تميز أنبياء الله – عليهم السلام – جميعا بالذكاء الفطري والقوة في المنطق ، ليحسنوا سرد الحجج في تسلسل أنيق مقنع لكل مشاغب مجادل ، وخصيم مناظر ، وهذا من لوازم النبوة . ومن بين من بلغ شأوا عظيما في ذلك نبي الله إبراهيم – عليه السلام – الذي تربع على عرش المحاجة والجدال بالحسنى ، لذا وجدنا القرآن عرض له الكثير من المشاهد الممتعة لكل منطيق  وفصيح .

وقد سلط القرآن الحكيم الضوء على مشاهد حية من محاورات ومناظرات تمت بين الأنبياء- عليهم السلام – وأقوامهم ، مبرزا أهمية هذه المهارة العقلية في تثبيت الحق والدعوة إليه ، ودحض الباطل والرد على شبهه . وليستطيعوا نشر رسالة الله في الآفاق وليحسنوا التعاطي مع مختلف طوائف المنازعين ومستويات المفكرين .

و سأعرض لبعض هذه المشاهد مبسطا ومبرزا طرق استدلالاته وكيف سردها في خصامه مع الآخر ، ومتبصرا مواصفات من تصدر لهذا النوع من الدعوة إلى الله .

إبراهيم عليه السلام و محاججة قومه

– افتتحت القصة بمقطع محاورة إبراهيم لأبيه آزر ، مبينا فيه مدى حرصه على والده وإخلاصه في حبه له ، فهو لا يريد له الشرك الذي هو سخف وحمق (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) 74 . فالأقربون أولى الناس بالدعوة ورسالة الخير .

والسؤال المطروح : كيف لإبراهيم أن يصف أباه بمثل هذا الوصف ( ضلال مبين ) ؟! وهل في ذلك غلظة تنافي الأدب ؟!.

والإجابة : قطعا لا !!. فهو إنما قصد وصف الواقع الذي هم فيه بعيدا عن المجاملات التي تزيف الحق أحيانا وتظهره بغير صورته التي هو عليها .!!.

فأحيانا من المصلحة والحرص على القريب – وكذا البعيد – أن تشخّص له الحالة كما هي حتى يستشعر الخطر الداهم والمرض القائم ، فينتبه ويتبين العلاج كما يفعل الطبيب الحكيم !!.

هذا هام لكل لبيب عاقل ومجادل مقارع ، يفتتح مناظرته ملخصا موقفه من الآخر !!.

Untitled

– فصلت القصة بآية جاءت لتوصل رسالة غاية في الأهمية ،حيث جاء قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) 75 . مبينا ركيزة أساسية لمن تصدر الجدال أو المحاجة في دين الله ، وهي أن يكون ذا قدم راسخة في الإيمان واليقين ، وليس عنده أدنى شبهة أو شك فيما يدعو إليه ويؤمن به .

فالحق سبحانه هو الذي رعى إبراهيم بالوحي . وأراه دلائل قدرته في الآفاق ، ليثبت قلبه وفكره ، ويطمئن فؤاده للرسالة السماوية الحقة ، فيدعو على بصيرة ونور ورسوخ ، فلا يتزلزل في مواقف المناظرة ، ولا يشك عند مقارعة حجة بحجة .

وهذه حال الداعية أو العالم الذي تصدر لهذا الشأن ، فيكون عنده من العلم القطعي واليقين الجازم ما يؤهله لمنازلة أرباب الحجج وفحول الكلام .

– إن العجيب في نظم القرآن أنه عبر في القصة – وهي من الماضي البعيد – بفعل مضارع في قوله ( نري )،ولم يذكر الفعل الماضي الذي هو أولى – من حيث الظاهر – ،فالأصل أن يكون الكلام : ( وكذلك أرى الله أو أرينا إبراهيم ) متحدثا عن الماضي الغابر الذي ينسجم مع واقع القصة ، لا المضارع الذي يفيد حدثا يقع الآن ؟!!.

ما الحكمة ؟!

إن الحكمة من استعمال المضارع هنا : الإشارة إلى التجدد في فعل ( الإراءة ) ، فمن معاني المضارع الدلالة على تكرر الفعل وتجدده ، كما في الكثير من الآي الحكيم منه مثلا ( يطوف عليهم ولدان مخلدون) الإنسان : 19 .

فالمراد هنا : تجدد الطواف وتكرره . هذا ما يفيده المضارع عادة .

وهذا ذو دلالة كبيرة : فقد تكرر النظر من إبراهيم عليه السلام في ملكوت السماوات والأرض ، وتكررت الهداية من رب العزة له ، حتى بلغ الغاية القصوى في الإيمان

واليقين التي تؤهله لأمر الدعوة ، ومقارعة الباطل وأهله ، بل ومنازعة أمة بحالها لها ملك وسلطة ونفوذ وزعامة ( النمرود كما سيأتي ) .

على المناظر الحصيف والمجادل الفحل اليوم : تكرار النظر في اعتقاده وتفحصه ، وإدامة التفكر في دلائله واستنباطاته ، ليظل على يقين وثبات وذكر منها واستحضار .

وليراجع دلائل الربوبية وأماراتها ، وآيات الألوهية وعلاماتها ، ليسكن فهمه ويستريح  قلبه لما يدعو ويحاجج.

وليقرأ دوما في كتاب الله المسطور وكتابه المفطور، ليستزيد علما إلى علم ، وهدى على هدى  ..