = 1407 و 1409م. ودقق جداول النجوم ولم يقف عند حد التدقيق، بل زاد على ذلك من البراهين الرياضية والأدلة الفلكية([21]).

 وقد درس الكاشي مدارات القمر وعطارد حتى وصل إلى نتيجة مرضية للغاية، فكان أول من اكتشف أن مدارات القمر وعطار إهيليلجية ( أي قطع ناقص أو شكل بيضي)، ولقد ارتكب العالم الألماني المعروف (يوهان كبلر) ( ت 1630م) خطأً فادحاً بادعائه كذباً أنه أول من فكر بأن مدارات القمر وعطارد إهليليجية([22]).

ثالثاً : الآثار العلمية العربية الإسلامية في دراسات القمر:

ومما تبين من الآثار العلمية العربية الإسلامية في أبحاث الأوربيين بما يخص دراسات القمر؛ الحقائق التالية:

اعترف الفلكي الأوروبي (دون ثورن) الذي رصد القمر في القرن الثامن عشر أنه اعتمد في دراساته الفلكية على كتاب « الزيج » لأبي عبد الله محمد بن سنان البتاني (ت 929م –  317هـ) الذي كتبه في القرن التاسع الميلادي، وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية، وطبع عدة مرات، وما زال في مكتبات العالم، ونسخته الخطية محفوظة في المكتبة الحكومية.

وحينما كتب الفلكي المعروف (كوبرنيكوس) كتابه حول الفضاء استشهد فيه بآراء ونظريات البتاني، وقال: « إن كتاب الزيج ساعدني في عملي كثيراً »([23]).

واستطاع البتاني حساب طول السنة في القرن الثالث الهجري = التاسع الميلادي بشكل لا يختلف كثيراً عما حسبته الأجهزة في القرن العشرين، وهذه صورة المحاسبة:

حساب طول السنةثانيةدقيقةساعةيوم
حساب البتاني24465365
حساب الأجهزة في العلم الحديث47485365

([24])

 وثبت لدى المحققين أن النظريات العامة التي طرحها (سليكوس) و (كوبرنيكوس) في علم الفضاء والقمر، وحدوث الليل والنهار نتيجة دوران محور الأرض وغير ذلك، مقتبسة من مؤلفات أبي الريحان البيروني محمد بن أحمد (ت 440 هـ – 1048م ) المترجمة إلى اللغات الأجنبية، إذ أطلق الغربيون على البيروني اسم ( مستر أليبورون ) ، ويقول المؤرخ ( سخاو ) عنه: « إن البيروني أكبر عقلية علمية ظهرت على مسرح التاريخ»، كما يقول المستشرق الأمريكي ايريو بوب: « من المستحيل أن يكتمل أي بحث في الرياضيات، أو الفلك، أو الجغرافيا، أو التاريخ، أو علم الإنسان، أو علم المعادن، دون الإقرار بمساهمة البيروني العظيمة في كل علم من تلك العلوم »([25]).

وكذلك اعتمدت دراسات القمر عند الغربيين على أبحاث نصير الدين الطوسي، الذي استطاع أن يخطو خطوات واسعة في علم الفلك حتى أصبح رئيساً للمنجمين، فهو أول من انتقد أقوال بطليموس في علم الفلك، وحركة السيّارات، وأعلن عن أخطاءه، وجاء بنظريات جديدة صحح بواسطتها نظريات أسلافه، وشرح المنظومة الشمسية بشكل لم يسبقه أحد إليه، وكتب في ذلك كتاباً فريداً من نوعه عنوانه: « التذكرة النصيرية » الذي ترجمه الغربيون واستند عليه البروفسور الأمريكي (أ.س. كندي) في الكثير من أبحاثه في علم الفضاء، وكان الطوسي قد صنع مراصد فلكية كبيرة الحجم نصبها في بغداد ومراغة.

كما ظهر على مسرح الفلك المنجم الشهير أبو الوفاء البوزجاني _ وقد أشرنا إليه قبل أسطر _ الذي شرح بعض الظواهر الفلكية، ووصف النصف الآخر من سطح القمر، واعترف الفلكي الفرنسي (سيديو) الذي رصد القمر في القرن التاسع عشر أنه اعتمد على نظريات البوزجاني في أغلب أعماله الفلكية([26]).

وفي القرن الثامن للهجرة = الرابع عشر للميلاد أعلن المنجم الفلكي الدمشقي ابن الشاطر (ت 777 هـ = 1375م) عن تأليف كتاب علمي جديد عنوانه « نهائية السؤول في تصحيح الأصول» ، تناول فيه توضيح سطح القمر وما يحيط به من الكواكب، وجاء بنظريات جديدة عن المنظومة الشمسية، وهنا أكد أغلب المحققين الغربيين بأن النظرية التي طرحها (كوبرنيكوس ) مقتسبة حرفياً من كتاب ابن الشاطر([27]).

وتأكد للعلماء أن كتاب جون بيكام في «المناظر» ليس سوى مختارات وافية من كتاب ابن الهيثم في المناظر. كما تأكد أن كتاب فيتلو الألماني في المناظر أيضاً ليس إلا مأخوذاً بالحرف الواحد من كتاب المناظر لابن الهيثم. وتبين فيما بعد أن كبلر أخذ معلوماته في علم الضوء وخاصة الانكسار الضوئي في الجو من كتب ابن الهيثم. وكان أكثر الآخذين من ابن الهيثم القس الألماني فيتلو، فقد وجدت آراء ابن الهيثم في نفسه ميلاً كبيراً، وفيتلو الألماني هذا كانت قد جذبته مدينة بادوا الإيطالية ليتعلم فيها العلوم الرياضية والطبيعية لا علوم اللاهوت كما كان ينتظر منه، وقد ألّف في عام 1270م = 670 هـ كتاباً اسمه «المناظر» يبحث فيه عن الضوء وانتشاره، والقمر، وفي تركيب العين، وفي خداع النظر، وفي انعكاس الضوء وأنواع المرايا. وكان لكتاب فيتلو هذا تأثير كبير في تقدم العلوم الطبيعية في أوروبا، وفيما يتعلق ببحث الضوء خاصة، وقد تأثر به يوهان كبلر والذي وضع حركات الجرام السماوية للمرة الأولى على أساس علمي، فكان منها قوانين كبلر الثلاثة المشهورة. ويذكر المنصفون من مؤرخي العلم والفلسفة في أوروبا أن قسماً قليلاً من هذا الأثر البارز الذي أحدثه فيتلو يرجع الفضل فيه إلى فيتلو نفسه، إذ أن كتابه ليس عملاً مستقلاً، فإن أعظم أقسامه حجماً وأهمية مأخوذ بالحرف الواحد من كتاب المناظر لابن الهيثم([28]).

الخاتمة

إن علماء الغرب انكبوا على دراسة علوم حضارتنا وتراثنا، ومنها الفلك، واستغرق ذلك معهم مئات السنين من الجهد الجبار، ثم بنوا نهضتهم على ذلك، لذلك كان من الأجدر أن نكون نحن أحق بهذه الدراسات، إذ كان علم الفلك محور اهتمام علماء العرب المسلمين منذ أكثر من ألف سنة، وتعد الإنجازات التي حققوها في هذا المجال أساساً للتطور الذي طرأ بعد ذلك على هذا العلم في أوروبا والعالم، ومع ذلك فقد عُد البولندي كوبرنيكوس وللأسف هو مؤسس علم الفلك الحديث، لكن المؤرخين أثبتوا أخيراً أن معظم نظرياته اعتمدت على نظريات نصير الدين الطوسي وابن الشاطر، فنظرية الكواكب والنماذج لابن الشاطر مطابقة تماماً لتلك التي أعدها كوبرنيكوس بعده بأكثر من قرن، الأمر الذي أثار جدلاً حول كيفية حصول كوبرنيكوس على تلك المعلومات.

وأمام إنجازات العرب المسلمين الفلكية المذهلة أطلق مؤرخو علم الفلك على المدة الزمنية من القرن الثامن إلى القرن الرابع عشر الميلادي = الثاني إلى الثامن للهجرة اسم (الحقبة الإسلامية)، إذ إن أغلبية الدراسات المتعلقة بالنجوم والقمر في هذه المدة كانت تتم في العالم العربي الإسلامي.