في إطار المحاضرة الثالثة ضمن برنامج محاضراتها الشهرية للعام الأكاديمي 2025-2026، بعنوان “الخليج في مواجهة حقبة الرأسمالية: تاريخ الخليج الاقتصادي ما قبل حقبة النفط”، استضافت وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” الباحث الكويتي فهد أحمد بشارة، الأستاذ المشارك في برنامج التاريخ بمعهد الدوحة للدراسات العليا والباحث في الوحدة، وقد أدار المحاضرة الأستاذ المساعد في برنامج التاريخ بمعهد الدوحة والباحث في الوحدة عبد الرحمن الإبراهيم.
عرض الباحث، في مستهل محاضرته، وثيقة تجارية تتضمن قائمة أسعار لسلع أُرسلت من مومباي إلى الكويت بوساطة تاجر كويتي، ليخلص منها إلى السؤال عن كيفية قراءة مثل هذه القوائم اليوم، وعن إمكانية إعادة كتابة تاريخ الخليج الاقتصادي في حقبة ما قبل النفط من خلال تتبّع السلع ومساراتها.
إشكاليات كتابة التاريخ الاقتصادي للخليج
بيّن الباحث أنّ الدراسات المتوافرة عن تاريخ الخليج قبل النفط، على كثرتها، لم تُنتج تحقيبًا اقتصاديًا واضحًا لتلك المرحلة؛ إذ طغى التحقيب السياسي المرتبط بالاستيطان والعلاقات القبَلية ونشأة الدول وتوسع الإمبراطورية البريطانية.
وأشار إلى أنّ بعض المؤرخين العرب تناولوا الاقتصاد، بوصفه سردية تطورية للتجارة، من دون بناء إطار تحليلي اقتصادي متكامل. ومثّل لذلك بكتاب عبد العزيز الرشيد “تاريخ الكويت” (1926)، وكتاب سيف مرزوق الشملان “تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت والخليج العربي” (1975)، كما تطرق الباحث إلى أطروحة خلدون النقيب، في كتابه “المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية من منظور مختلف” (1987)، التي رأى أنّها قدّمت سردية انحدارية تركّز على المضاربة في ظلّ الهيمنة البريطانية.
أمّا في الأدبيات الإنكليزية، فلفت الباحث إلى محدودية الاهتمام بتاريخ الخليج الاقتصادي، مستثنيًا كتاب هالة فتاح The Politics of Regional Trade in Iraq, Arabia, and the Gulf, 1745–1900 (1997)، الذي أبرز مركزية سوق البصرة في القرن التاسع عشر، وصعود أسواق الكويت والمحمّرة، بوصفها أسواقًا ثانوية في فترات التحولات السياسية، فضلًا عن ازدهار التجارة الخليجية وتوسعها الإقليمي في تلك المرحلة.
الخليج في سياق الرأسمالية العالمية والمحيط الهندي
اقترح الباحث إطارًا جديدًا لكتابة تاريخ الخليج الاقتصادي في القرن التاسع عشر، بإدراجه ضمن تاريخ الرأسمالية العالمية، التي ارتبطت بالثورة الصناعية وبروز عنصر “التسليع” بصفته العنصر الأساسي فيها. وأكّد أنّ الرأسمالية ليست مجرّد تطور تقني أوروبي، بل مرحلة تاريخية لتحولات اجتماعية واقتصادية امتدت إلى المستعمرات، ولا سيما الهند؛ وهذا ما يتيح إعادة قراءة تاريخ الخليج، باعتباره جزءًا من هذا المسار العالمي.
وشدّد الباحث على أهمية قراءة هذا التاريخ “من الداخل إلى الخارج”، انطلاقًا من المصادر المحلّية، مثل المراسلات التجارية، وسجلات المحاكم الشرعية، والمحاكم الاستعمارية البريطانية، والفتاوى، والمستندات التجارية، التي تكشف تحولات الأطر القانونية والتنظيمية التي وجّهت التبادلات الاقتصادية، بدلًا من إسقاط سرديات جاهزة على الوثائق المحلّية.
وفي هذا السياق، دعا إلى النظر إلى الخليج ضمن فضاء المحيط الهندي، بصفته ميدانًا عبر إقليمي لتداول السلع والناس والأفكار، وليس إطارًا جغرافيًا فحسب. وأوضح أنّ موانئ مثل كراتشي، ومومباي، وعدن، وزنجبار، شكّلت عقدًا أساسية في شبكة الرأسمالية الصناعية.
الشبكات التجارية الخليجية بين الهند والخليج
جادل الباحث بأنّه مع ظهور البنية التحتية للرأسمالية الاستعمارية وتوسعها، برز مجتمع تجاري خليجي في الهند، وفي محافظة مومباي على وجه الخصوص. ومثّل لذلك بافتتاح البنك الوطني الهندي فرعًا في مدينة عدن عام 1895. كما كانت مومباي العقدة المركزية في هذه الشبكة، فهاجر التجّار العرب إليها واستوطنوها، واستخدموا تكنولوجيات الرأسمالية الاستعمارية، مثل سكك الحديد والبنوك الاستعمارية والتلغراف والسفن البخارية، لتصدير السلع واستيرادها. ورسّخوا وجودهم في منتصف القرن التاسع عشر في المجتمع التجاري في مومباي، وكوّنوا شراكات مع فئات مثل الفئة الكجراتية البانيانية.
وذكر الباحث أنّه شاع عن أبناء منطقة الخليج في مومباي تلك المدة أنّهم كانوا يمارسون تجارة الخيول، ويستعملون الجرائد والمطابع المحلية ليعلنوا عن تجارتهم، ويلجؤون إلى المحاكم الهندية إن واجهوا نزاعات، وكانوا يمارسون أشكالًا تجارية متعددة، أهمّها تجارة الأقمشة. واستدرك بأنّه على الرغم من أهمية الأقمشة في الاستهلاك الخليجي، كان الطعام هو السلعة الرئيسة التي تُتاجَر من الهند، وأنّ هناك آلاف المراسلات والحسابات والطلبات والقوائم التي توضّح أنّ الهند كانت مصدرًا رئيسًا للحبوب والبقوليات والرز والطحين، ولا سيما من ميناء كراتشي.

وعرّج الباحث في حديثه على تجارة اللؤلؤ في الخليج وعالم المحيط الهندي، فذكر أنّ معظم المؤرّخين يُرجعون ازدهارها إلى أواسط القرن التاسع عشر، بسبب ارتفاع الطلب عليه في أوروبا وأميركا نتيجةً لظهور نخبة جديدة بعد الثورة الصناعية كانت تبحث عن الاستهلاك الاستعراضي. ووضّح دور مدينة مومباي في ذلك؛ إذ كانت أهم سوق إقليمي لتجارة اللؤلؤ في المنطقة، ولا سيما للتجّار الخليجيين هناك، الذين لم يكتفوا بممارسة تجارة اللؤلؤ في مومباي، بل احتكروها، محقّقين أرباحًا خيالية. وكانوا يشاركون التجّار الهنود المحليين ويتعاملون معهم، كما كان لديهم شركاء في الخليج، فكانوا يأخذون صيد اللؤلؤ ويرهنونه لدى البنوك الهندية، ويذهبون بالرصيد إلى شركائهم في الخليج، وتحديدًا الطواشين المحليين الذين كانوا يوزعونه على النواخذة والبحارة.
ومع ارتفاع أسعار اللؤلؤ، تمكّن هؤلاء التجّار من الضغط على البنوك لمنح المزيد من رأس المال، وهو ما أدى إلى ازدهار تجارة اللؤلؤ وتضخّم أسعاره، ثم الكساد في الفترة التي تلته.
علاوة على ذلك، ذكر الباحث أنّ زراعة التمور كانت من أهم مظاهر الازدهار التجاري بين الخليج والأسواق الهندية. فمع بداية القرن التاسع عشر، قام تجّار الخليج، ولا سيما الكويتيون، باستثمارات في مزارع البصرة وأراضيها، وكانت من الأسر التجارية بعض الأسر الحاكمة أيضًا.
وخلال القرن نفسه، ازداد عدد التجّار الخليجيين الذين كانوا يستثمرون في مزارع التمور في مومباي أيضًا. ومع نضوج العالم التجاري في البصرة ومومباي وموانئ الخليج، توسّع سوقٌ إقليمي للعمل في المنطقة.
العمل والدَّين
فيما كان معظم العمال من الأحرار، كان آخرون يأتون من مناطق أخرى ليقترضوا من النواخذة الذين كانوا يقترضون بدورهم من التجّار. وفي ظلّ نظام الديون هذا، رأى الباحث أنّ العمّال ربطوا أنفسهم بعلاقات دَين ورصيد وعلاقات تجارية اقتصادية، فكانت الديون تجمع الأفراد في مشروع شراكة في الإنتاج والتوزيع.
وهكذا، دخل الخليج – بحسب الباحث – في نظام السوق، وبات يخترع شروط وجود طبقة عاملة في المنطقة وشروط إعالة تلك الطبقة، وأصبح هناك تسليع للعمل والعمال في الخليج؛ فهم متعلقون بقيمة مالية يمكن تداولها في سوق العمل.
وفي الختام، أكّد الباحث أنّ القرن التاسع عشر شهد اندماج الخليج وتوسّعه التجاري أكثر في عالم المحيط الهندي؛ فأصبحت العلاقات المالية تتوسط العلاقات الاجتماعية، وباتت درجة اندماج هذه العلاقات الاجتماعية وترسيخها في علاقات الدين والرصيد والمال والتجارة، حتى إنه يمكن القول إنّ المجتمع في الخليج بات مجتمعًا تجاريًا.
شهدت المحاضرة إقبالًا وتفاعلًا واسعَين، وقد طرح عددٌ من الحضور أسئلة ذات صلة بعدّة محاور ممّا تناوله الباحث، من قبيل الفروق بين مرحلتَي ما قبل النفط وما بعده، ومصير التجّار الخليجيين في الهند، والتهميش المتعمد لتاريخ الخليجيين هناك، والاكتشافات التقنية وأهميتها في التواصل بين الخليج والهند، والدراسات السياسية والاقتصادية وإمكانية الفصل بينهما، وأثر الاستعمار في إقامة مراكز تجارية داخل الخليج، وثنائية البر والبحر في دراسات المحيط الهندي، وأثر الحضارة الهندية في الجزيرة العربية.
