تبدو علوم الإدارة في ظاهرها حديثة النشأة، وكأنها استقرت في عالم المؤسسات بعد تراكم طويل من التجارب الاقتصادية والتنظيمية، ومع ذلك، فإن القراءة الهادئة للقرآن الكريم تكشف عن مساحة واسعة تتشكل فيها ملامح القيادة والعمل الجماعي وصناعة القرار، يظهر هذا المضمون من خلال القصص والمواقف التي تتناول الإنسان في ظروف متعددة: أمن وخوف، رخاء وضيق، بداية مشروعٍ أو مواجهة عقبة، وكلها مشاهد تحمل عناصر عملية يستطيع القارئ المعاصر استحضارها في واقعه المهني.
يمكن للمتأمل في قصة يوسف عليه السلام أن يلاحظ حضورًا واضحًا للتخطيط البعيد، وكيف تُدار الموارد وفق رؤية تمتد لسنوات طويلة، جاءت الأحداث لتبين أن التعامل مع الواقع يحتاج إلى فهم دقيق لموازين القدرة والمسؤولية، وإلى وعي يربط بين الحاضر وما سيأتي من تحديات، وفي تجربة موسى عليه السلام تظهر ملامح القيادة التي تحافظ على تماسك الجماعة في المواقف الحرجة، وتواجه القلق الجماعي بثبات يزرع الطمأنينة في النفوس، أما السيرة النبوية فتقدّم نموذجًا يتعامل مع الناس بروح المشاركة، ويعتمد على بناء الثقة، ويجمع بين الرحمة والحزم بطريقة تجعل القيادة ممارسة إنسانية قبل أن تكون منصبًا.
هذه الأمثلة وغيرها تفتح نافذة لفهم مختلف للإدارة داخل النص القرآني، فالنظرة القرآنية للإنسان تقوم على احترام طاقته وقدرته على الإسهام، وعلى تنظيم العلاقات بما يحفظ الحقوق ويعزّز الانسجام، كما تتضمن تعاليم تُعين على ضبط السلوك داخل الجماعة، مثل التثبت من الأخبار، وتقديم النصيحة، والتحلي بالعدل، وإعطاء الكلمة الهادئة وزنها في مواجهة التوتر.
وتكشف هذه الرؤية عن إدارة تتجاوز الطابع الإجرائي المعتاد، لتصل إلى مستوى أعمق يرتبط بالقيم التي تمنح العمل معناه، وفي هذا المستوى تتقاطع مبادئ القرآن مع ما يُعرف اليوم بـ الإدارة القيمية؛ “values based management “، تلك التي تجعل الأخلاق قاعدة للسلوك الفردي والجماعي، وتمنح القرار عمقه الإنساني، وتربط المسؤولية بضمير لا يغيب، فالإنسان في القرآن جزء من منظومة متكاملة تشكل فيها القيم أساسًا للأفعال، وينعكس حضورها على طرق اتخاذ القرار، وأساليب التعامل، وإدارة الضغوط، وبناء العلاقات داخل أي مؤسسة أو مجتمع.
وانطلاقًا من هذا المدخل، سنحاول تتبع الملامح الإدارية في القرآن من خلال محطات متعددة، فكل قصة تحمل بعدًا إداريًا يمكن الاستفادة منه اليوم: إدارة الموارد في قصة يوسف، وإدارة الأزمات في تجربة موسى، وتنظيم المشاريع في نموذج ذي القرنين، وبناء الفريق في السيرة النبوية، وتضيف النصوص التشريعية والأخلاقية إطارًا أوسع لفهم العلاقات الإنسانية والضوابط التي تحفظ تماسك الجماعة.
وتأتي هذه القراءة باعتبارها محاولة لفتح مساحة أوسع للتأمل في الحكمة القرآنية التي تتعامل مع الإنسان باعتباره أساس العمل ومركزه، فالنص لا يفصل بين الأخلاق والإدارة، ولا ينظر إلى المسؤولية بوصفها إجراءً أو سلطة، بل باعتبارها ممارسة تقوم على قيم واضحة، وتستند إلى فهم لطبيعة البشر وما يحتاجونه من عدل وثقة وتواصل، ومن خلال هذا المنظور يمكن أن تتشكل رؤية أعمق للإدارة، رؤية تعطي للقرار بعده الإنساني، وللعلاقات معناها، وللعمل روحه التي تعينه على الاستمرار والنجاح.
