مع تزايد مشكلات الحياة وتفاقم الضغوط الاقتصادية في عالمنا العربي، أصبح يميل الجميع إلى العنف خاصة اللفظي منه، وفي العادة يكون الأطفال هم الأكثر تضررا من سلوك العصبية؛ فهم على موعد يومي مع الضجيج والغضب والصراخ والملامح المنفعلة؛ فإن نجوا من صراخ الوالدين في المنزل سواء كان موجها لهم أو لغيرهم فلن ينجوا من عصبية المعلمين بالمدارس أو غضب المارة في الشوارع.. وتعد العصبية من أبرز السلوكيات الضارة التي تؤثر بشكل مباشر على الأطفال خاصة فيما يتعلق بتكوينهم الشخصي. فكيف نتعامل مع عصبية الطفل فيما بعد؟

وقد أثبتت الدراسات التربوية والنفسية أن الطفل يولد بلا أي سلوك مكتسب، وأن شخصيته تتكون بنسبة كبيرة من أساليب التعامل معه أثناء طفولته، فعندما يشاهد ويشعر بانفعالات من حوله الغاضبة يتملكه سلوك العنف والعصبية. من هنا كانت أهمية التحكم في الغضب والتقليل من حدة الصراخ أو منعه كليا إن أمكن.. وسنتناول هنا وبالتفصيل آثار العصبية على الأبناء وأسبابها لدى الآباء وكذلك كيف يمكن التحكم فيها على الأقل مع وأمام الأطفال.

آثار العصبية

يقول د.عمرو أبو خليل الطبيب النفسي والمستشار الاجتماعي تعليقا على صراخ الآباء في وجه أبنائهم: “نشكو أطفالنا والعيب فينا.. وما لأطفالنا مشكلة سوانا”، فالصراخ أمام الأطفال وهم في بداية نموهم النفسي والعاطفي يؤدي إلى تأثرهم بأقل مؤثر خارجي، ويكتسبون بسرعة أي رد فعل؛ كما توجد كثير من الأبحاث تثبت أن لها تأثيرا على الطفل في حياته، ولا يوجد حل إلا أن يتفق الزوجان على عدم الصراخ في وجه الأبناء وأن يقدموا لهم الإحساس بالأمان والدفء حتى ولو كان تمثيلا أو ادعاء.

وتقول عزة تهامي المستشارة التربوية بصفحة معا نربي أبناءنا: إن العصبية مع الأبناء تؤدي إلى أحد أمرين أو كلاهما معا يظهرا من خلال المعادلتين التاليين:

أما المعادلة الأولى فهي أن: العصبية= إهانة للشخصية= تدني تقدير الذات= ضعف الشخصية= ضعف الاحترام من الآخرين= الانقياد للآخرين أو ضعف القدرة على قيادتهم= التعرض أحيانا لعدوان الآخرين.

والمعادلة الثانية هي أن: العصبية= رد فعل عصبي (لكل فعل رد فعل)= طفل عصبي عدواني.

والمعادلة الأولى يعمل بها الطفل مع من يكونون أكبر منه فهو تعلم أن الكبير قوي وقاهر لمن هو أصغر منه فهو ينقاد لهم. والمعادلة الثانية يعمل بها مع الأصغر منه بوضع نفسه في موضع الكبير العصبي أو قد يفرغ فيه ما يمارس عليه بطريقة غير مباشرة فهو لا يستطيع أن يرد على أمه بشكل مباشر فيفرغ الضغوط على أخته الصغرى مثلا؛ وقد يكون العدوان على الآخرين بسبب ضعف وتدني التقدير للذات فيمارس العدوان كمحاولة لإثبات الذات.

كما تؤكد وفاء أبو موسى المستشارة بموقع أون إسلام أن العصبية ليست السلوك الوحيد الذي يتأثر به الطفل ويقلده، فهناك أيضا العنف والتمرد ومهاجمة الآخرين والرغبة في الاستيلاء على ملكياتهم، كل هذه السلوكيات التي تصدر من الوالدين أو من الأفراد المحيطين بالطفل قد تدفعه إلى تبني أسلوب الكذب سواء في صغره أو في حياته المستقبلية.

عدوى الانفعال

ولتجنب عصبية الأبناء وإصاباتهم بعدوى الانفعال هناك بعض الخطوات التربوية التي تحددها المستشارة وفاء أبو موسى كما يلي:

  • على الأب والأم معا التحكم في الانفعالات أمام الطفل وتمالك النفس عند الغضب، سواء في تعاملاتهما معه أو مع سواه، لأنهما يمثلان قدوة لطفلهما.. والغضب يؤدي للعنف، والعنف يقود للتمرد، والتحكم فيها يساعد على نشأة الطفل في أجواء تربوية سليمة تتيح له النمو والإبداع والتعلم.
  • على الأب والأم تقبل خطأ الطفل وألا يشعراه أنه منبوذ عند ارتكاب أي سلوك مرفوض، وألا يقابل خطأه بالغضب أو يحاكم عليه بعصبية، وعلى الآباء التحلي بالصبر وقت تمرد الطفل، وبعد فترة وجيزة نقوم بمحاورته بلغته البريئة ونخبره بأن ما فعله ليس جميلا، والأفضل عدم تكراره.
  • تعويد الطفل على التعلم من خلال الخطأ، وهذا يتحقق من خلال مقارنة السلوك وضده، فإذا مزق الطفل الورق نسأله أيهما أجمل الورق الممزق أم الورق الجميل على حالته الأولى؟ ونعطيه فرصة التفكير في خطئه بهدوء، فالانفعالات الغاضبة لن تتيح له فرصة إعمال العقل ليتعلم بإيجابية من تجاربه وأخطائه.
  • التقرب المستمر من الطفل يعني شعوره بالأمان والاهتمام والرعاية، مما ينمي لديه مهارات الإبداع والسلوكيات الإيجابية والتعبير عن نفسه بهدوء وبشكل تربوي متحضر بعيدا عن العنف والعصبية.
  • هناك طرق كثيرة نستطيع تعليم أطفالنا من خلالها كل القيم والأخلاقيات والسلوكيات الإيجابية، فقد ثبت أن الطفل يستجيب بشكل أفضل للسلوكيات الإيجابية التي تسرد على شكل قصة تحكى له قبل النوم، وأن الطفل العصبي والمتمرد بحاجة إلى أن ينام على سماع هذه القصص التي نستطيع أن نوظفها لتعليم أطفالنا أي شيء نريده، ومع تتابع الأيام يصبح سلوك الطفل أفضل وأفضل.

أسباب العصبية

وفقًا لأبرز الدراسات والأبحاث التربوية؛ فإن أسباب العصبية تنقسم إلى اسباب عضوية أو أسباب نفسية أو أسباب اجتماعية، وفيما يلي توضيح لأبرزها:

  • زيادة نسبة الثيروكسين في الغدة الدرقية من الأسباب الصحية التي تسبب المزاج الحاد والعصبية وهذا يتطلب استشارة طبيب متخصص.
  • الضغط الذي يتعرض له الآباء من كثرة الالتزامات وأعباء الحياة، وقد لا يلاحظ الآباء ذلك، ولكن من المهم مناقشة الأمر بعد اكتشافه ومحاولة تحديد الأولويات بما لا يؤثر على الحياة النفسية للأسرة . – المشكلات والمشاحنات الزوجية التي تزايدت في الفترة الأخيرة والتي لابد من حلها تجنبا لما يتعرض له الأطفال مشكلات على شخصياتهم ومستقبلهم.
  • غياب أو ضعف الدور التربوي لأحد الزوجين وتحمل أحدهما جل المسئولية يؤدي إلى إرهاق أحدهما وتعصبه وزيادة خوفه من المستقبل. لذا يجب على الطرفين مساعدة بعضهما في تحمل المسئولية.
  • كثير من الأمهات ينتابها إحساس بضياع عمرها وهى لا تنجز شيئا يذكر أو شيئا يرضيها، وفي هذه الحالة يجب احتواء الزوجة وإفهامهما مدى أهمية تربية الأبناء وأنهم زينة الحياة الدنيا، كما يمكن مساعدتها في ممارسة بعض الأنشطة التي تغير من مزاجها وتنعشه.

و قد تكون العصبية صفة موروثة، لذا من المهم الوقوف على السبب لأن التشخيص عادة يكون نصف العلاج.

خطوة بخطوة

يمكن التدرب على التخفيف والتخلص من العصبية من خلال الخطوات التالية والتي تحددها عزة تهامي المستشارة التربوية فتقول لجميع الآباء والأمهات:

  • راقب سلوكك العصبي مع أبنائك لمدة ثلاثة أيام أو أسبوع على الأكثر، واكتب هذه السلوكيات في قائمة.
  • حدِّد لكل سلوك درجة العصبية من 1-3 فرقم (3) للسلوك الذي يثيرك بشكل حاد، ورقم (2) للمتوسط، و(1) لأقلهم حدة.
  • ناقش مع نفسك أو مع زوجك هذه السلوكيات ومدى مبالغتك فيها، وحاول أن تعرف السبب الحقيقي وراء هذه الثورة، فربما كان الأمر متعلقا ببعض الخبرات السابقة السيئة في حياتك واختُزِنت في اللاشعوري، وتؤثر بالتالي على علاقتك بأبنائك.
  • ركِّز ولمدة شهر على السلوكيات رقم (1) وحاول التخلص منها، وخصِّص شهرا ونصف للسلوكيات رقم (2)، وشهران للسلوكيات رقم (3).
  • هيئ لنفسك الظروف المناسبة للتخلص من العصبية بتجنب كل ما يمكن أن يتسبب فيها عن طريق اتباع ما يلي كمثال:

•هيئ مكانا مناسبا لأبنائك للعب فيه، بحيث لا تكون الأشياء القابلة للكسر في متناول أيديهم.

  • ردِّد على مسامعك أن أبناءك ما زالوا صغارا في مرحلة استكشاف العالم الخارجي، مرحلة تتميز بالحركة المستمرة، والنشاط، والانطلاق، وهذا مدعاة للفخر بهم والمرح معهم، وليس لعقابهم.
  • إذا أخطأ أحدهم عليك أن تتجاهل هذا الخطأ، وتتظاهر بعدم رؤيتك له في حالة عدم إدراك المخطئ أنك رأيته، إلا إذا كان الأمر خطيرا مثل الاقتراب من الكهرباء أو النار، فعليك تنبيهه بصوت حذر وليس بصرخة مفزعة.
  • أما إذا علم برؤيتك له أثناء ارتكاب الخطأ فعليك – وقبل أن تبدأ في عقابه أن تغيِّر وضعك فإذا كنت قائم فاجلس، وإن كنت جالس فاضطجع كما علمنا رسول الله () في حالات الغضب، وهذا من شأنه أن يحدّ من ثورتك.
  • ذكِّر نفسك بأن أبناءك لا دخل لهم في ظروفك الخارجية التي قد تؤثر سلبيّا على أعصابك، وأنه لا حول لهم ولا قوة، وإذا دعتك قوتك لعقابهم فتذكَّر قوة الله عليك.
  • عليك أن تثيب نفسك إذا نجحت في ضبط انفعالاتك في موقفين متتاليين بكلمات مشجِّعة، بأنك أحسنت صنعا، وأنك حتما ستصبح أمّا أو أبا مثاليا، أما إذا أخفقت فيهما فاحذر أن تقلِّل من شأنك، وتردِّد بعض العبارات المثبِّطة، مثل: أنا أم سيئة، أنا لا أصلح أبا، أنا لا أحسن التربية، ولكن عليك أن تقول لقد أخفقت هذه المرة، ولكن سأنجح في المرات القادمة إن شاء الله تعالى.
  • احذر عند إخفاقك أن تحاول تعويض أحد أبنائك عما فعلت في مواقف أخرى أو تدلّيِله كنوع من تخفيف شعورك بالذنب، ولكن ليكن معيارك الحقيقي في التعامل مع ابنك هو الموقف نفسه، وما يستحقه الابن في هذا الموقف.
  • حاول تعزيز الجوانب الإيجابية في أولادك، والثناء عليها عندما يقوم أحدهم بالسلوك المرغوب فيه، واجعل من استثمار الإيجابيات علاجا للمنغِّصات.

وتختم التهامي قولها بكلمات للأستاذ “يوسف أسعد” في كتابه “رعاية المراهقين” تحت عنوان السيطرة بالحب فتقول: “.. والأم بحبها تُخْضِع الطفل لإرادتها، وتجعل منه خامة طيِّعة تستطيع أن تشكلها بالطريقة التي ترغب فيها، ولعل الأم التي تعرف كيف تستفيد في تربية أبنائها وبناتها بقوة الحب، تكون أقوى بكثير من تلك الأم العصبية التي تفقد بعصبيتها حب أبنائها لها، وأقوى من الأم الأنانية التي تدور بعواطفها حول نفسها أكثر مما تدور حول أبنائها وبناتها”.


ليلى حلاوة – الاثنين 20 سبتمبر 2010