ضمن خطتها الاستراتيجية (2024-2028) التي ترفع شعار “تعليم شرعي نوعي، وبحث علمي متميز، ومرجعية مؤثرة”، اختتمت كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر فعاليات “المنتدى العلمي السنوي الثاني”، الذي نظمته وحدة البحوث والدراسات بالكلية. وقد جاء المنتدى في نسخته لعام 2026م؛ ليكون حصاداً للنتاج العلمي والبحوث المحكمة المنشورة خلال عام 2025م.

افتتح الدكتور إبراهيم بن عبد الله الأنصاري، عميد الكلية، المنتدى بكلمات أكدت على رؤية الكلية العميقة في الاحتفاء بعقول الباحثين وجمع المختصين في علوم الشريعة والدراسات البينية مع شركاء المصلحة. في حين أبرز الدكتور عزيز البطيوي (رئيس وحدة البحوث) السعي لإحداث تحول نوعي في البحوث الشرعية لمعالجة قضايا إشكالية واستجابة للأولويات الوطنية. أما الدكتور عبد الله الهتاري (مدير المنتدى) فقد أشار إلى تميز منتدى العام في تمكين طلبة الدراسات العليا بوصفهم “بوصلة المستقبل ورواد البحث العلمي القادم”.

والأوراق البحثية التي قدمت لمنتدى هذا العام تميزت بأنها تجمع بين الرؤية التأصيلية والأفق العالمي ، وفيما يلي تفصيل وافٍ لمداخلات الباحثين وملخصات أبحاثهم:

الجلسة الأولى: قضايا بحثية في القرآن والسنة

ركزت هذه الجلسة على تجديد الأدوات المنهجية في التعامل مع الوحيين الشريفين:

  • المقاربة السوسيولوجية في صحيح البخاري (د. عبد الكريم وريكات): تناول البحث إشكالية المطابقة بين الإسناد والمتن من زاوية منهجية جديدة. وانطلق من فرضية أن الإمام البخاري لم يكتفِ بالشروط الشكلية للصحة، بل راعى السياقات العلمية والاجتماعية والسلوكية للرواة وانعكاسها على طبيعة المتون. وخلص البحث إلى أن منهج البخاري يمثل نموذجاً مبكراً للتحليل السوسيولوجي للحديث، مما يعزز موثوقية الرواية في سياقها المعرفي.
  • الدراسة الفلولوجية للقوالب القرآنية (د. منجد أبو بكر): ركز البحث على ظاهرتين لغويتين: اقتران “سواء” بالعاطف “أم”، واقتران “هل” بالحرف “أو”. وبين الباحث أن هذه التراكيب ليست اختيارات ذوقية، بل هي “إلجاءات بيانية”؛ فكلمة “أم” في أسلوب “سواء” تحقق المساواة المطلقة، بينما “أو” تكشف عن ميل للخيار السابق، وهو ما يتنافى مع دلالة التسوية.
  • مصطلح الإرهاب في ضوء القرآن (د. لطيفة الكعبي): هدفت الدراسة إلى بيان معاني جذر “رهب” في السياقات المختلفة، لا سيما السياسي. وسعت لفك الارتباط السلبي المعاصر بين الإسلام والإرهاب، مؤكدة أن مصطلح “الإرهاب” بهذا الاشتقاق لم يرد في القرآن، بل استعمله الفقهاء عند تفسير لفظ “رهب”. وأظهرت النتائج اختلافاً كبيراً بين المفهوم القرآني والمعنى المتداول دولياً.
  • الخطاب بـ “يا أيها الناس” (الباحثة آية عبد العزيز): عني البحث بدراسة الخطاب الإلهي الموجه للكافة في ضوء مقاصد الشريعة الضرورية (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، المال). وأثبتت النتائج أن هذه الخطابات تبرز تكاملاً بين العقيدة والعمل، مع تركيز واضح على تقرير الوحدانية وربط الدين بالحياة الإنسانية.
  • دعوى إلحاق أجزاء من سورة الصف (الباحثة سلوى عبد الرحمن): قدمت الدراسة نقداً علمياً للدعاوى الاستشراقية التي تزعم أن البشارة بنبوة محمد في الآية السادسة هي إضافة لاحقة. وأكدت الورقة أن النص أصيل ومحفوظ بالتواتر التاريخي، وأن حذف هذا الجزء يؤدي إلى اضطراب اتساق النص القرآني وتسلسل الرسالات.

الجلسة الثانية: قضايا بحثية في الحضارة والفكر الإسلامي

ناقشت هذه الجلسة قضايا الاجتهاد المعاصر والتفاعل التاريخي والمجتمعي:

  • الاجتهاد المقاصدي في الفقه المعاصر (د. معروف آدم): أبرز البحث أهمية المقاصد في الموازنة بين المصالح والمفاسد وفي الوقائع التي لا نص فيها. وانتقد المواقف المتباينة بين “التوسع المفرط” و”التضييق المنغلق”، داعياً إلى منهجية الوسطية التي تربط النصوص بالمقاصد الكلية لضمان فعالية الشريعة في معالجة التحديات المجتمعية.
  • التفسير السنني للقرآن الكريم (أ. د. رمضان خميس): دعت الورقة إلى تجاوز حصر الجهود في “آيات الأحكام” (التي لا تتجاوز 500 آية) نحو تفسير استقرائي كامل يقوم على رصد “السنن الربانية” في القرآن. ويهدف هذا المنهج إلى تقديم فهم كلي مقاصدي يربط السنن بمحاور السور الأساسية وعلاقتها بعمارة الأرض.
  • موقف النخب العربية من الحكم العثماني (د. عبد الغني الأهجري): سعت الدراسة لإثبات تعدد أطياف النخب (سياسية، علمية، مهنية) وتباين مواقفها من الوجود العثماني. وفند الباحث الشبهات الأيديولوجية التي تدين العثمانيين بشكل تام، مؤكداً قبولهم العام في الأوساط النخبوية والشعبية على عكس ما زعمه التيار القومي واليساري.
  • التعايش بين الهندوس والمسلمين (الباحثة زينب رحمة الله): قارنت الدراسة بين المنهج الإسلامي لـ “أبي الكلام آزاد” والمشروع الروحي لـ “المهاتما غاندي. وبينت أن “آزاد” استند لفكرة وحدة الدين والأمة الواحدة، بينما استند “غاندي” لقوة الحقيقة واللاعنف، وكلاهما سعى لقومية مركبة ترفض الطائفية.
  • التجديد الفقهي في حركة التقنين (الباحث برهان مازاك): حلل البحث معالم التجديد في حركة التقنين العثمانية، مؤكداً أنها مكنت من الانتقال من الخطاب الوصفي إلى الصياغة القانونية المحكمة. وخلص إلى أن التقنين كان أداة فعالة للمواءمة بين المرجعية الشرعية ومقتضيات العصر عبر ضبط السلطة التقديرية للقضاء.
  • تماسك الأسرة في السياسات القطرية (الباحثة روان عثمان): استعرض البحث سياسات دولة قطر المعاصرة في تحقيق التماسك الأسري ومواجهة التحديات الحديثة. وأوصت الدراسة بمجاوزة التوعية الدينية التقليدية إلى التوعية الصحية، وإنشاء مؤشر وطني لقياس التماسك الأسري.
جلسة حوارية في جامعة قطر تتناول قضايا الحضارة والفكر الإسلامي، مع مجموعة من المتحدثين الجالسين على المنصة.
جانب من فعاليات المنتدى العلمي السنوي الثاني كلية الشريعة قطر

الجلسة الثالثة: قضايا بحثية في الدراسات البينية

استعرضت هذه الجلسة تقاطعات العلوم الشرعية مع السياسة، واللغة، والذكاء الاصطناعي:

  • قواعد الفروض الكفائية (د. محمود النفار): استنبط البحث قواعد الفروض الكفائية عند “إمام الحرمين الجويني“، مبيناً طبيعتها السياسية وجوهرها الحضاري. وأكد الباحث أن هذه القواعد تمكن من انضباط الاجتهادات السياسية بأدوات كلية، وهو ما تمس الحاجة إليه لمواجهة التحديات السياسية المعاصرة.
  • تصنيف العلوم عند ابن حزم (د. سمير قدوري): حقق البحث رسالة “مراتب العلوم” لابن حزم الأندلسي، مبرزاً نظرة ابن حزم الكلية لتكامل الفنون. وحذرت الورقة من “القصور” الناتج عن الاكتفاء بعلم واحد وازدراء التخصصات الأخرى، مؤكدة أن اختلاف العلوم هو اختلاف تنوع لا تضاد.
  • البحوث البينية واللغوية (د. إبراهيم الحماحمي): أثبتت الورقة أن “القطيعة” بين الحقول المعرفية لم تكن معروفة في الدراسات العربية القديمة، بل هي نتاج التخصص الأكاديمي الحديث. وقدمت نموذجاً للبحوث اللغوية التي تمثل جزءاً أصيلاً من كافة العلوم الشرعية.
  • الأدوات المالية الخضراء (الباحث عبد الله القزاز): درس البحث طبيعة التمويل الأخضر في المصارف القطرية ومدى توافقه مع الشريعة. وخلص إلى أن الحكم الشرعي يبقى مرتبطاً بـ “البنية العقدية” للأداة المالية لا بغايتها البيئية، مع إمكانية تطوير أدوات تمويلية خضراء منضبطة شرعاً.
  • الذكاء الاصطناعي في المواريث (الباحثة هبة سباهي): في دراسة رائدة، تم تقييم 7 نماذج لغوية كبيرة (LLM) عبر 1000 سؤال في المواريث. وأظهرت النتائج أن النماذج التجارية المتقدمة تجاوزت دقتها 90%، لكنها تعاني من أخطاء في “الرد والمناسخات”، مما يجعلها “مساعداً بحثياً” وليس بديلاً عن الكفاءة الفقهية.

الأنصاري: الذكاء الاصطناعي “خادم” لا “إمام”

وفي كلمته الختامية، أعلن الدكتور إبراهيم الأنصاري اعتزام الكلية تحويل المنتدى إلى حدث عالمي، موجهاً رسالة قوية حول التكنولوجيا الحديثة . ووصف الأنصاري الذكاء الاصطناعي بأنه “خادم وأداة يجب إحسان استخدامها لا جعلها إماماً يفكر عنا”، محذراً من أن الاعتماد الكلي عليه يقتل ملكات التفكير والمقارنة العميقة وفهم السياقات التي تميز الباحث الشرعي . واختتم بالتأكيد على أن البحث العلمي هو وسيلة لإعادة الأمة إلى “واجبات هذا الدين” وعمارة الأرض بالحق .