بعد أحد عشر شهراً في شوق ورحاب ورجاء حلول شهر رمضان الفضيل، إلا أن الناس عند قربه وقدومه أجناس وليسوا سواء؛ منهم فرحون فرح عبادة ويستقبلونه بقلوب صافية وأعمال صالحة، خاضعين منقادين له، ومقرين بفضله، وإنما يعرف الفضل ذووه، وهؤلاء هم الفائزون السعداء.
ومنهم فاتر الروح بليد القلب، لا يفرقون بين شهر رمضان وغيره من الشهور فضلاً من أن يقدروه حق التقدير، وقد قال الله تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا}، وأضاعوا ما فيه من نعيم وأجر وقربى ورضوان، وأولئك هم الخاسرون.
ومنهم من فرح بقدوم شهر رمضان فرح عادة لا فرح عبادة، فصام صياماً صورياً تقليدياً عرفياً بلا روح عبادة ولا صدق ولا إخلاص ولا هدف، وكأنه بين المجتمع الصائم إمعة، وبالتالي يخرج موسم الشهر الفضيل وينتهي ولا يغير فيه شيئاً: “رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش”، فيا له من خسران النفوس!
الظواهر السيئة لاستقبال رمضان
تنوعت مظاهر الاستعداد لاستقبال الشهر الفضيل لدى المسلمين، ومنها ظاهرة محمودة ينبغي الاتصاف بها، ومنها عادة ظاهرة مذمومة يجب التخلي عنها لكونها ظاهرة سيئة لا تليق بمقام شهر رمضان، ومن أشهر هذه العادات:
1. استقبال رمضان دون تخطيط عبادي
عدم التخطيط الجيد لشهر رمضان قد يؤدي إلى إهدار الفرص وضياع الأجر والثواب المرجو، أو يسبب تشتت الجهود والارتباك في تحقيق مقصد الصيام والابتعاد عن استغنام الوقت، أو فقدان رؤية مستقبلية رشيدة، أو يؤدي إلى ركون النَّفس فيؤول في النهاية إلى الفشل، وقد قيل: “عدم التخطيط هو تخطيط الفشل.
وهذا أمر واضح وجلي في واقع كثير من الناس بعد موسم رمضان، عندما يخرجون من الشهر كما دخلوا برغم أجواء الصوم المليئة بجميع فرص الخيرات، لكنهم رسبوا نتيجة عدم تحديد الهدف والتخطيط للزاد الموصول إلى الغاية المنشودة.
2. الاكتفاء بالمظاهر الاجتماعية
ثمة ظاهرة اجتماعية متفاعلة من مظاهر الاستعداد والاحتفاء بالشهر المبارك، وهي ظاهرة الاهتمام بالأمور المباحة الزائدة، ومن ذلكم: تزيين البيوت والمجالس والمباني والشرفات بأنواع مختلفة من الإضاءات والتصاميم ذات أشكال، وتعليق الزهور والفوانيس والورود البلاستيكية والنجوم المضاءة والملونة وهلم جرا في وسط ابتهاجات واضحة من الديكورات الرمضانية.
هذا الابتهاج آخذٌ في الازدياد إلى حد الإسراف والعناء؛ إسراف من جهة إهدار وقت العمر وإفراط الوقت في غير فائدة دينية منشودة، بل ربما يسيطر هذا الاهتمام على البعض منذ دخول شهر رجب إلى رمضان حتى حيل بينهم وبين ما يجب معرفته من الاستعداد الشرعي قبل حلول الشهر، ولئن سئل بعضهم عن أدنى شيء من أحكام الصيام ليقول: “لا أدري”، أليس هذا عاراً وعيباً؟
وكذا الإسراف والتبذير من جهة الإنفاق الذي لا ضابط له، وشراء الكماليات بأثمان باهظة، والتكاليف الباهظة ذات طابع الرفاهية المفرطة، والتي تفضي غالباً إلى المباهاة والرياء والسمعة والتنافس المذموم، وإلى ضعف روح العبادة الحقيقي وصرف النظر عن مساعدة المحتاجين وإعانة الفقراء الصائمين والإنفاق في سبيل الله.
نعم! واستقبال رمضان بالتزيين والإضاءات الزخرفية ليست محرماً في أصلها ولم يقم الدليل على منعها، ولكن الانشغال بها والإقبال عليها كلياً هو المحظور الملام، وخاصة إذا كان على حساب الواجبات أو عائقاً يقطع عن النهوض بما هو الأولى والأنفع من الأمور المندوبات، أو أن يشوبه أمر منكر كالمعازف والمزامير والقينات، أو ديكورات ذات الأرواح وصور التماثيل أو رسوم مجسمة ونحوها.
3. جعل رمضان موسم تبادل الرسائل والتهاني
تجري عادة تبادل الرسائل وتنوع التهاني بين العائلة والأحباء والأصدقاء في أيام المناسبات الدينية، وهي عادة حسنة مرغوب فيها ما دامت التهاني تحمل معاني ورسائل مؤثرة، وتعزز روحانية الاستعداد النفسي لاستقبال الصيام وتعين على الطاعات.
بيد أن الواقع المشاهد يختلف عن المطلوب إيصاله وتحقيقه من الرسائل، إذ الطابع الاجتماعي هو الغالب على تلك المراسلة، وكان كثير من الناس يقفون عند ظواهر الرسائل والكلمات دون استجلاء بواطنها ومعانيها، ويتبادلون رسائل منسوخة متكررة بلا تعقل ولا تأمل فضلاً عن التزام عملي.
وقد امتلأت الهواتف بكلمات براقة جاهزة، وعبارات جذابة مصممة، ودعوات جميلة تسر الناظرين، وأصبح الانشغال بإرسال الرسائل أكثر من الاستعداد المعتاد عند سلف الأمة، وكأن رمضان موسم الانشغال بالرسائل لا موسم التفرغ للعبادة. ولذا يمر شهر رمضان بهؤلاء الصنف مروراً سريعاً بلا برنامج للقرآن الكريم أو خطة للقيام أو وقت للذكر، ويمر بهم بلا أثر تربوي ملموس، ومثل هذه العادة يجب أن يتخلى عنها العاقل الجازم الموفق.
4. الإفرط في التسوق
الإفراط في التسوق ظاهرة متكررة عند قرب الشهر الفضيل وفي أيامه المعدودات، وهو من العادات الخاطئة الشائعة التي تحتاج إلى التصحيح، حيث تحولت صورة رمضان عند الكثير إلى مهرجان سنوي استهلاكي، يبحث فيه عن كل جديد من الأطعمة والألبسة والأواني والستائر والأثاث.
والنتيجة الحتمية لهذه الظاهرة هي: الغفلة عن مقاصد الصيام وعن ذكر الله تعالى، وإضاعة ساعات ثمينة في الأسواق بما فيها من اختلاط الرجال بالنساء، والإسراف والمبالغة في المشتريات، والتبذير في شراء أشياء لا حاجة لها، وهي مصروفات منزوعة البركة.
ثم ناهيك بإفراط الوقت في المطبخ وتحضير أصناف من الطعام دون مراعاة مبدأ الاعتدال والتوازن الغذائي، فتعودت البطون على تنويع الأطعمة والأشربة فوق الحاجة، وأصيبت النفس بالإرهاق والبدن بالفتور وضعف النشاط في أوقات المجاهدة على الطاعات والعبادات، وإن هذه العادة من علامات الخذلان بلا شك.
5. متابعة مسلسلات رمضانية
من أسوأ المظاهر المزعجة المشينة بمنزلة رمضان والمخالفة لأبجديات خلق المسلم الصائم هو انخراط البعض في سلك الغواية والضلالة ليعبث بصيام الناس تحت غطاء مسمى “المسلسلات الرمضانية” إغراءً وإلهاءً، وصار هؤلاء المنتجون قطاع طريق الأجر والثواب، ونواباً عن مردة الشياطين وحجزوا لهم مكانهم بثلاثين حلقة في بث المسلسلات السمجة.
وقد يروجونها بالمسابقات والجوائز كسباً وجذباً لزيادة عدد الجماهير المشاهدين، فترى العائلة المسلمة الصائمة تجلس أمام الشاشات ساعات طويلة في متابعة القنوات التافهات دون خجل ولا حياء، وتضيع عليهم ساعات الموسم العظيم.
وأعجب من ذلك أنه يوجد منهم من يسأل ويستفتي: «هل مسلسل فلاني مناسب في رمضان أو ذاك؟»، وإنه لواقع مرير بلا شك أن يتفوّه امرؤ مسلم بمثل هذا، وكأن الأصل أن يستصحب الموسم بالمسلسل والأفلام التلفزيونية والفضائيات ونحوها؛ مسلسلات وأفلام يستحي إنسان عاقل أن يشاهدها في غير رمضان، فكيف في شهر الغفران والرضوان؟
لقد حولوا رمضان إلى موسم الغفلة وجلسات اللهو والترفيه ومجالس المعاصي مع قرناء السوء في برامج السهرات واللقاءات، وفقدوا بهجة الصيام ومقصده {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وروحانية رمضان، وأصيبوا بالكسل والخمول فأضاعوا القيام والصلاة المكتوبة، وخاصة صلاة الفجر؛ «رغم أنف من أدركه رمضان ثم لم يغفر له»
