يعتبر كتاب “القراءة الذكية” للكاتب الكويتي الدكتور ساجد العبدلي من بين أعظم الكتب العربية المؤلفة في مجال القراءة، فبواسطته يمكن للقارئ أن يتحول جذريا في كيفية قراءاته للكتب من حيث القراءة بذكاء وبسرعة وبإدراك كبير.

يطرح الكتاب العديد من الأسئلة خلال رحلته الممتعة التي تهدف عموما إلى تمكين الإنسان أن يقرأ ويتعلم: كيف تقرأ بذكاء بسرعة وبإدراك كبير؟ وهل القراءة هواية؟ كيف تكون ملكة القراءة ؟ ماهو فن القراءة ؟ ماهي أشهر أساليب القراءة؟ لماذا نحتاج أن نقرأ بسرعة ؟ ماهي العوامل التي تقلل من سرعة القراءة؟ كيف ننتقي الكتب؟ كما يبحث كتاب “القراءة الذكية” في حياة المسلم وعلاقته بالقراءة ودلائل الكرم الإلهي للأمم القارئة ويؤكد أن الإسلام ينهى عن الأمية وأن القراءة مفتاح الحضارة وغذاء العبقرية، ويشرح الوضع الحالي للأمة.

الكتاب من إصدارات دار الإبداع الفكري – الكويت 2006- بنسختين نسخة ورقية ونسخة إلكترونية. وتم تحويل الكتاب بالكامل إلى كتاب صوتي بصوت الأستاذ أحمد أحمد، وتمت طباعته على أقراص الليزر.كما أن الكتاب يحتوي على صور توضيحية ورسومات وألوان زاهية. فرسالة الكتاب هي كيف نقرأ وفكرته الرئيسية تتمثل في الدعوة للقراءة ويتصدره مقدمة يستعرض فيها المؤلف نسب تحكي واقع القراءة في عالمنا العربي، ولغة الأرقام تفصح عن أزمةٍ تستوجب المعالجة.

رسالة إلهية أغفلها المسلمون

ويرى العبدلي أن القراءة تلك السنة الإلهية التي كانت أول كلمة في آخر رسالة اقرأ أدركها غير المسلمين وتناساها وأغفلها المسلمون في يوم من الأيام فكانت بداية النهاية للحقبة الماضية من عمر الحضارة الإسلامية. ماذا ولماذا وأين ومتى وكيف؟

يقول المؤلف في مقدمة كتابه وكأنه يشير إلى هذا الواقع المأساوي للقراءة:”عندما قررت أن أكتب كتابا عن القراءة وجدت معارضة للفكرة ممن حولي، لأنها، وفق ما قالوه لي، لن تستهوي أحدا، ولن تجد لها جمهورا، وبالفعل فهذا الكلام منطقي إلى حد كبير، فكيف لي أن أقنع أناسا لا تقرأ، وربما تفعل ذلك لأنها لا تريد أن تقرأ أصلا”.

وعبر 100 صفحة يتجول الكاتب بالقارئ في رحلة مكونة من خمسة أبواب إلى عالم القراءة الذكية، حيث يبدأ العبدلي الباب الأول من هذه الرحلة بالحديث عن أهمية القراءة وهنا يطرح السؤال: هل القراءة هواية؟ ويستشهد العبدلي بآراء عدد كبير من المفكرين والمثقفين للدلالة على أن القراءة أكثر من مجرد هواية نمارسها، وإنما القراءة هي الحياة، والقراءة السليمة هي فن الحياة. الكتاب مؤلف من خمسة أبواب الباب الأول : أهمية القراءة، الباب الثاني : فن القراءة، الباب الثالث : أساليب القراءة، الباب الرابع : القراءة الذكية، الباب الخامس : أنواع القراء.

كما يناقش الكتاب مسألة الحرية في القراءة والرقابة على الكتب، ويتساءل هل نلغي الرقابة على الكتب، وكيف نعزز الرقابة الداخلية، ويتحدث عن انتشار الكتب الإلكترونية وطرق التعامل معها.

خماسية فن القراءة

وخصص الكاتب بابا كاملا عن فن القراءة، وتحدث عن ما أسماه “خماسية فن القراءة”: ماذا نقرأ؟ لماذا نقرأ؟ أين نقرأ؟ متى نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ وهذه هي نظرية الكتاب ورسالته.

ماذا نقرأ؟

يجيب العبدلي بأنه ينبغي قراءة كل ما نحبه ونستمتع به، وقراءة كل ما هو مفيد، كما يحذر من الفخ الذي يقع فيه الكثير من القراء وهو الرغبة في قراءة الكتاب كاملا ويستشهد العبدلي بمقولة اوسكار وايلد:”إذا وجدت أنك لا تستمتع بقراءة الكتاب نفسه مرة بعد مرة فاعلم أنه لا داعي لأن تقرأه على الإطلاق.”

لماذا نقرأ؟

يحدد العبدلي سبعة أهداف للقراءة: الرغبة في الاستمتاع والحصول على الثقافة العامة، استكشاف الصورة العامة للكتاب، المراجعة حيث يقرأ القارئ كتاباً ويعود إليه بعد فترة لتثبيت ما فيه من معرفة في الذاكرة، البحث عن المعلومات، القراءة بدافع تدقيق المكتوب ومراجعته وتصحيحه كما يفعل المصحح اللغوي، الرغبة في السيطرة واستيعاب المادة المقروءة والقدرة على تذكرها، السعي لنقد محتوى الكتاب كما يفعل الناقد.

أين نقرأ؟

يحدد العبدلي مواصفات الجلسة السليمة للقراءة: فالمقعد ينبغي ألا يكون لينا ولا صلباً، وأن تكون القدمان ملامستين للأرض وأن يكون الظهر مستقيماً، كما يجب أن يكون المكان جيد الإضاءة والتهوية وأن تكون المسافة بين العين والمادة المقروءة في حدود 50 سم.

متى نقرأ؟

أفضل وقت للقراءة هي الساعة الذهبية، وهو الوصف الذي يستعين به العبدلي من عبد الكريم بكار، وعلى القارئ البحث عن ساعته الذهبية هذه، وحين يجدها عليه أن يسارع فيحيطها بسياج من التقديس، ليمنع عنها المشاغل، ويحذر العبدلي من القراءة بعد أوقات الخمول وانحسار النشاط أو بعد تناول الوجبات الدسمة.

كيف نقرأ؟

يستشهد العبدلي بطقوس مجموعة من المفكرين في القراءة للإجابة عن هذا السؤال، فالشاعر شيللي كان يمزق أوراق كل كتاب يقرأه بعد أن يفرغ من قراءته ليصنع من الأوراق زوارق صغيرة يطلقها في مياه البحيرات والأنهار ليتفرج عليها وهي تبحر بعيداً. أما الكاتب إدوارد فيتزجيرالد فكان يمزق الكتاب الذي لا يعجبه ويلقي به في سلة المهملات أو النار ولم يكن يضع في مكتبته إلا الكتب التي أحبها، بينما العالم داروين كان يقسم الكتاب إلى نصفين ويحمل كل نصف في جيب من جيوبه، وكان الكاتب الساخر برنارد شو يقرأ الكتاب أثناء ارتداء ملابسه، يلبس القميص ثم يجلس ليقرأ قليلاً، ثم يرتدي البنطال ويعود للقراءة، ثم يلبس ربطة العنق ويعود إلى القراءة، وكان يفعل الشيء نفسه عندما يخلع ملابسه.

قراءة 800 كلمة في الدقيقة

ويذهب الكاتب بعيدا في بحثه عندما يتطرق حتى لطريقة الجلوس في القراءة، ما أطلق عليه مواصفات الجلسة السليمة للقراءة والمقعد المثالي والوضعية والمكان المريحان والساعة الذهبية للقراء، وينصح بالابتعاد عن كل ما يشغل البال أثناء القراءة، ويعطي أمثلة ونماذج من قراءة بعض المشاهير.

كما يتحث عن أشهر أساليب القراءة كقراءة الإستطلاع والقراءة العابرة او الانتقائية، والقراءة المدرسية التحليلية، والقراءة السريعة. ويطرح الكاتب السؤال: لماذا نحتاج أن نقرأ بسرعة؟ ويجيب قائلا حتى يواكب الإنسان السرعة الفائقة التي تنتقل بها المعلومات حوله. ثم يشرح كيف يمكن تطوير سرعة القراءة التي يؤكد أنها ترفع مستوى الإستيعاب، ويكشف أن معدل القراءة الجيدة بين 700 و 800  كلمة في الدقيقة، داعيا إلى التدرب لملاحظة الفرق.

ويقول الكاتب أن من بين العوامل التي تقلل من سرعة القراءة، قراءة كل كلمة على حدة، القراءة بصوت مرتفع، القراءة بالتحريك الخاطئ للعين، عدم استخدام الدليل البصري، ضعف التركيز و قلة ممارسة القراءة. ويركز على مسألة النظر في شرحه للعوامل الأساسية لزيادة سرعة القراءة، ويقول أن  سلامة النظر مهمة للغاية، ويشير إلى امكانية استخدم الدليل البصري، وإبطاء سرعة القراءة فقط عند قراءة المصطلحات الغريبة.

القراء أنواع عاجز وناضج وقارئ ديكور

ويخصص ساجد العبدلى الباب الرابع للقراءة الذكية، حيث ضمنه جملة من الإرشادات الأساسية والنصائح بضرورة عدم الابتعاد عن الهدف وأهمية التفاعل مع الكتاب، من حيث تحضيره  وتهيئته للقراءة. ويقول أن دراسة الكتب الكبيرة أوالمراجع مثلا، لا تتم بنفس طريقة قراءة القصص والروايات. ويدعو إلى ضرورة الحصول على الخريطة الشاملة للكتاب والتوقف مع العنوان والتعرف على المؤلف والناشر وتاريخ النشر والمراجع وقراءة ظهر الغلاف والاطلاع على المقدمة والفهرس واستعراض فقرات الكتاب بعجالة و البدء في القراءة المبدئية للفصول قبل الشروع في القراءة المتعمقة ومن ثم استخدام اسلوب التلخيص.

وعن كيفية انتقاء الكتب يدعو الكاتب إلى ضرورة التوقف مع العنوان والتعرف على المؤلف والناشر وقراءة  ظهر الغلاف الأخير والتعرف على تاريخ النشر.

ويضع الكاتب برنامجا كاملا  للقراءة الجادة، يهتم باختيار الوقت المناسب للقراءة، واختيار المستوى المناسب (عدم اقتحام الكتب الصعبة بداية)، ونوع القراءة وتحديد الأهداف. كما يبين القارئ الفرق بين القراءة الفكرية والقراءة التفاعلية، ويؤكد أن القراءة ليست عملية فيزيائية فقط بل هي فكرية نشطة.

ويحدد الكاتب صفات القارئ الجيد التي تتمثل في: المثابرة على القراءة، استيعاب الجديد، اختيار الكتاب النافع، والحكم على أهمية كل كتاب على حدة. كما يضع أنواعا وأصنافا للقراء، ويقول أن هناك القارئ العاجز والقارئ الصدأ وقارئ الديكوروالقارئ المتعالم والمولع باقتناء الكتب والقارئ الناضج والقارئ الناقد. ويبين أن هناك نوعان سيئان من القراء:

ــمستسلم يقرأ باعتقاد تام بصواب ما يقرأ .

ــنوع همه الأكبر تتبع العثرات واصطياد الثغرات.