اختتمت في العاصمة القطرية الدوحة أعمال ندوة “تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية”، التي نظمتها وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي بالتعاون مع اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم ومبادرة “الإسلام والمسلمون” خلال الفترة 23 -24 مايو 2026 م. وشهدت هذه التظاهرة العلمية في آخر فعالياتها تسجيل حلقة بودكاست تحت عنوان: “العلوم الإسلامية في مواجهة الأزمات.. هل نحتاج فلسفة جديدة للخروج؟” ضمن برنامج “بودكاست أثير” التابع لشبكة الجزيرة الإعلامية، وكان ضيف النقاش البروفيسور إبراهيم محمد زين، أستاذ دراسات الأديان والمذاهب والمقارن بجامعة حمد بن خليفة في قطر، وأجرى الحوار الأستاذ عمر فياض.
استهل فياض الحوار بذكر قصة شاب أوروبي غير مسلم أبدى حرصا فائقا على البيئة وحماية الأشجار، معتبرا ذلك تمثلا لقيم الإسلام وعمارة الأرض، وعقب البروفيسور إبراهيم زين برؤية فلسفية حول القيم، مؤكدا أنها ملكية إنسانية عامة لا يجوز لأي جهة أو دين احتكارها، موضحا أن الوجود الإنساني في غايته هو وجود قيمي، وأن الحديث عن القيم ليس بمنطق الخطأ والصواب، بل هو منطق الأكثر والأقل في التنزيل والامتثال، فذلك الشاب نزل القيم أكثر من غيره، وهي قيم معدية تدفع الآخرين للتنافس الإيجابي.
وشدد البروفيسور زين على أن الاختلاف العقدي يخضع لمنطق الخطأ والصواب الذي قد يحدث قسمة، لكنها قسمة تنوع وجداني ارتضاها الله بآية “لا إكراه في الدين” لضمان التعايش والاحترام.
وفي تشخيصه للأزمة المعاصرة، رفض البروفيسور إبراهيم زين حصرها في قوالب اقتصادية أو سياسية، واصفا إياها بـ الأزمة الوجودية حيث يملك الإنسان اليوم القدرة إما على تدمير الكوكب أو تعميره. وانتقد بشدة عقلية المشتغلين في الهندسة واصفاً تفكيرهم بـ “الذري الجزئي” الذي يحل مشكلة مثل المواصلات ليخلق أزمات أكبر كالتلوث، دون النظر للمسألة والتفكير فيها برؤية كلية شاملة.
وسحب البرفسور زين هذا التحليل أيضا على الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أنه واقع يجب التصالح معه، لكن مآلاته لم تعالج بجرأة فكرية بسبب غياب الرؤية الكلية لدى مطوريه، داعيا إلى إشراك كافة أصحاب المصلحة في صياغة النظام العالمي الجديد الذي تشتد الحاجة إليه اليوم، خاصة بعد الحرب على غزة.
وعرج الحوار على المنظومة الاقتصادية، حيث انتقد البروفيسور إبراهيم زين “منطق السوق الأعوج” الذي يفصل الأخلاق عن الاقتصاد، ويزيد من فقر الفقراء وثراء الأغنياء، ودعا لاستلهام فكرة “الغيرية” من التراث الإسلامي، مستشهدا بتقليد الاستفتاح التاريخي في الأسواق، مؤكدا أن “نحن” لا تكتمل إلا برعاية وجود الآخرين. كما وصف دخول الجامعة الغربية لبلادنا بـ المصيبة الكبرى التي خلفها الاستعمار، إذ همشت المدرسة الأصيلة، واستشهد بمقولة الطيب صالح بأن المستعمر أنشأ الجامعات لنقول له “نعم” بلغته (Yes)، مما أحدث استلابا لغوياً جعلنا نفكر في علومنا بلسان غريب، مشيراً إلى تجربة كلية غوردون في السودان وإرث “كتشنر” الدموي في بناء مؤسسات على أسس أوروبية صرفة، داعياً لتفعيل دراسات تفكيك الاستعمار لتحرير الجامعة.
واستعرض البروفيسور زين نماذج رائدة لدعم حيوية العلوم الإسلامية، مثل مدرسة أبي زيد البلخي في كتابه “مصالح الأنفس والأبدان”، الذي أثبت فيه اتصال الأمراض العضوية بالنفسية، مؤكداً أن ترجمة مالك بدري والهاشمي للكتاب كشفت تفوق الطب النفسي الإسلامي على النظريات الحديثة. كما عرج على تصنيف أبي الحسن العامري الثلاثي للعلوم (ملّية وحكمية)، موضحاً أن أداة العلوم الإسلامية كانت اللغة العربية، بينما كانت أداة العلوم الحكمية هي المنطق الأرسطي. وشدد على ضرورة تحرير العقلانية من المركزية الأوروبية، مؤكدا أن المسلمين لو كانوا يقودون العالم اليوم لمنعوا أسلحة الدمار الشامل بناءً على مبدأ الاستخلاف وعمارة الأرض.
واعتبر البروفيسور إبراهيم زين أن التخلي عن الحرف العربي في تركيا وجنوب شرق آسيا وفي اللغات التركية والملايوية، والهوسا، والسواحيلية كان عدوانا حضاريا أحدث انفصاما في الهوية. وتبنى دعوة كتابة اللغة الإنجليزية بالحرف العربي، معتبرا أن الحرف العربي يمتلك منطقا إملائيا يتفوق على فوضى الإملاء الإنجليزي، كما رفض بشدة نظرية الانهيار، مؤكدا أنها فرية خبيثة تهدف لتصويرنا مثل رجل أوروبا المريض، ومشددا على مبدأ الاستمرارية بفضل باب الاجتهاد الذي لا يُغلق.
واختتم البروفيسور إبراهيم محمد زين حديثه بالتأكيد على أن مبدأ التوحيد هو القيمة الكبرى المفتقدة، وهو الجسر بين كتاب الكون وكتاب الوحي. واستشهد بذكاء أسلافنا في ترجمة علوم الآخرين في العصر الأموي – مثل تعريب الديوان – وجهود ابن المقفع وعبقرية البيروني الذي كتب السنسكريتية بالحرف العربي. وأوضح أن المسلمين رفضوا ترجمة المسرح التراجيدي اليوناني لأنه تنافى مع عقلانيتهم الرشيدة، وهذا ما يتسق مع نقد نيتشه لسقراط وأرسطو في كتابه “مولد التراجيديا. ولخص البرفيسور زين المنهج في قاعدة “نحتفظ بالطفل ونرمي ماء الاستحمام المتسخ” أي نأخذ من الغرب ما يتلاءم مع رؤيتنا بمنطق الاختيار والاختبار، رافضا نهج طه حسين في أخذ الغرب بحلوه ومرّه، لبناء نهضة أصيلة تنبع من الذات وتخاطب العالم بلغة إنسانية عالمية.
