قال: محمد إقبال رحمه الله: (ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا).

طفق الفلاسفة منذ “إيمانويل كانط” خاصة، يبلورون ملامح (الإيمان الحر) بوصفه أفقا للنقاش الروحي الذي لا يحتوي على أي محتوى ديني محدد، (في محاولة للتخلص من الأديان وفك الارتباط مع التدين والتنفير منه).

أي هو إيمان فلسفي فردي بلا دين رسمي إلا عرضا، وهو لا يحتاج إلى طقوس.

إن أصحاب دعوة (الإيمان الحر) أقاموا دينهم هذا على فكرة ملهمهم “إيمانويل كانط” التي تقول: (إذا كان ثمة شيء يحق للإنسان الحديث أن يفخر به على سائر البشر السابقين فهو إيمانه العميق بالحرية، بأنه كائن حر. لا يدين بقدرته على التفكير بنفسه، ومن ثم على إعطاء قيمة خلقية لأفعاله أو لمصيره الخاص إلى أي جهة كانت مهما علت أو بسطت عيبتها على عقولنا.. ).

ودعاة الإيمان الحر يعلنونها صريحة دعوة إلى دين خال من الشعائر؛ دين من صنعهم وعلى مقاييسهم بدون أن يكون للإرادة الإلهية تدخل، فهي دعوة إلى التحرر من الدين إلى (اللا دين)، ولكن تحت مسمى الدين.. يعتبرون أن الدين الإلهي المنزل مشكلة.

فمشكلتهم هي كيف نخرج الإنسانية من (دين الشعائر) إلى (دين العقل)؟ – دين اللا شعائر دين لا يتوجه إلى الله.

كيف نخرج الإنسانية من دين تاريخي خاص بشعب دون آخر، إلى دين عقلي هو كوني لكل الشعوب؟

إن الدعوة لعقيدة أو دين ما بعد الملة هو في حقيقته رفض للدين ولحقيقة الأديان، وهو ما يتعارض مع العقل والفطرة وما جاء به الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

يقول: أحد دعاة هذا الدين: والإيمان الحر هو إيمان الفرادى الذين تخلوا عن أي التزام دعوى تقليدي باسم هذا الدين الرسمي أو ذاك. لكن (المؤمن الحر) ليس ملحدا أو لا دينيا! إذا فماذا يكون؟!

ماهو الإيمان الحر ؟

الإيمان الحر هو ذاك الذي يريد تحرير العلاقة البشرية بـ (فكرة الله) من سلطة الأديان التقليدية التي وقفت في كل الملة وإعادتها إلى العقل البشري بما هو كذلك. ولذلك هو إيمان ليس له معنى خارج أفق الإنسانية. وبذلك المؤمن الحر لم يعد معنيا بأي مناظرة رسمية مع أصول الدين التقليدي. بل يقف فيما وراء الاعتقاد والكفر بالمعنى التقني الذي يضبطه اللاهوت أو الفقه في العصور الوسطى!!!.

وأصحاب دعوة الإيمان الحر يقولونها – علنا – أنه لا تحتاج مجتمعات ما بعد الدينية إلى الإلحاد؛ بل فقط إلى تحرير الإيمان من الأديان النظامية!!!

إن الإيمان الحر هو شكل غير ديني أو ما بعد الديني. (إبيتيقي/ روحي/ أدبي بالمعنى الأقصى للكلمة). وهل بعد الدين والإيمان إلا الكفر الصريح؟؟

إن أول رهان للإيمان الحر هو تحرير الموت من (دلالاته الأخروية) وإعادة تناهيه البشري لدى أي كان.

وهذه دعوة صريحة إلى إنكار البعث والحساب والجنة والنار، وهي تمثل الدهرية التي ذكرها القرآن الكريم: ﴿ أإنا لمبعوثون ﴾ [الإسراء: 49، 98 / المؤمنون: 82..]، و﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ [الجاثية: 24]، و﴿ من يحي العظام وهي رميم ﴾ [يس: 78].

هذه الدعوة الجاهلية قال بها مشركو قريش، ورد عليهم الله تعالي في كتابه الكريم قال تعالى: ﴿ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ﴾ [يس: 78، 79].

وقوله تعالى: ﴿ وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ﴾ [المؤمنون: 82]، ﴿ ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ﴾ [النجم: 31]، هذا التقرير لملكية الله وحده لما في السموات والأرض يمنح قضية الآخرة تأثيرا، فالذي جعل الآخرة وقدرها هو الذي يملك ما في السموات والأرض وحده، فهو القادر على الجزاء المختص به والمالك لأسبابه، ومن شأن هذه الملكية أن تحقق الجزاء الكامل العادل؛ ﴿ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ﴾.

﴿ وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون * أوآباؤنا الأولون * قل إن الأولين والآخرين * لمجموعون إلىٰ ميقات يوم معلوم ﴾ [الواقعة: 47 – 50].

إن الدعوة لاعتناق مذهب الإيمان الحر ما هي إلا ترديد لصدى دعوة “كانط” في كون الدين في حدود مجرد العقل.. يصف فيها الدين وحدوده بأنها سالبة ومحدودة مع المحدود؛ يعني ما هو مأمور به أو منهي عنه أو محرم أو مكروه أو معاقب عليه، وذلك باسم وصايا أو عقائد تتجاوز حكمتها أو ظروفها وفق فهم البشر وهي حقيقة بلا رجعة.

إن أول رهان للإيمان الحر هو تحرير الموت من دلالاته الأخروية وإعادته إلى تناهيه البشري لدى أي كان، وإن المؤمن بالله وبالآخرة لا يستطيع أن يشغل باله – فضلا عن أن يعامل أو يعايش – من يعرض عن ذكر الله وينفي الآخرة من حسابه؛ لأن لكل منهما منهجا في الحياة لا يلتقيان في خطوة واحدة من خطواته، ولا في نقطة واحدة من نقاطه.

والرد على هؤلاء جاء في نفس السورة ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون * ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ﴾ [الواقعة: 60 – 62]، إنها مسألة كبيرة الإيمان بالله والإيمان بالآخرة، مسألة أساسية في حياة البشر، إنها حاجة أكبر من حاجات الطعام والشراب والكساء. وهي إما أن تكون فيكون إنسان.. أو لا تكون فهو حيوان من ذلك الحيوان.

يؤكد (الما بعد مليون) في العالم العربي والإسلامي اقتدائهم بالغرب (الما بعد ديني) على شخصنة الإيمان، ويدعونها صريحة إلى مجتمع يكرس مقولة الفرد، لقد تأكد اليوم في أفق الثقافة الغربية في طورها ما بعد العلماني أن الإيمان مشكل شخصي. لكن المؤمن الحر يعرف أنه لا معنى لما هو شخصي دون أن تعيش في مجتمع يكرس مقولة الفرد.

والنتيجة هي أن المؤمن – بمفهوم ما بعد الملة – ليس عليه أن يكون متدينا بالضرورة!!! وأن التدين مجرد فضول ثقافي لتأمين جرعة هوية لنوع من الناس.

ويمعن (اللا مليون) في إنكار الدين ويدعون إلى مصدرهم الذي يسمونه المصدر “الذاتي” دون اعتبار للإله خالق الكون وخالقهم بدعوى عدم قبول الوصاية من أحد أو أي جهة!!!.

إن “الما بعد ملية” هي دعوة خالية من الإيمان؛ صريحة في إنكار الدين وهروب من الأوامر الإلهية، وطريق إلى الانحلال والفسق، ودعوة غير مباشرة إلى الإلحاد وإن كانت أقرب وسيلة إليه.