لم تكن الشريعة المنطلقة من دقائق تفاصيل حياة النبي وصحابته في غفلةٍ عن الإحساس بالنزعات الإنسانية، والأبعاد النفسية والاجتماعية في الأحكام الشرعية، تلك الأبعاد التي كانت مبرراً رئيساً لصدور أحكامٍ وتشريعات محترمةً لها، ومدركة خطر إغفالها في سدادة ثغرات وخلخلات اجتماعية حتمية.

ولعلي في الأبعاد النفسية والاجتماعية في الأحكام الشرعية أعطي نموذجاً لنصٍ شرعي عكس أحكاماً لم يبررها إلاّ النظر في أبعاد النفس، وتقدير ما ينتج عن إهمال حاجاتها.. فها هي امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنهما في حديث الخلع تأتي رسول الله فتقول نصاً: ( ما أعيب عليه من خلقٍ ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام ).

طلقها تطليقة

لم تشر الرواية إلى أن الرسول سأل المرأة عن السبب الذي دفعها لقول ذلك والرجل كما تصف مكتمل الدين والخلق، كما أنها لم تشر أيضاً إلى أن النبي وبخ، أو أنب، أو قال: خافي الله يا امرأة، أو اتقِ الله، كل ما تفوه به النبي كلمة واحدة: أتردين عليه حديقته؟ (مهراً أمهرها إياه)
فقالت: نعم.
فالتفت إلى ثابت التفاتة تنبئ عن سرعة استجابة لطلب المرأة في الفراق قائلاً: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة.

وكلما دققنا النظر في مقالة المرأة ازددنا دهشة من دعوى لا توصل مقدمتها إلى النتيجة التي انتهت إليها، فإذا كان الرجل كما تصفه بملء فيها لا خلل ظاهر في دينه وخلقه فلماذا كانت الدعوى أصلاً؟، وما الذي ألجأها إلى التهديد بكلمة الكفر التي ارتدع المسلمون عن النطق بها في أشد المواقف مأزقاً في موضع الابتلاء أمام قريش وجبروتها وسومها لهم بأصناف العذاب؟، وأين تفوهت بها؟.. في مجلس قضاء أمام سيد الأنام نبي الإسلام، وحاكم الأمة، وقاضيها.

لو صدرت هذه الشكوى أمام أحد قضاتنا لاعتبر ما ذكرته المرأة تبجحاً، ولربما عزرها بعقوبة رادعة لها ولغيرها عن الجهر به، أو ربما حكم عليها بالردة وطالبها بالنطق بالشهادتين، ولو همست بها لصفيّ بغرض التنفيس لما نجت من سياط اللوم، ولاتهمت بالجحود لنعمة الكريم الذي منّ عليها بهذا الرجل النفيس.

أراه أقبحهم منظراً

إلاّ أن الرواية تخبرنا بأنّ شيئاً مما توهمناه مما هو مبني على تصور الطبيعي في حياتنا لم يقع.. لم يلم النبي ولم يعتب، لم يؤنب ولم يعاقب، لم يأمر بالصبر والتصبر، لم يهمل الدعوى ولم يؤجل إلى فترات متباعدة تموت على أثرها النفس على النفس حسرة لضياع عمرها.

رغم مقدمة المرأة المنصفة للرجل الواصفة له بالخلق والدين يلتقط النبي ألماً نفسياً فاحشاً خلفها وشى به قولها: (ولكني أكره الكفر في الإسلام)، دفع إلى سرعة الاستجابة و أمر الرجل بالفراق.

ورغم تفسير أهل العلم لقول المرأة: ( ولكني أكره الكفر في الإسلام ) بأحد تأويلين:
الأول: أنها تكره الخروج عن ملة الإسلام، ولكنها ستفعل إن كان هو السبب في فراقها للرجل؛ إذ أن الشريعة تحكم بالتفريق بين الزوجين في حال ردة أحدهما.
الثاني: أنها تكره أن تكفر به كعشير فتمتنع عن إجراء حقوقه الواجبة عليها.

إلاّ أنني رغم ذلك ألمح في مقولتها ملمحاً آخر ألا وهو خوفها على نفسها الفساد والانحراف، يعززه إيراد الإمام ابن حجر رحمه الله في ثنايا شرحه للحديث في كتابه فتح الباري روايةً تبرر فيها المرأة طلبها لفراق زوجها البعيد عن النقائص تقول فيها: ( كنت أرفع الخباء فأراه مقبلاً في القوم أقصرهم قامةً، وأقبحهم منظراً).

فقولها (مقبلاً في القوم) يُظْهِر أنها كانت تقارن بينه وبين غيره من الرجال الذين قد يكون بينهم مما قد يستتبع دفعها قسراً إلى الافتتان، ثم هي لم تقل: كان قبيحاً قصيراً، وإنما ذكرته في إطار المقارنة بينه وبين رفاقه المستوجب لطول تدقيق و تأمل، يعزز ما ألمحت إليه أيضاً تعبيرها بـ ( أكره الكفر في الإسلام )، دون التعبير بـ ( أكره الكفر بعد الإسلام ).

الدين والبعد الإنساني

لم يستفصل النبي رغم هول كلمة المرأة عندما وجد نفسه أمام عبارة فاضحة لمعاناة ثقيلة ونفسٍ متأرجحة بين الثبات على الدين والانقلاب عليه أو على ما يقتضيه من آداب وأخلاق لثوران نزعاتٍ نفسية ملحة بغض النظر عن تجسدها في شعورها بالألم لظلم من لا يستحق- أقصد به زوجها الذي وصفته بالدين والخلق – أو لخوفها من الوقوع في مهاوٍ تنأى بنفسها عن التردي إليها.

وعلى جميع التكهنات والافتراضات فإن النبي الإنسان شعر بمعاناة النفس فحكم بما يرفعها، وحكم أيضاً بما يحمي به المجتمع جراء انفجارها والثورة على متجاهلها، فكانت ردة الفعل في سرعة الاستجابة وفي الإعذار بتجنيب قسوة الملامة والعتاب.

ولو أن القضاة لدينا استلهموا السلوك النبوي وساروا على نهجه لما طال نفس القضايا في أروقة المحاكم ولما وجدت كثير من النساء أنفسهن بين مطرقة اللوم وسندان التسويف.

و بخصوص الأبعاد النفسية والاجتماعية في الأحكام الشرعية، ولعلي في دراسة أخرى لوجه قضية شرعية أخرى أعزز الاعتراف بحاجتنا لذلك البعد الإنساني عند التعاطي مع القضايا الشرعية.


د.إلهام باجنيد – 02 مارس 2010