الاستغفار جاء على وزن “استفعال” الموضوع لطلب الشيء، ومعناه: طلب مغفرة الذنب من غافر الذنب كي يستره ستراً لا يعاقب به، لا في الدنيا ولا في الآخرة. ومن أسماء الله تعالى: “الغَفّار والغَفور”، وهما من أبنية المبالغة، ومعناهما: الساتر لذنوب عباده وعُيوبهم، المُتجاوِز عن خطاياهم وذنوبهم.
وأصل الغَفْر التغطية؛ يقال: غفر الله لك غفراً وغفراناً ومغفرة. والمغفرة: إلباس الله تعالى العفو للمُذنبين[1]. والاستغفار صفة من صفات المؤمنين الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم.
صيغة الاستغفار والمراد بها في النصوص
ترد صيغة الاستغفار ويراد بها الحث على طلب المغفرة، كما في قوله تعالى لنبيه: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]، وكقوله سبحانه: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} [فصلت: 6].
وترد أيضاً بمعنى الإخبار عن حال المستغفر على سبيل المدح، كما في قوله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، وكما في إخبار الصحابة عن هدي النبي ﷺ في المجلس؛ أنه كان يستغفر الله في المجلس الواحد سبعين مرة، وفي رواية: مائة مرة.
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة”[2].
هل الأفضل قول “أستغفر الله” أم “رب اغفر لي”؟
وأما لفظ “أستغفر الله”؛ فإنه قلَّ وروده في مورد التأويل والتطبيق العملي، بل لم يرد على ضوء جميع آيات القرآن الكريم، ولم يشتهر الدعاء به في السنة النبوية، وإنما المشهور الوارد في الهدي النبوي هو اللفظ المطابق للصيغة القرآنية:
- “رب اغفر لي”
- “ربنا اغفر لنا”
وهي الصيغ التي دعا بها جميع الأنبياء المذكورين في القرآن، مما يُشعر بأنه هو هدي الأنبياء العملي في معنى الاستغفار. وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: “سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي”، يتأول القرآن[3]. أي: يمتثل الأمر بالفعل المأمور به.
وفي رواية عند مسلم قالت: ما رأيت النبي ﷺ منذ نزل عليه {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] يصلي صلاة إلا دعا -أو قال- فيها: “سبحانك ربي وبحمدك، اللهم اغفر لي”[4]، متأولاً القرآن وممتثلاً بالاستغفار المأمور به في الآية.
فصيغة “اغفر لي” هي أشهر رواية في السنة من صيغة “أستغفر الله”، إن لم تكن قد رويت الأخيرة بالمعنى. وعن ابن عمر، قال: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس يقول: “رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الغفور”[5]. والمقصود أن لفظ “رب اغفر لي”، أو “ربنا اغفر لنا” هو الأكثر والأشهر والأصح وروداً من غيره من صيغ الاستغفار الأخرى.
أنواع الاستغفار الملغى (غير المقبول)
للاستغفار التام معاني ومقاصد وثمرات يطيب بها العيش، ما لم تشُبْه موانع أو نواقض تجعل وجوده كالعدم. وكم من إنسان مستغفر وهو في واقع الحال في شرود وهروب من الإنابة والاستغفار الحقيقي. ومن تلك الصور الملغية:
1. الاستغفار الأجوف
وهو الاستغفار بلسان المقال والقلب لاهٍ غافل، لا يستحضر حقيقة معنى ما ينطق به اللسان، بل مجرد كلمات جوفاء مقذوفة يتشدق بها، كالهذيان الذي يقوله النائم، فأَنَّى يستجاب لمن حاله هذه! وقد روي في الحديث: “أن الله لا يستجيب دعاء من قلب لاهٍ”، والاستغفار لا يحيد عن معنى الدعاء قيد أنملة، بل يعد من أعظم الدعوات.
2. الاستغفار المحدد (البدعي)
أي الاستغفار المشروط بعدد معين دون نقصان ولا زيادة، كتحديد ألف أو عشرة آلاف استغفار. وقد يُشترط فيه أيضاً هيئة معينة وأوقات وأيام، كثلاثة أو سبعة أيام، أو الاستغفار الجماعي بصوت واحد متردد وراء شخص بألفاظ رشيقة، كما تراه في الشطحات الصوفية والمذاهب المنحرفة. وهذا لا يعني عدم جواز الالتزام بالعدد، وإنما الإنكار على اعتقاد تقييد الاستغفار بصفة معينة لم يدل عليها دليل، بل هو داخل في المضارعة والمضاهاة للشرع؛ وإلا فلا بأس من التقيد بورد معين دون اعتقاد أو دعوة إلى شرعيته.
ومن ذلك قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: “إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم اثني عشر ألف مرة، وذلك على قدر ذنبي”[6].
وهذا البرنامج اليومي الجائز خص أبو هريرة نفسه به، ولم ينسبه إلى الشرع، ولا رتب عليه أجراً ولا فضيلة.
3. حكم الاستغفار للكافر
لما استغفر المؤمنون لموتاهم المشركين، واستغفر النبي ﷺ لعمه أبي طالب، أنزل الله تعالى فيهم النهي الصريح: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ…} [التوبة: 113]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]. وتبين من هذا الوحي المُنزَّل أن الكفر والشرك والنفاق من موانع المغفرة الصريحة ونواقضها الجلية، وهذا بإجماع أهل العلم. وتضمنت الآية أيضاً منع الترحم عليهم مطلقاً دون تعيين كافر بعينه.
هل يجوز الاستغفار للكافر الحي؟
أما طلب المغفرة للكافر الحي فالظاهر جوازه ولا يشمله النهي، ويكون الاستغفار له في هذه الحال من باب الدعاء بالهداية والإيمان. كما يفهم ذلك من صنيع وقول النبي ﷺ يوم أحد: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”[7]. وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل نصراني مات وله ابن مسلم فلم يتبعه، فقال: “كان ينبغي له أن يتبعه ويدفنه ويستغفر له في حياته”[8]، وهذا الذي عليه أهل التحقيق من أهل العلم.
فوائد وشروط الاستغفار الشرعي
الذنوب هي مورد كل بلية وفتنة، وفيروس خطير يشكل تهديداً على القلب والجسد. ومن ثَمَّ شُرِع هذا العلاج الإلهي -الاستغفار- ليكون دواءً ناجعاً يُسترد به مجد العز بعد الذل. وقال قتادة رحمه الله: “إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فداؤكم الذنوب، ودواؤكم الاستغفار”[9].
ومن وطّن نفسه على الاستغفار وداوم عليه يعيش حياة طيبة. ولكن لا يثمر الاستغفار ثماره الملموسة إلا أن يكون مرهوناً بالنية الصادقة، وحضور القلب المخلص، وصدق اللجوء. يقول مطرف بن عبد الله: “صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصحة النية”[10]. ويقول ابن أبي جمرة: “من شروط الاستغفار صحة النية والتوجه والأدب”[11].
ويُفهم من هذا أن الاستغفار الحقيقي والأتم هو المتضمن لذلة الإخبات والخضوع والتضرع إلى الله باللسان والجنان، فيتواطأ الباطن مع الظاهر.
ما الفرق بين الاستغفار والتوبة؟
الاستغفار والتوبة بمعنى واحد عند بعض أهل العلم؛ فلا فرق، وكل منهما إذا انفرد دخل فيه الآخر، وإذا اجتمعا افترقا؛ أي:
- إذا اجتمعا في سياق واحد: دل الاستغفار على طلب التجاوز والعفو عما سلف من الذنوب، وتدل التوبة على العود والرجوع إلى الله بطلب الوقاية مما يستقبل.
- إذا افترقا: فإن كلاً منهما يدل على ما يدل عليه الآخر.
يقول ابن القيم: “فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها… فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار… وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، فالاستغفار طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة والرجوع طلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله”[12].
وعلى هذا فالتوبة هي الاستغفار، والاستغفار هو التوبة، لا فرق، وخاصة عند الافتراق. ومن أهل العلم من لم يرَ تداخلاً بين الاستغفار والتوبة، حتى قال ابن الوزير اليماني: “والفرق بينهما أكثر من أن يحصى إذا تتبعت”[13]. واعتبر الشيخ ابن عثيمين الاستغفار كالتخلية قبل التحلية، وأنه مقدمة للتوبة، ورأى أبو العباس ابن تيمية أن كل منهما عبادة مستقلة عن الآخر.
أوجه الاختلاف بين الاستغفار والتوبة
ومن أهل العلم من لم يرَ تداخلاً بين الاستغفار والتوبة، ورصدوا أوجه الاختلاف الآتية[14]:
- أولاً: الاستغفار قول باللسان (طلب المغفرة)، والتوبة عمل قلبي (الندم والرجوع).
- ثانياً: دلالة النصوص على التفريق بينهما، كما في قوله تعالى: {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ} [المائدة: 74]، وقوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} في غير آية [هود: 90]، وقول النبي ﷺ: “والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة”[15]، ففرق بالنص بينهما.
- ثالثاً: جواز استغفار الإنسان لنفسه ولغيره، خلافاً للتوبة فإنها لا تحصل إلا لنفس التائب فحسب، كما قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]، ولا تصح التوبة لهم. وكذلك مفهوم: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة: 80] يفيد أن ذلك قد ينفع غيرهم من المسلمين كصلاة الميت، وأن للتكرار أثراً ولا معنى له في التوبة أصلاً. وكذلك قوله تعالى في الملائكة: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 5]، وفي آية: {لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7]. وكذلك مدح المؤمنين بقولهم: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10]. وكذلك استغفار إبراهيم لأبيه، وأمثال ذلك مما لا يحصى مما لا يصح حمله على التوبة لتعديه إلى الغير.
- رابعاً: صحة الاستغفار مما تقدم ومما تأخر، كما في حديث التشهد من رواية علي رضي الله عنه: “اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت”[16]، وكذا في أحاديث أخرى؛ ولا تصح التوبة من الذنوب المستقبلة بالإجماع.
- خامساً: جواز تقييد الاستغفار بالأوقات الفاضلة، مثل عقب الصلاة وبين السجدتين وجوف الليل، كما في قوله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، فإنه لا معنى لتخصيص التوبة بالأسحار، بل هي واجبة على الفور، أي: وقت وقوع الذنب، ويضيق وقت وجوب التوبة والبدار بها قبل حضور الغرغرة وطلوع الشمس من مغربها.
- سادساً: أن للتوبة شروط الصحة والقبول، وأعظمها الندم والأسف على ما سلف في الماضي من المعصية مع الاستشعار بقبحها والخوف من المؤاخذة؛ وفيه قوله عليه الصلاة والسلام: “الندم توبة”[17] تنبيهاً على ركنية الندم في التوبة، وأنه نابعٌ من القلب، ثم الإقلاع عن المعصية في الحال ليكون ذلك ترجمة حقيقية للتوبة، ثم العزم على عدم العود في المستقبل، فهذا ثمرة التوبة وعلامة صدقها. وقد يليه رد الحق لصاحبه إن كان الذنب متعلقاً بحق آدمي، سواء كان حقاً مادياً أو معنوياً.
والحاصل من الأقوال والأدلة السابقة أن الاستغفار الحقيقي بريد التوبة الصحيحة، وهما قرينان متلازمان وإن افترقا في المعنى والرتبة. فمن تاب توبة نصوحاً فإنه ولا بد أن يكون قد تجاوز مرحلة الاستغفار، وكذا من استغفر الله حق الاستغفار فلا بد أن يقوده استغفاره إلى التوبة، كما قال بعضهم: “من لم تكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته، فهو كاذب في استغفاره”، ولا ينفع أحدهما بدون صاحبه، وهذا خلاصة الباب والأمر الذي لا يختلف فيه عند الجميع.
هل ينفع الاستغفار مع الإصرار على الذنب؟
الصحيح أن من استغفر وهو مصرّ على الذنب، فحاله خير ممن لم يستغفر، لأنه أقرب للاعتراف.
يقول أبو العباس ابن تيمية: “وأما الاعتراف بالذنب على وجه الخضوع لله من غير إقلاع عنه، فهذا في نفس الاستغفار المجرد الذي لا توبة معه. وهو كالذي يسأل الله تعالى أن يغفر له الذنب مع كونه لم يتب منه، وهذا ليس بيأس من رحمة الله، ولا يقطع بالمغفرة له فإنه داع دعوة مجردة.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من داع يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له من الجزاء مثلها؛ وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها. قالوا: يا رسول الله، إذاً نكثر؟ قال: الله أكثر».
فمثل هذا الدعاء قد تحصل معه المغفرة، وإذا لم تحصل فلا بد أن يحصل معه صرف شر آخر أو حصول خير آخر، فهو نافع كما ينفع كل دعاء. وقول من قال من العلماء: الاستغفار مع الإصرار توبة الكذابين، فهذا إذا كان المستغفر يقوله على وجه التوبة أو يدعي أن استغفاره توبة، وأنه تائب بهذا الاستغفار، فلا ريب أنه مع الإصرار لا يكون تائباً؛ فإن التوبة والإصرار ضدان: الإصرار يضاد التوبة، لكن لا يضاد الاستغفار بدون التوبة”[18].
حكم التوبة من بعض الذنوب دون البعض
صورة المسألة: رجل كان يأكل الربا، ويشرب الخمر، ويغش، ويسرق، ثم تاب من أكل الربا مع إصراره على بقية المعصية، وهل تصح توبته من الربا؟ وفيه قولان، وسبب الاختلاف كما قال ابن القيم: هل التوبة تتبعض كالمعصية، فيكون تائباً من وجه دون وجه، كالإيمان والإسلام؟
- المعتزلة: لا تصح التوبة إلا بترك جميع الذنوب. قالوا: “التوبة فعل واحد، معناه الإقلاع عما يكرهه الله، والندم عليه، والرجوع إلى طاعته، فإذا لم توجد بكمالها لم تكن صحيحة، إذ هي عبادة واحدة، فالإتيان ببعضها وترك بعض واجباتها كالإتيان ببعض العبادة الواجبة وترك بعضها، فإن ارتباط أجزاء العبادة الواحدة بعضها ببعض أشد من ارتباط العبادات المتنوعات بعضها ببعض”[19]
- أهل السنة: تصح التوبة من بعض الذنوب مع الإصرار على الأخرى، لأن كل ذنب له توبة تخصه. فالصحيح الذي عليه السلف والخلف من أهل السنة هو إمكان وجود الطاعة والمعصية في شخص، فتصح منه التوبة من بعض الذنوب مع الإصرار على الأخرى؛ إذ “كل ذنب له توبة تخصه، وهي فرض منه، لا تتعلق بالتوبة من الآخر، كما لا يتعلق أحد الذنبين بالآخر”[20].
تفصيل ابن القيم في المسألة
- إذا تاب من ذنب مع مباشرة آخر لا علاقة له به (مثل الربا والخمر): تصح توبته.
- إذا تاب من ذنب مع الإصرار على جنسه (مثل التوبة من ربا الفضل مع الإصرار على ربا النسيئة، أو التوبة من الزنا بامرأة مع الزنا بأخرى): لا تصح توبته، لأنه في الحقيقة لم يتب من “جنس” الذنب.
قال ابن القيم: “والذي عندي في هذه المسألة أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه. وأما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به، ولا هو من نوعه، فتصح؛ كما إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر مثلاً، فإن توبته من الربا صحيحة.
وأما إذا تاب من ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة وأصر عليه، أو بالعكس، أو تاب من تناول الحشيشة وأصر على شرب الخمر، أو بالعكس، فهذا لا تصح توبته. وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها غير تائب منه، أو تاب من شرب عصير العنب المسكر وهو مصر على شرب غيره من الأشربة المسكرة، فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب، وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر.
بخلاف من عدل عن معصية إلى معصية أخرى غيرها في الجنس، إما لأن وزرها أخف، وإما لغلبة دواعي الطبع إليها وقهر سلطان شهوتها له، وإما لأن أسبابها حاضرة لديه عتيدة لا يحتاج إلى استدعائها، بخلاف معصية يحتاج إلى استدعاء أسبابها، وإما لاستحواذ قرنائه وخلطائه عليه فلا يدعونه يتوب منها، وله بينهم حظوة بها وجاه فلا تطاوعه نفسه على إفساد جاهه بالتوبة… والله أعلم”[21].
وعلى أي حال، فإن عقد العزم على فعل المأمورات وترك المحظورات كافٍ -إن شاء الله- للوصول إلى التوبة المطلقة من جميع الذنوب، وإلى نيل منزلة التائبين.
الصالحون والاستغفار
جلس بعض السلف مجلس المحاسبة مرة فحاسب نفسه من وقت بلوغه، فإذا زلاته لا تتجاوز ستاً وثلاثين زلة، فاستغفر الله لكل زلة مائة ألف مرة، وصلى لكل زلة ألف ركعة، وختم في كل ركعة منها ختمة، ثم قال: “فإني غير آمن سطوة ربي أن يأخذني بها، وأنا على خطر من قبول التوبة”[22].
وقال بكر المزني: لو كان رجل يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول: استغفروا لي، لكان نَوْلُهُ أن يفعل[23].
وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أحد المبشرين بالجنة يقصد الصبيان ويطلب منهم الاستغفار، ويقول: “إنكم لم تذنبوا”[24].
وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكُتّاب: قولوا: اللهم اغفر لأبي هريرة، فيؤمن على دعائهم[25].
ويقول: إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة، وذلك على قدر ديتي[26].
ولهم في ذلك قصص وطرائف كثيرة يطول سردها، والتي تدل على مدى اعتزازهم بمنزلة الاستغفار والتوبة، حتى قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: “العجب ممن يهلك ومعه النجاة، قيل: وما هي؟ قال: الاستغفار“[27].
وقد كان نبي الصالحين عليه الصلاة والسلام المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يُعَدّ له في المجلس الواحد مائة مرة: “رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم”[28].
فطوبى لمن استنّ واقتدى بنبيه عليه الصلاة والسلام، ووجد في صحيفته استغفاراً كثيراً.
