حين يسبق العقل الآلي حكمة التشريع في عصرٍ لم تعد فيه الخوارزميات مجرد أدوات تقنية لتحسين الكفاءة، بل غدت كياناتٍ قادرة على اتخاذ قرارات تتجاوز القيود البيولوجية البشرية، يبرز تساؤلٌ وجودي حول مدى قدرة القانون على لجام هذا المارد التكنولوجي. وبينما يتسابق العالم نحو سيادة سيبرانية مطلقة، يأتي كتاب “الذكاء الاصطناعي في مسطرة التشريعات والمعاهدات الدولية” للباحث إبراهيم محمد بن حمود الزنداني كصرخة أكاديمية نقدية في وجه “الفراغ الحوكمي” الذي يعيشه المجتمع الدولي.
عندما يسبق السيف العقل الأخلاقي
في عالمٍ تتسارع فيه التكنولوجيا لتُعيد تشكيل مفاهيم السيادة، الحرب، والعدالة، يبرز سؤالٌ وجودي: هل نحن نبني أدواتٍ تخدم البشرية، أم أننا نُطلِق كياناتٍ تهدّد بنسف النظام العالمي ذاته؟
ويأتي كتاب “الذكاء الاصطناعي في مسطرة التشريعات والمعاهدات الدولية” (2025) للدكتور إبراهيم محمد بن حمود الزنداني — أستاذ القانون الجنائي وخبير الأمن السيبراني — كواحدٍ من أجرأ المؤلفات العربية التي تجرّد الذكاء الاصطناعي من ثوبه التقني البرّاق، لتكشف عن الوجه المخيف المخفي خلفه: فوضى تشريعية عالمية، وازدواجية أخلاقية، وسباق تسلّح تكنولوجي صامت.
جذور المعرفة: من أرشيف الفلاسفة إلى خوارزميات اليوم
إن هذا العمل الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (نوفمبر 2025) لا يكتفي برصد التطور التقني، بل يغوص في أعماق الصراعات الجيوسياسية والأيديولوجية التي تشكل ملامح القوانين المعاصرة، كاشفاً عن ازدواجية معايير قانونية وأخلاقية تهدد الاستقرار العالمي.

يبدأ الزنداني رحلته بتفكيك “فلسفة الذكاء الاصطناعي“، حيث لا يحصرها في السياق الغربي الحديث، بل يمتد ببحثه ليشمل الأرشيف الشرقي والإسلامي. الكتاب يوضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد محاكاة للإدراك البشري، بل تحول إلى نموذج قادر على تحسين ذاته وتعديل أهدافه بشكل مستقل، مما يضع سمات “التفرد البشري” في موضع تساؤل مع كل خوارزمية جديدة. هذا التأصيل التاريخي يمهد للفهم العميق لكيفية تحول هذه التقنية من ترف أكاديمي إلى سلاح استراتيجي في يد القوى الكبرى.
الذكاء الاصطناعي بين مائدة الفاتيكان وبطريركية موسكو
في طرح فريد من نوعه، يسلط الكتاب الضوء على دور المؤسسات الدينية الكبرى في محاولة تأطير الذكاء الاصطناعي أخلاقياً. ويرصد المؤلف حالة من “الانحياز الديني الكنسي” للأقطاب المتنافسة على سيادة العالم؛ فبينما استضاف الفاتيكان نقاشات مستفيضة لحماية المجتمع البشري، كانت بطريركية موسكو تطرح رؤى تتقاطع مع المصالح الاستراتيجية الروسية. هذا الانقسام لم يقتصر على الكنيسة، بل امتد إلى المنابر الأممية (مثل مجلس الأمن والأمم المتحدة)، حيث فشل المجتمع الدولي في اعتماد رؤية موحدة لمواجهة المخاطر الوجودية لهذه التقنية نتيجة تضارب المصالح السيادية.
صراع الجبابرة: القوانين كأدوات للهيمنة التكنولوجية
يخصص الكتاب مساحة واسعة لتحليل “المدرك السياسي والقانوني” للقوى الفاعلة (الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، الصين، وروسيا). ويكشف التحليل عن حقائق مذهلة:
أوروبا وازدواجية المعايير:
على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي يسوق تشريعاته كأول صك يضمن كرامة البشر، إلا أن الواقع يظهر استثناء الجهات السيادية من القيود الصارمة، وفرض معايير على الشركات الأجنبية لا تخضع لها المؤسسات الأوروبية خارج القارة، مما يحول التشريع إلى أداة هيمنة أحادية.
أمريكا والتوازن المستحيل:
يحلل الزنداني كيف تهيمن السلطة التنفيذية في البيت الأبيض على تنظيم الذكاء الاصطناعي عبر الأوامر الرئاسية، في ظل غياب دور فاعل للكونغرس، وكيف يتم استخدام “حق النقض” لتقويض أي تشريع يمس الخطوط الحمراء للأمن القومي أو مصالح شركات التقنية الكبرى.
روسيا والصين:
تبرز روسيا كقوة تركز على المجاالت المدنية مع غموض متعمد في الأطر المنظمة للاستخدامات العسكرية الحساسة. أما الصين، فتواجه حملات نقد غربية منهجية تعكس مخاوف جيوسياسية من تفوقها التقني، رغم إنجازاتها الكبيرة في لوائح التنظيم والمبادئ الأخلاقية التي تفتقر أحياناً إلى الشفافية في مؤشرات الأداء.
المخاطر الوجودية: حين تصبح الخوارزمية سلاحاً نووياً
يحذر المؤلف من “مآالت المخاطر” في ظل تصارع القوى، مؤكداً أن الأنظمة العالية المخاطر المستخدمة في المجالات العسكرية والأمنية تمثل تهديداً غير مسبوق. وتكمن الخطورة الكبرى في:
- أسلحة الدمار الشامل: قدرة النماذج الذكية على تسريع تطوير مواد كيماوية وبيولوجية وإشعاعية بطرق يصعب اكتشافها.
- الذكاء الاصطناعي العام (AGI): الوصول إلى مرحلة “التفرد التكنولوجي” حيث يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحسين ذاته دون تدخل بشري، مما يؤدي إلى خروج الأنظمة عن السيطرة البشرية بالكامل.
الواقع العربي: استراتيجيات طموحة وفجوات تشريعية
لا يغفل الكتاب السياق العربي، حيث يرصد خطوات مهمة قامت بها قطر والإمارات والسعودية في وضع استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يرى المؤلف أن هذه الجهود تبقى “منقوصة” لغياب تدابير تحديد المسؤوليات القانونية وآليات التعويض، وضعف التنظيم الخاص بالأنظمة عالية المخاطر. ويشدد الزنداني على أن “التراخي” في فرض أطر قانونية ملزمة بذريعة جذب الاستثمارات هو طرح غير دقيق، بل قد يفتح الباب لممارسات غير آمنة تضر بالسيادة الوطنية.

نحو حوكمة دولية متكاملة
ينتهي الكتاب بخلاصة مفادها أن المصلحة العامة للبشرية لن تتحقق إلا بجسر الهوة بين الطموحات التقنية والواقع التشريعي. إن العالم اليوم يعيش “حرباً تكنولوجية باردة”، والمخرج الوحيد هو إرساء حوكمة دولية متكاملة تضمن المساءلة والامتثال، وتحمي الأفراد والمجتمعات من تغول الخوارزميات غير المنضبطة. إن كتاب الزنداني ليس مجرد مرجع قانوني، بل هو وثيقة تاريخية تشهد على لحظة فارقة في علاقة الإنسان بالآلة.
كتاب لا يُقرأ، بل يُستَعدّ به
“الذكاء الاصطناعي في مسطرة التشريعات والمعاهدات الدولية” ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل خريطة طريق لتفادي كارثة. فهو يذكّرنا بأن التقنية محايدة، لكن استخدامها سياسي، وأن السباق التكنولوجي لا يُربح بالابتكار وحده، بل بالحكمة التشريعية. وفي عالمٍ يختبئ خلف شعارات “التقدّم”، يُذكّرنا الزنداني بأن الأخلاقيات هي آخر خط دفاعٍ أمام الفوضى.
