لقد خصّ الله عزّ وجلّ أنبياءَه عليهم الصلاة والسلام بالكمال البشري في الأخلاق والسلوك، فجاءوا قدوات لمن بعدهم، يُهتدَى بأخلاقهم، ويقتدى بسلوكهم، كما كان الشأنُ في توحيدهم وإيمانهم، ومعرفتهم بربهم، ولا غرابة فيما وصلوا إليه من أخلاق عالية، وصفات نبيلة، فما هي إلا من آثار التصوّر الصحيح، والإيمان العظيم، فالارتباطُ بين المعتقَد والسلوك ارتباطٌ قوي، وبينهما تناسَبٌ طردي، تشهدُ له الأدلة والتجارب، فكلّما صحَّ الاعتقاد وكان سليماً، فإنّ الأخلاق تعلو وتنمو، وتشرقُ، والعكس بالعكس.
وحسبنا أن نستعرضَ بعض هذه الأخلاق الرفيعة، لتدلُّنا على بقيتها، لعلَّ القلوبَ ترقُّ، والعزائمُ تستيقظ، لتلحق بهذه الصفوة المباركة، فتهتدي بأخلاقهم، وتسير بسلوكهم، وخاصة في مثل زماننا المعاصر، الذي يشهد أزمةَ أخلاق، وسوء ممارسات في التعامل بين الناس، فإن كنّا محبين للأنبياء حقيقةً فهذه أخلاقهم عليهم الصلاة والسلام، وقد أمرنا الله عز وجل بالاقتداء بهم فيها وفي غيرها: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [سورة الأنعام: 90] (الإيمان بالرسل، د. علي الصلابي، ص180)
ومن هذه الأخلاق ما يلي:
1 – خلق الرحمة بالناس والشفقة عليهم من عذاب الله عز وجل
قال تعالى عن دعوة نوح عليه السلام لقومه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الاعراف: 59].
فنوحٌ عليه السلام خوّفهم إنْ لم يطيعوه عذابَ الله، فقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهذا من نصحه عليه السلام لهم، وشفقته عليهم، حيث خاف عليهم العذاب الأبدي، والشقاء السرمدي، كإخوانه من المرسلين، الذين يشفقون على الخلق أعظم من شفقة ابائهم وأمهاتهم. (وقفات تربوية، عبد الرزاق عفيفي، ج3 ص97)
وهذا التخوفُ على الناس من عذاب الله عز وجل كان عندَ جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن ذلك قول الله تعالى عن شعيب عليه السلام يحذر قومه: ﴿وَيَاقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 89].
وقد وصف الله عزّ وجلّ نبيه محمد (ﷺ) بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
2 – النصح للناس
قوله تعالى عن نبيه نوح عليه السلام: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْأَعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 61‑62].
وقوله تعالى عن نبيه هود عليه السلام: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْأَعَالَمِينَ *أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: 67 – 68].
وقوله تعالى عن نبيه صالح عليه السلام بعد هلاك قومه: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 79].
وقوله تعالى عن نبيه شعيب عليه السلام بعد هلاك قومه: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَال ياقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الاعراف: 93].
ولقد بلغ النصحُ والشفقةُ على الناس من نبينا محمد (ﷺ) حتى كادَ هذا الأمرُ أن يهلكَه، فخاطبه الله عز وجل قائلاً: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ *﴾ [الشعراء: 3]، فكان يحزن حزناً شديداً على عدم إيمانهم نصحاً لهم، وشفقة عليهم. (تفسير السعدي، ج2 ص122)
ومن هذا الباب، أيضاً تلك الدعوة التي وجهها إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه ، والتي كانت كلّها نصحٌ وشفقةٌ رحمةٌ مع أدبٍ جمٍّ ، وحلم وتلطف ، من الابن النبي إلى أبيه الكافر: قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صَدِّيقًا نَبِيًّا *إِذْ قَالَ لأِبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا *يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا *يَاأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا *يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا *قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا *قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم : 41 – 47].
ومع أنّ الأبَ الشقيَّ ردَّ نصيحة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهدّده، وتوعّده بالرجم، وطالبَه بالهجر والمقاطعة، إلاّ أنّ الابن البار الخائف على أبيه من عذاب يمسّه من قبل الرحمن قال: فلما أيس من ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾، تبرأ منه، واعتزله، وترك الاستغفار له، ومع ذلك فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يحاوِلُ الشفاعة فيه يوم القيامة، ولكن حقّت كلمةُ العذابِ على الكافرين.
ومن ذلك قوله تعالى عن إسماعيل عليه السلام: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا *﴾ [مريم: 55].
أي وكان مقيماً لأمر الله على أهله، فيأمرهم بالصلاة المتضمنة الإخلاص للمعبود، وبالزكاة المتضمنة الإحسان إلى العبيد، فكمّل نفسه، وكمّل غيره، وخصوصاً أخصّ الناس عنده، وهم أهله، لأنهم أحقّ بدعوته من غيرهم. (وقفات تربوية، مرجع سابق، ج3 ص100).
