بداية .. إن الاختلاف لا يحمل معنى المنازعة، وإنما المراد منه أن تختلف الوسيلة مع كون الهدف واحدا، وهو مغاير للخلاف الذي ينطوي على معنى الشقاق والنزاع والتباين في الرأي دون دليل.

الفرق بين الخلاف والاختلاف

أوضح العلماء الفرق بين الاختلاف والخلاف في أمور عدة، ومن أهمها:

1 الاختلاف: هو أن يكون الطريق مختلفا، والمقصود واحدا، أما الخلاف هو أن يكون كلاهما -أي الطريق والمقصود- مختلفين.

2 الاختلاف: ما يستند إلى دليل، أما الخلاف فلا يستند إلى دليل.

3 الاختلاف من آثار الرحمة والتنوع والتكامل، أما الخلاف فمن آثار البدعة والتشرذم والتضاؤل.

4 ولو حكم القاضي بالخلاف، ورفع لغيره يجوز فسخه بخلاف الاختلاف، فإن الخلاف هو ما وقع في محل لا يجوز فيه الاجتهاد، وهو ما كان مخالفا للكتاب والسنة والإجماع.

قال ابن العربي عند قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران:105]}: إن التفرق المنهي عنه يحتمل ثلاثة أوجه:

  1. التفرق في العقائد.
  2. التفرق في القلوب؛ ومن ذلك قوله : “لا تحاسدوا، ولا تدابروا.
  3. التخطئة في الفروع: فإن الكل بحبل اللَّه معتصم، وبدليله عامل، وقد قال : «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة»، فلما حضرت صلاة العصر أخر بعض الصحابة الصلاة حتى وصل بني قريظة؛ أخذا بظاهر قول النبي ، ومنهم من صلى العصر وقالوا: لم يرد هذا منا، وإنما أراد الاستعجال، فلما رجعوا إلى النبي لم ينكر على أحد منهم.

أسباب الاختلاف

  1. النزعة الفردية للإنسان: لما لكل إنسان من قناعات خاصة يكونها انطلاقا من معنوية مستقلة ورغبة في التميز.
  2. تفاوت الأفهام والمدارك: حيث تتفاوت القدرات العقلية والمواهب والمعارف والمهارات.
  3. تفاوت الأغراض: فالبعض قصدهم الصلاح ومعرفة الحق، والبعض يراعي مصالحه الخاصة.
  4. تباين المواقف والمعتقدات: حيث إن ما يعتقده الإنسان يؤثر في الآراء التي يطرحها والمواضيع التي يتحدث أو يبحث فيها، وهذا ينتج عن تضارب الآراء وتباين الأفكار.

موقف الإسلام من الاختلاف

يصنف الإسلام الاختلاف إلى نوعين:

أ. الاختلاف المقبول: وهو النابع من تباين في الفهم بسبب إشكال لفظي، أو تعدد دلالات التعابير، أو اختلاف في فهم الأدلة، مثل حديث: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فقد حصل للصحابة التباس في فهم المراد؛ حيث فهم البعض ضرورة الإسراع في الوصول إلى بني قريظة وأداء الصلاة في وقتها، وفهم البعض أن النبي أراد تخصيص مكان صلاة العصر ولو خرج وقتها، ومع ذلك لم ينكر النبي على أحد، فكان خلاف رحمة.

ب. الاختلاف المذموم: وهو النابع من هوى أو جحود للحق، والمؤدي في نهايته إلى النزاع، وقد توعد الله تعالى أصحابه بالفصل بينهم يوم القيامة؛ لما في خلافهم من ضلال وتزييف، فهذا خلاف نقمة، قال سبحانه في سورة الجاثية: {وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الجاثية:17].

من آداب الاختلاف في الإسلام

1. التسامح: وهو خصلة من خصال الإيمان يرقى المسلم بها من مستوى التعصب إلى مستوى التراضي، ويعين على التطاوع بدل التنازع؛ للوصول إلى التكامل والحوار البناء دون تنازل المتسامح عن مبدأ ما لحديث الرسول : «رحم الله عبدا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى». (رواه البخاري)

2. قبول الآخر: وهو اعتراف كل من المختلفين بالآخر، وتقوية روح الفهم والتضامن، ويترتب عليه: اجتناب التعالي والاستهزاء بالمخالف، قال تعالى: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} [الكهف : 34].

3. الحياء: وهو شعبة من شعب الإيمان، يمنع صاحبه من الاغترار بالرأي، ويدفع عن صاحبه الوقاحة والشعور بالعظمة، قال الرسول : «الحياء من الإيمان»، وقال: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت».

4. الإنصاف: وهو القدرة على الاعتراف بالخطأ، والشجاعة على تصويب الغير إذا تبين صوابه، قال عمار بن ياسر رضي الله عنه: «ثلاثٌ من جمعهنّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار». (رواه البخاري)

كيف ندير الاختلاف؟

1. ضبط النفس: وذلك بمخاطبة الناس بأدب ورفق، ومقابلة العنف بالحلم، والجهل بالعلم، يقول تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].

2. العلم بموضوع الاختلاف: وهو شرط أساسي في النقاش؛ فلا يجادل المسلم في موضوع يجهله، ولا في موضوع خلافي يجهل مكوناته إلا على سبيل الاستفسار، يقول تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [الحج : 8].

3. التفاوض: وفيه يتم فيه تداول الكلام بين المختلفين لاكتشاف نقط التلاقي، ومحاولة إيجاد حلول لتسوية الاختلاف، وبشكل يحفظ للأطراف كرامتهم، ويحفظ الود بينهم.

4. التحكيم: وفيه اختيار عالم أو متخصص مشهود له بالعلم والحكمة لرفع الاختلاف، عند العجز عن التوافق والتفاهم، مثل قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} [النساء : 35].


أحمد مدهار