من العوائق التي تؤخّر انطلاقتنا لتحقيق نهضة حضاريّة، ما سمّاه مالك بن نبي “الحَرْفِيَّة في الثقافة” في كتابه (مشكلة الثقافة) [1]. وهو الكتاب الذي سعى فيه بن نبي إلى وضع نظريّة في التغيير الثقافي لبناء وسط ثقافي يخرج المسلم من ثقافة التخلّف، ويدخل به وسطًا جديدًا، هو وسط ثقافة التحضر والنهضة.
يمكن أن نعبّر عن الفكرة بقولنا: إن من عوائق نهضتنا، ذلك الجهل المركّب الذي يتميّز به المثقّف وحامل العلم عمومًا عندنا، وصار هذا المرض مُزمنًا لدى النخبة الثقافيّة، ومُعديًا في الآن نفسِه، تتوارثه الأجيال فلا نكاد نخلص منه.
ذلك أنّ الجهل المغلّف بألقاب أكاديميّة وثقافيّة، يجعل صاحبه يقدَّم على أنه حامل شهادة عليا أو حافظٌ لكتاب الله أو متعلّمٌ وخبيرٌ، دون أن يدرك بأنه جاهل يحمل شهادة يعتقد بأنها مقياس مكانته العلميّة الوحيد، بحكم غَرام ثقافة التخلّف بالأشكال، واكتفائها بتقييم المثقّف والعالم بناء على شهادته التي يحملها ويزيّن بها مكتبه أو ملفّاته التي بين يديه، ممّا يضع بينه وبين الحقيقة والواقع حاجزًا نفسيًّا يمنعه من التعلُّم، كما يمنعه من تصحيح أخطائه إذا وقع فيها، أو تحديث أفكاره ومعلوماته وطُرق تفكيره كما يقتضيه تطوُّر المعرفة، وتنوّع التجربة، وتبدّل الأزمنة والأمكنة والأحوال.
رَجُلُ القِلَّة رائد الحرفيّة في الثقافة
وهذا الجهل المركّب الذي يسمّيه مالك بن نبي “الحَرْفيّة في الثقافة”، ثمرة تراكمات تاريخيّة في ثقافتنا وثقافة مجتمعاتنا، والسبب في ذلك عدم النظر إلى ثقافتنا على أنها تتعرّض للأمراض ودخول عناصر “قاتلة” عليها أو تتجمع عليها نفايات “ميتة”، وعليه فإنّنا لا نفكّر في “تصفية عاداتنا وحياتنا ممّا يشوبها من عوامل الانحطاط[2]، فصار رصيدنا الثقافيّ الحديث ينتج لنا موظفين بشهادات بين شعوب أُمّيّة، وليس مثقّفين يحملون رسالة المثقّف بما فيها من رؤية وقيم ومناهج ومعارف ومهارات وصنائع، تفتح للمجتمعات طريق التحضّر.
وكعادة الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله في تشريح أمراضنا، والنظر في جذورها العميقة، لاستئصال المرض والقضاء على أسبابه، وتمهيد الأرضية لتعافي جسد الأمة منه، فإنّه لم يسارع إلى اتهام الآخر غير المسلم، ولم يطلق القول بتأثير هذا كلّه عبر نظرية المؤامرة، ولكنه رأى أن جذور المشكلة هذه، ترجع إلى “رجل ما بعد الموحّدين”[3]، وهو المفهوم التحليلي الذي صاغه بن نبي للدلالة على شخصيّة الإنسان المسلم منذ عهد ما بعد دولة الموحّدين في المغرب العربيّ إلى اليوم، وهي شخصيّة تتّسم بالرؤية الحدّية للأمور، والامتناع عن العمل والإنجاز التاريخيّ، والركون إلى الدعة والماضي، والمطالبة بالحقوق، وترك أداء الواجبات.
يسمّي بن نبي هذا النموذج أيضًا بـ “رجل القلة” الذي اكتفى بالهامش والقليل، والذي “بتر فكرة النهضة فلم يرَ في مشكلتها سوى حاجاته ومطامعه [….] فهو لم يرَ في الثقافة إلا المظهر التافه، لأنّها عنده طريقة ليصبح شخصية بارزة، وإن زاد فعلمٌ يجلب رزقًا[4]“، وليس لهذا الرجل دور رسالي، ولا ينشغل بأن يكون رائد قومه في تفكيك خيوط الأزمة، ووضع اللبنات في بناء النهضة المنشودة؛ فهو من جهة يقدّم نفسه فوق بقيّة الناس باعتباره متعلمًا صاحب شهادة وعلمٍ، ولكن من جهة أخرى نراه يجعل من ذلك إيجابًا لمزيد حقٍّ له على العامة، دون أن يؤدّي دوره في خدمته وخدمة المجتمع وتصفية ثقافتنا من معيقات النهضة، والمساهمة بفعاليّة في تحقيق مشروع التحضّر، في أيّ مستوى يكون فيه هذا المثقّف.
الغرام بالظاهر.. أزمة النخبة ومصيبتها
وهذا الغرام بالأشكال -كما يسمّيه الحكيم الترمذي- يؤدّي إلى الذهول عن المقاصد، وهذه “والحَرْفية في الثقافة” تؤدي إلى التعالُم بدل العلم، وهو مرض خطير من أمراض الثقافة، لعلّه أخطر من الجهل والأمية ذاتهما، فهو جهل مركب، ينطوي على موقف نفسي رافض للتعلّم وللتواضع، وللانخراط في التغيير الاجتماعيّ وخدمة المجتمع والبحث له عن حلول تخرجه من تخلّفه الحضاريّ الذي طال.
يقول بن نبي: “اليوم أصبحنا نرى مرضًا جديدًا مستعصيًا هو (التعالُم)، وإن شئت فقل: الحرفيّة في التعلّم، والصعوبة كل الصعوبة في مداواته. وهكذا أتيح لجيلنا أن يشهد خلال النصف الأخير من هذا القرن، ظهور نموذجين من الأفراد في مجتمعنا: حامل المرقّعات ذي الأطمار البالية، وحامل اللافتات العلميّة”[5]؛ وهو في ذلك ينتقد ظاهرة الدروشة والمرابطيّة باسم العلم الشرعي، وظاهرة حملة الشهادات المتعالين على المجتمع الفاقدين لمعنى العلم وفعاليّته وقيمته في الواقع.
ولقد شهدنا منذ بدايات الربيع العربي ما تعرضت له شعوبنا من استبداد وانقلابات، وما تواجهه من أزمات متعدّدة، كيف أن أغلب المثقّفين وحملة الشهادات لا يختلفون في مواقفهم عن عامّة الناس، بل ربما تجد في العامّة صدقًا وإخلاصًا أكثر مما تجده في المثقّفين، الذين صار أغلبهم “كإبل المائة لا تجد فيها راحلة”، كما جاء في الحديث.
لقد رأينا كيف ينقلب المثقّف على مبادئه من أجل منصب، أو موقع سياسي، أو مكانة في مؤسسة، أو للحصول على امتياز ما، دون مراعاة لما يتطلّبه العلم والثقافة من وعي وتحمل المسؤولية الأخلاقية والفكرية أمام مجتمعه وأمته.
بل تجد كثيرًا من المثقّفين، بدل أن يفتح لأمته طريقًا للخروج من محنتها، ينقلب إلى فيروس مضاد، يطعن في قيمها، وفي بنائها الاجتماعي، وفي ميراثها الدينيّ والاجتماعيّ والثقافيّ، دون استعمال لأدنى متطلّبات النقد العلمي البنّاء، وإنّما فقط ليحقّق المثقّف سرعة في صعود رجة سلّم الشهرة، وأن ترضى عنه دوائر القرار أو مؤسّسات صناعة النجوميّة، أو النظام الدولي، فتُلحِقه ضمن قائمة الشخصيّات المؤثرة، أو التي تحصل على جوائز دوليّة، دون مراعاة لموقفه هذا هل يخدم أمّته أم يكون وبالًا عليها، وهل موقفه هذا ينسجم مع وضع أمّته ومرحلتها الحضاريّة والوجهة التي تسعى إليها أم أنّه معول هدم ومستجلب نفايات أيديولوجية، وممهد للغزاة؟.
وإن هذا الغرام بالأشكال، أو الحرفية في الثقافة كما سماها بن نبي، تجعل العلم مسخا وعملة زائفة غير قابلة للصرف. وهو مرض خطير ومعيق لنشأة ثقافة الفعاليّة والسننية والفكر الذي له كثافة الواقع وحقيقته، ولهذا حدث لنا غرام بالأشكال والكلمات، دون انشغال بحقائق الأمور، وتفقد الكلمة قيمتها وفعاليّتها، فيفقد الإنسان حاسّة تقدير الأمور على وجهها الصحيح، ولا يعرف للفاعليّة معنى، بل ينشغل بالأشكال الخاوية؛ وكأنها وثنيّة جديدة تتغنّى بالشكل وتنسى المضمون.
