من أركان الحج السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، وهذا السعي ابتدأت به أمنا هاجر بعد أن تركها خليل الرحمن في واد لا زرع فيه ولا ماء ولا أنيس ولا جليس، سعت سعي الإنسان المجهود الذي يبحث عن أسباب الحياة، سعت وخطّت لنا بعد خطواتها على الأرض المباركة طريقا منيرا في حياتنا، نحاول في هذه المقالة أن نلتمس عدة منارات من سعي هاجر بين الصفا والمروة لكي ننتفع به في سعينا على الأرض.
المنارة الأولى: عمل القلب وعمل الجوارح
قبلت هاجر أن تبقى في هذه الأرض التي ليس فيها من أسباب الحياة شيء؛ ليقينها بأن الله تعالى لن يضيعها، ثم سعت بكل ما تملك من طاقة وجهد فجمعت بين حسن الظن بالله تعالى وحسن العمل، إذ بذلت جهدها في استكشاف ما حولها لعل رزقا هنا أو هناك، ولعلها ترى من يسوقه الله تعالى إليها حاملا للزاد والماء.
وعلاقة الإنسان بالأمل الذي هو عبادة القلب والعمل الذي هو عبادة الجوارح بحاجة إلى إيضاح، فمنذ أن يدرك الإنسان تبدأ تطلعاته وآماله؛ ومن الناس من يتمنى أن تمطر السماء عليه ذهبا أو فضة وينتظر الحصول على الملايين دون أن يبذل جهدا أو يتحرك خطوة واحدة، يعيش ويموت في أوهام الثراء السريع ويقع ضحية للمخادعين الذين يسلبونه أمواله وأحلامه، ومنهم من يدرك أن الأمنيات تبقى في عالم الخيال ولا تنزل لأرض الواقع إلا إذا بدأ الإنسان في حركة واعية نحو أهدافه، وخلال هذه الرحلة من الأمنية التي تبدأ فكرة في الخيال إلى تحقيقها يلتزم الناس بقواعد شريعة الله أو شريعة الغاب، ويحترمون حقوق الآخرين أو ينتهكونها، ويلتزمون بالأخلاق التي رسمتها الشرائع السماوية أو يخرجون عن إطارها.
سعي القلوب وسعي الأبدان
وكما أن للبدن سعيه فللقلب سعيه أيضا، وسعي القلوب إلى الله تعالى يساهم في إصلاح الإنسان واحتساب الأجر عند الله، وفي تقدير سعي القلوب إلى الله تعالى روى الإمام البخاري في صحيحه:
«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ».
هذا العذر الذي منعهم من مشاركة إخوانهم متاعب السفر لم يحرمهم من الأجر، فقد كانت قلوبهم مع إخوانهم بل تكاد تسبقهم. وفي هذا المعنى يذكر الشيخ ابن حنيفة العابدين في كتابه العجالة في شرح الرسالة:
«وقد رتب الشارع النجاة من بعض العقوبات على تحديث النفس بالعمل الصالح إذا لم يستطعه المرء، والحكمة في ذلك تشوفه إليه، ورغبته فيه، والتحفز لفعله لولا المانع، كما في المريض والمسافر يكتب لهما ما كانا يفعلانه في حال الصحة والإقامة من النوافل» [1].
وإذا أردنا أن نقرب الصورة؛ عندما تزور بيت الله الحرام تجد أناسا يطوفون حول الكعبة ويسعون بين الصفا والمروة وهم لاهون في الحديث مع رفاقهم أو تصوير أنفسهم، وتجد آخرين ينظرون إلى الكعبة من خلال التلفاز، تكاد قلوبهم تطير إليها لو أمكنهم ذلك يتمنون من الله تعالى زيارة بيته وتدمع أعينهم كلما رأوه أو أتى ذكره، ترى أيهما أشد تعلقا بالبيت وأقرب إلى الله سبحانه وتعالى، من يطوف بالبيت وهو لاه عنه؟ أم من هو بعيد عنه وقلبه قريب؟؟
وقد عبر عن هذا المعنى من قال:
يا سائِرينَ إلى البَيْتِ العَتيقِ لَقَدْ … سِرْتُمْ جُسومًا وَسِرْنا نَحْنُ أرْواحًا
إنَّا أقَمْنا عَلى عُذْرٍ وَقَدْ رَحَلوا … وَمَنْ أقامَ عَلى عُذْرٍ كَمَنْ راحا
«وربَّما سَبَقَ بعضُ مَن سارَ بقلبِهِ وهمَّتِهِ وعزمِهِ بعضَ السَّائرينَ ببدنِهِ» [2].
المنارة الثانية: الوقت كالسيف
منذ اللحظة الأولى لنا على ظهر هذه الأرض نحن في سعي دائم إلى الله تعالى، يمكننا أن نلحظ هذه الحركة من خلال متابعتنا لخط العمر واستحضار هذا المعنى يحفزنا على السعي الجاد المنتج الذي نحصد ثماره في الدنيا ويوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.
المنارة الثالثة: ابدأ بخطوة
الخطوة الأولى صعبة؛ ذلك أن الساعي لغاية كبرى يرى الطريق طويلا، ويراه أحيانا بلا أنيس ولا هاد يدله على العثرات، البعض يخاطر ويرى أن من يفوز باللذات هم المغامرون وحدهم، وآخرون يتريثون حتى يجدون الفرصة التي تلائم للانطلاق، لكن العمر يمر وهم عند خط البداية، ومن استفادوا من سعي هاجر بين الصفا والمروة يعرفون صعوبة الطريق لكنهم يرجون من الله تعالى المعونة والهداية، يملكون زادا هائلا من الصبر يجعلهم يعرفون تمام المعرفة أن مع العسر يسرا، يوقنون أن الناس تسخر أولا ممن يسير في طريق مجهول أو صعب، لكن ما إن يروا بوادر النجاح حتى تلهج ألسنتهم بالثناء وتسرع خطواتهم للحاق ويبقى الفضل للمتقدم، في تاريخنا بدايات صغيرة وربما يطلق عليها البعض خجولة لكن الصدق والصبر والبركة التي يضعها الله تعالى في أعمال الصالحين يجعلها تكبر وتقوى وتبقى.
المنارة الرابعة: سعي شخصي وسعي للآخرين
وأثناء سعي الإنسان في دنياه بقلبه أو بجسده هناك سعي خاص به وحده وسعي يشمله ويشمل غيره؛ فمن السعي القاصر على النفس ذكر الله والمشي إلى المساجد، وهذا السعي مع كونه خاصا بالإنسان الساعي إلا أنه يمكن أن ينتفع به من حوله حيث يقوى الساعي وينشرح صدره لكي يسمع شكوى الآخرين ويتحمل آلامهم، وتزداد عزيمته على العمل الصالح الذي يعمر به الكون، وهكذا يستمد الإنسان طاقة من العبادة تنفعه وتنفع غيره.
ومن السعي الذي يشمل الساعي ويمتد نفعه للآخرين السعي في بناء المرافق التي ينتفع بها عموم الناس؛ من خلال الدعوة لعمل من أعمال الخير ومن خلال العمل على استثمار روح التعاون بين الناس وإبقاء هذه الروح من بداية المشروع إلى نهايته وإصلاح الخصومات والنوايا حتى يرزق الله تعالى الجميع الأجر.
وفي التشجيع على السعي الذي ينشر الخير بين الناس ويحفز أصحاب الهمم الضعيفة ويوسع من دائرة الخير بين الناس قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ» [3].
ومن السعي الذي يضيف لصاحبه أجورا في حياته وبعد مماته ما جاء في قوله ﷺ:
«إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» [4].
- علم ينتفع به: فهذا العلم يحيي النفوس ويهديها للتي هي أقوم ويجنبها خسارة الدين والدنيا، وقد تكوّن نتيجة سعي وجهد وسهر ومتابعة وحرمان من مشاركة الناس سهرهم وسمرهم، فكل من انتفع بثمرات هذا السعي يرفع من رصيد العالِم ويثقل من موازينه.
- الولد الصالح: نتاج جهد كبير لوالدين ومعلمين وبيئة صالحة وكل من ساهم في تكوينه.
- الصدقة الجارية: التي ينوي بها صاحبها نيل الثواب من الله تعالى والإحسان إلى الخلق وبقاء هذا الاحسان يمد الناس بالخير ويعود على صاحبه بالأجر من السعي الذي يستفيد منه الآخرون.
المنارة الخامسة: لست المستفيد الوحيد من سعيك
من السعي الذي يبقى أثره لأجيال وأجيال السعي لإرضاء الله سبحانه وتعالى هذا السعي يكتب أجره للعامل ويبقى أثره لتنتفع بها الذرية:
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 82]
لقد مات الأب وبقي الكنز عرضة للنهب لكن الله تعالى يحفظه بحفظه ويسخر للأيتام عباده الصالحين لكي يبقى الكنز حتى يبلغوا مرحلة يتمكنون فيها من حمايته.
المنارة السادسة: السعي والحساب
الإسلام يرسخ في ذهن أتباعه أن سعيهم سيوزن بميزان العدل
﴿وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]
وأنهم سيجازون عليه:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى﴾ [النجم: 31]
وهذا الجزاء يمتد ليشمل الدنيا والآخرة قال ﷺ:
«إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ» [5].
هذه المفاهيم تتطلب من المسلم الوعي قبل السعي وإدراك ما هو مقدم عليه والتخطيط لكي يصل لهدفه بسلامة وأمان، والحذر من الاغترار بما يخدعه، واستحضار النية الصالحة والتوجه لله تعالى بطلب التوفيق ونيل الأجر.
إن استحضار الحساب يجعل المسلم يقظا لمسؤليته عن سعيه أمام الله تعالى وأمام الناس، وهذا يترتب عليه الاحتياط ووزن العمل الذي يسعى إليه بميزان الشرع وتقدير المكاسب والخسائر.
