أيام الصيف والإجازة فرصة قد لا تُعوَّض لاكتساب عادة صالحة، والمؤمن يجمع بين المتعة المباحة والعبادة النافعة، والإجازة ليست انقطاعاً عن الطاعة، وإنما انتقال إلى صورة أخرى من استثمار الوقت؛ قال الله تعالى: {فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب} [الشرح:7ـ8]. ترشد الآية إلى أن المؤمن لا ينبغي له أن يعرف “إجازة من الطاعة” وإنما يعرف تنوعاً في الطاعات؛ فالفرائض لا تتوقف بدعوى الإجازة، والواجبات لا تسقط إلا من عذر، وأبواب الخير لا تُغلق بتغير الفصول، وإذا فرغ المؤمن من أمرٍ، فليجتهد في أمر آخر من الطاعة والعبادة، ومن جعل العادة عبادة، من حيث تقليب رغبته وقصده إلى الله تعالى دائماً، فإن أخذ إجازة من عمل أو دراسة، فليصرفها في مرضاة الله تعالى ليبقى قلبه متعلقاً بالله في كل زمان ومكان، وإن إجازة الأبدان لا تعني إجازة القلوب.
فـ إجازة الصيف – وغيرها من العُطَل – في نظر المسلم الذكي هي بالفعل فرصة عظيمة وميدان رحب لزيادة الطاعات والقربات، وليست فترة للراحة السلبية أو التوقف عن العبادات، لأنه قد جعل نصب عينيه قوله عليه الصلاة والسلام: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”[1]. والفراغ في موسم الإجازة نعمة، وفرصة ذهبية لتعميق الطاعة واستثمار الأوقات، لا لإهدارها، بل الإجازة الناجحة تبدأ بطاعة الله تعالى.
تطبيقات عملية مقترحة في إجازة الصيف
من الأمور التي يُنصح بها لتجعل الإجازة الصيفية ممتعةً ومتحولةً إلى موسم للطاعة والبناء، ما يلي:
المحافظة على الصلوات في أوقاتها مع الجماعة
الإجازة فرصة لمزيدٍ من العناية بشهود الجماعة والمحافظة عليها في أوقاتها، والتي هي عماد الدين وأعظم أسباب طمأنينة القلب، فصلاح بقية الأعمال مرتبط بصلاح أداء الصلاة، والمعلوم أن أجرها يُضاعف بسبع وعشرين درجة، وكما رُوي أن من حافظ عليها أربعين يوماً كُتبت له براءة من النفاق والنار. ومهما يكن من تغيرٍ في برنامج الإنسان في الإجازة وفي الصيف، فلا ينبغي أن يؤثر ذلك في أداء الصلاة في أوقاتها مع الجماعة كي لا يُغيِّر علاقته بالله تعالى، {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103]. فلذا يجب الحذر من السهر الذي يضيع صلاة الفجر أو يسبب تأخير الصلوات، لأنه من أعظم الخسائر؛ والمتخلف عن الجماعة مهمل محروم، وقد يستمتع الإنسان بساعات قليلة، لكنه يخسر أعظم لقاء يومي مع ربه، وما أشبه حاله بحال الذين قال الله فيهم بأنهم { أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم:59].
ومن الخطوات العملية المساعدة لتجنب الخسارة وللمحافظة على صلاة الجماعة، تنظيم وقت النوم، والتجهيز المبكر للصلاة كالوضوء قبل الأذان والخروج إلى المسجد قبل الإقامة لقطع الطريق على التسويف القاتل، وأخذ الحيطة باستخدام تطبيقات مواقيت الصلاة، ومن المهم اختيار الرفقة الصالحة التي تُعين على ملازمة المسجد، ويَحسُن أيضاً استشعار الأجر المحفز عند الذهاب إلى الصلاة، حيث الاستذكار بأن كل خطوة إلى المسجد ترفع درجة وتحط خطيئة، وأن انتظار الصلاة في حد ذاته له أجرٌ خاص.
العناية المتميزة بالقرآن الكريم
إن أجمل جائزة للإجازة ما يعود به المسلم من إجازته أن يزداد قرباً من كتاب الله حفظاً وإتقاناً وفهماً وعملاً، لأن كل آية تم حفظها على الوجه المطلوب ستبقى مع صاحبها مدى الحياة، وتكون نوراً ورفعة في الدنيا والآخرة، وربما تنتهي الإجازة سريعاً أو بطيئاً ولكن ما حفظه من القرآن سيبقى أثره وأجره بإذن الله تعالى، وهذا من معاني قوله عليه الصلاة والسلام: “خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه”[2]. والخيرية عامة وشاملة، سواء فيما يتصل بشؤون الحياة الدنيوية أو الأخروية.
ولذا تُعد أيام الإجازة من أفضل الأوقات لاهتمامٍ زائدٍ بالقرآن الكريم تعلماً وتعليماً؛ لما فيها من فراغ الذهن، وقلة المشاغل، وتوافر وقتٍ وفراغٍ لا يُوجد في أيام الدراسة أو العمل، حيث يتمكن الإنسان من الانتظام في برنامج يومي بحضور حلقات تحفيظ القرآن في المساجد أو المراكز إن تيسر، أو إشراك الأسرة والأصدقاء في الحفظ والمراجعة، لكن لا بد من تحديد هدف واضح من الحفظ، مثل حفظ جزء كامل أو أقل أو أكثر لكي يَقوى العزم.
حبذا لو كان هناك برنامج عملي مرتب للحفظ اليومي حسب القدرة – نصف صفحة، أو صفحة أو غيرها – مع ضرورة مراجعة المحفوظ قبل البدء بالجديد، وهذا يؤكد على ما سبقت الإشارة إليه من أهمية وجود معلم أو أحد من الأسرة أو من الزملاء لا سيما عند التسميع والمراجعة، وإلا فبالمسجلات ونحوها حتى تتحقق عملية التقييم على أي حال، ثم إن خير معين لضبط الحفظ هو ربط قراءة المحفوظ بالصلاة وخاصة في النوافل منفرداً أو جماعةً.
ومن ترجم هدفه وخطته في الواقع العملي مخلصاً لله تعالى مع المداومة ولو كان المقدار قليلاً، فإنه عسى أن يكون ممن يُقال له: “اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها”[3]، فدلت على أن الساعات التي نقضيها مع القرآن الكريم هي من أثمن ما ندخره ليوم نلقى فيه ربنا سبحانه وتعالى.
تخصيص وقت وافر لبر الوالدين وصلة الرحم
إن بر الوالدين وصلة الرحم ليسا واجباً دينياً فحسب، وإنما خلق كريم يعكس حسن التربية وسمو الأخلاق، ولذا لا بد من تخصيص جزء كافٍ من الوقت – أو إدراج زيارات الوالدين إن كانا في بيت منفصل – كمواعيد أساسية في جدول الإجازة التي لا تتغير، ويكون وقتاً متميزاً في تلبية احتياجاتهما والقرب منهما، والتحدث معهما بلطف واحترام، أو اصطحابهما في نزهات هادئة لإدخال السرور إلى قلبيهما، فيتحقق بر الوالدين بالإحسان إليهما بشكل رائع خلافاً لأيام العمل والدراسة وكثرة الانشغالات اليومية.
وكما يجب تقديم الأولوية في الوقت لصلة الرحم على غيرها، من حيث تخصيص الوقت المناسب لزيارتهم، والسؤال عن أحوالهم، ومساعدتهم عند الحاجة، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم، أو المبادرة بالاتصال الهاتفي للاطمئنان على الأقارب البعيدين أو كبار السن، مما يشعرهم بالاهتمام المستمر، ويعزز المحبة ويقوي الروابط الأسرية، ويسهم في ترسيخ قيم التكافل والتراحم التي هي أساس المجتمع المتماسك الذي يسوده الحب والبركة والاستقرار.
ويقول عليه الصلاة والسلام: “من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه[4]. وهذا يؤكد على أهمية استغلال وقت الإجازة للزيادة في بر الوالدين وصلة الرحم لما فيه من أسباب نيل رضا الله تعالى وبركة العمر وطوله والبسط في الرزق.
تنمية المواهب والقدرات
هنيئاً لمن جعل فرصة الإجازة لإنجاز ما قد يكون نقطة تحول إيجابي في حياته، فرب مهارة تعلمها الإنسان في أوقات الإجازة كانت سبباً في نجاحه العلمي، أو تميزه المهني، أو ربما ينفع بها أمته أجمع.
والإسلام دين يحث على طلب العلم واكتساب ما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، فأيام الإجازة من أفضل الأوقات التي يمكن للإنسان أن يستثمرها في تطوير نفسه واكتساب معارف ومهارات جديدة.
ومن أنفع الوسائل المعينة في هذا الباب هو الالتحاق بالدورات العلمية التي تسهم في تنمية القدرات الفكرية والعملية، وتساعد كذلك على بناء شخصية واعية وقادرة على مواكبة متطلبات العصر.
وتبرز أهمية الدورات العلمية في أنها تمنح الإنسان فرصة لتوسيع مداركه، وتعميق فهمه للعلوم والمعارف، واكتساب مهارات يحتاج إليها في حياته الدراسية والعملية، مثل: مهارات البحث، أو القراءة السريعة، والتفكير الناقد، والتواصل، وحل المشكلات، أو مهارات في مجال الحاسب الآلي والذكاء الاصطناعي، أو إدارة الوقت والتخطيط الشخصي، أو تعلم أي لغة سائدة أو تحسينها.
كما أن الدورات تتيح للمشارك فرصة التعرف على أشخاص آخرين يشاركونه في نفس الاهتمامات والتوجهات، مما يثري خبراته ويوسع آفاقه، بل قد تسهم في تنمية الثقة بالنفس، وتشجع على حب التعلم المستمر.
والمقصود أنه من العيب أن تنقضي الإجازة دون أثر إيجابي جديد ملموس في حياة المسلم، بل اللائق به أن يستغل إجازته لاكتساب مهارة تحقق منفعة حقيقية، ما دامت تتناسب مع قدراته وميوله ولم يوجد فيها محظور شرعي، وتكون أيضاً قابلة للاستمرار بعد انتهاء الإجازة كي تتحول المعرفة إلى مهارة راسخة نافعة.
وقد قال عليه الصلاة والسلام: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير[5]. فمفهوم القوة عام وشامل لقوة الإيمان والبدن والعقل والعلم والمهارة ونحوها.
استثمار إجازة السفر فيما يرضي الله تعالى
قال رسول الله ﷺ: “إنما الأعمال بالنيات[6]. يمكن للمسلم تحويل رحلة عطلته – براً كانت أو جواً – إلى رحلة إيمانية قلبية ذات أجور عظيمة، إذ السفر في حد ذاته يمثل فرصة نوعية للارتقاء الإيماني وتعميق الاتصال بالله تعالى، من خلال اغتنام أوقات الانتقال والانتظار في التأمل في آيات الله ومخلوقاته، والتسبيح، وقراءة الأذكار، والإكثار من الدعاء، وقد ورد في الحديث أن دعوة المسافر مستجابة. {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير} [العنكبوت: 19-20].
ولا بأس من الاستعانة بالتطبيقات والأدوات المساعدة على فقه وأحكام السفر كالقصر والجمع بين الصلاتين أو المسح على الخفين وغيرها، أو تطبيقات الأدعية والأذكار للالتزام بالورد اليومي في أي مكان.
ويَحسُن إلى جانب ذلك استثمار وقت السفر من مجرد استرخاء ونزهة إلى تجربة لتطوير الذات وتوسيع المدارك، من حيث جعل الأنشطة التطويرية والتعليمية والثقافية والاجتماعية ضمن برامج السفر، مثل زيارات المتاحف العلمية في البلد المقصود، أو المراكز الابتكارية والثقافية، والأماكن التاريخية، أو حضور المؤتمرات أو الفعاليات المهنية أو معارض الكتب ونحوها مما يُثري المدارك العلمية والثقافية، مع محاولة كتابة المذكرات الخاصة بما جرى في الرحلة حتى تتم المزاوجة بين متعة السفر وتطوير الذات.
ثم إنه يجب أخذ الحذر من مواطن الغفلة؛ فإن السفر لبعض أماكن الترفيه والانشغال قد يُوقع في تضييع الصلوات، أو إطلاق البصر، أو إضاعة الأوقات، أو يُسبب التقليد للعادة السيئة أو التأثر بالبيئة وبلايا لا تُحمد عقباها، ولذلك يحرم السفر إلى أماكن الفساد أو السياحة التي تشتمل على معصية أو تؤدي إليها، أو كان مقصدها فعل المُحَرَّم، فالواجب أن تكون السياحة الترفيهية وسيلة للاستجمام والاستعانة على الطاعة لا للخروج عنها والعصيان.
قال الحسن البصري: “أدرَكت أقواماً كان أحدُهم أشحَّ على وقتِه منه على درهمه وديناره[7] من شدة استغلال الوقت بما يعود بالنفع من حصيلة خيري الدنيا والآخرة. ولكن نؤكد على أن الترفيه المباح جزء من حياة المسلم إذا خلا من المحرمات.
العمل التطوعي وخدمة المجتمع
الإسلام دين المجتمع والإحسان والتعاون والتكافل، والمؤمن يألف ويُؤلف، ويرغب في نفع الآخرين تقرباً إلى الله تعالى.
ومن أجمل ما يخرجه المسلم من زكاة إجازته أن يكون قد ترك أثراً طيباً في مجتمعه قل أو كثر؛ فلا يُظن بأن خيرية الإنسان وإحسانه تُقاس بما يملكه من مال أو جاه أو شهرة، وإنما بما يقدمه من نفع للآخرين، فرب ساعة يقضيها الإنسان في خدمة الناس، أو تعليم جاهل، أو تفريج كربة، تكون أعظم أجراً من ساعات طويلة قُضيت في اللهو الذي لا ثمرة له، وصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام القائل: “خير الناس أنفعهم للناس”[8]. ودل الحديث على أن النفع المتعدي أشرف من القاصر، وأيام الإجازة فرصة ثمينة لمضاعفة النفع المتعدي والاستثمار في خدمة المجتمع، إما بالمشاركة في الأعمال التطوعية، أو زيارة المرضى وكبار السن، أو توزيع الماء والطعام، خاصة في أيام الحر، أو مساعدة الجيران والمحتاجين، وقد يكون النفع أيضاً بكلمة طيبة، أو إفادة الآخرين بخبرة، أو بابتسامة، أو بأي شيء ينوي به نفع الغير.
ويوضح هذا المعنى الشامل حديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: “لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق”[9].
ومن ذلك أيضاً قوله ﷺ: “كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة”[10].
فكلما كان المسلم أكثر نفعاً للناس والمجتمع، كان أقرب إلى محبة الله تعالى ومحبة الناس وثقتهم، علاوة على نشره لروح التعاون والتكافل، والأجر المستمر الذي سيخلفه ما دام النفع باقياً.
الخلاصة
والخلاصة، أن العبادة منهج حياة راسخ فلا إجازة فيها؛ فالصلاة، وذكر الله، وقراءة القرآن، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الناس عبادات مستمرة في كل زمان ومكان، وإنما يغتنم المسلم المواسم الاستثنائية مثل الإجازة الصيفية التي تمنح وقتاً أطول لحصاد أنواع من الأعمال الصالحة.
وعلامات نجاح الإجازة: هو الثبات على الطاعة؛ فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، والمؤمن لا يجعل عبادته مرتبطة بموسم معين، ومن وفقه الله إلى الجمع بين الطاعة، وحفظ القرآن، وطلب العلم، وقراءة الكتب النافعة، وحضور الدروس، والمشاركة في الأعمال التطوعية، وتعلم المهارات النافعة وغيرها ثم الاستمرار بعد انتهاء الإجازة دون تراجع، فقد اغتنم إجازته خير اغتنام، فخرج أكثر إيماناً، وأقوى علماً، وأفضل خلقاً، وأنفع للناس.
