تحت سقف “ذو المنارتين” بالمدينة التعليمية، وبحضور نخبة من كبار الباحثين والممارسين السريريين من مختلف أنحاء العالم، وعلى مدار يومين كاملين، اختتمت أعمال المؤتمر الدولي الثاني حول علم النفس الإسلامي، تحت عنوان: “إدماج المبادئ الإسلامية عبر خدمات الصحة النفسية في الشرق الأوسط”.
يأتي هذا المؤتمر، الذي تنظمه كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة بالتعاون مع جامعة قطر ومركز خليل والرابطة الدولية لعلم النفس الإسلامي، ليعلن عن مرحلة جديدة من “الاستقلال المعرفي” في فهم النفس البشرية، متجاوزاً الأطر الغربية التقليدية نحو نموذج يستلهم الوحي ويتصل بالواقع المعاصر.
لمذا هذا المؤتمر؟
لطالما ركَّز مجال علم النفس الإسلامي على ابتكار نماذج وأساليب للعلاج الفردي والحالات السريرية. غير أن هنالك طلبًا متزايدا على توسيع مجال التدخلات العلاجية الإسلامية إلى خدمات الصحة النفسية داخل المستشفيات، ومراكز إعادة التأهيل من الإدمان، والمدارس، والجامعات، ومنظمات العمل الاجتماعي، وغيرها.
وتبرز الحاجة كذلك لتوسيع نطاق تدخل أساليب الطب النفسي المتأصلة في الإسلام لتضم فئاتٍ عمرية متنوعة تتجاوز فئة البالغين فقط، بحيث تشمل المراهقين، والشباب، وكبار السن. ويمكن تطبيق هذه الأساليب في أماكن متعددة، منها العيادات الخارجية، وبيئات العلاج الجماعي، والسياقات النفسية العدلية، وبرامج الصحة السلوكية، والفضاءات الدينية، من قبيل المساجد ووزارات الأوقاف، زيادة على المنظمات غير الحكومية.
وفي ظل الاهتمام المتزايد بهذا المجال في دولة قطر ودول مجلس التعاون الخليجي، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يكان هذا المؤتمر فرصة لإطلاق حوار تفاعلي يجمع بين مكونات المجتمع المحلي والإقليمي، لمناقشة الوضع الراهن والآفاق المستقبلية لإدماج الأساليب النفسية الإسلامية والروحية في مختلف بيئات الصحة النفسية. كما يمثل المؤتمر فرصة ممتازة لتوطيد العلاقات بين جامعة حمد بن خليفة ومجموعة متنوعة من الفاعلين في المجال والقادة المجتمعيين.
لا للتجميل الديني للمناهج الغربية
لم يعد علم النفس الإسلامي مجرد تجميلٍ ديني لمناهج غربية، بل بات اليوم مشروعاً معرفياً مستقلاً، يسعى إلى بناء نموذج عالمي قادر على استيعاب تعقيدات العصر مع الحفاظ على هوية الإنسان المؤمن. وفي هذا المؤتمر الدولي الثاني، لم يكتفِ المشاركون بعرض الأفكار النظرية، بل قدّموا نماذج عملية، وأبحاثاً ميدانية، وتجارب سريرية تثبت أن الروحانية ليست ترفًا ثقافياً، بل هي جزء جوهري من الشفاء.

من مصر إلى فلسطين، ومن تركيا إلى قطر، كانت القصص التي رُويت في الجلسات صرخات واقعٍ يطلب فهماً جديداً، ودعواتٍ لإعادة الاعتبار للإنسان ككل — جسداً، عقلاً، وروحاً. وقد خرج المؤتمر بما يشبه “مُسلّمة الدوحة”، تؤكد أن العدالة، والتوكل، والفضيلة، ليست مجرد مفاهيم أخلاقية، بل أدوات علاجية فاعلة، وأن الشفاء الحقيقي لا يبدأ إلا حين نعترف بكرامة النفس التي كرّمها الله.
علم النفس كواجب حضاري
افتتح المؤتمر الدكتور رجب شانتورك، عميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة، بكلمة أكد فيها أن هذا الحراك لا يهدف فقط إلى تحسين الخدمات الطبية، بل هو “فرض كفاية” على الأمة لاستعادة ريادتها في فهم النفس. وعبر شانتورك على التزام كلية الدراسات الإسلامية التزامًا عميقًا بتطوير البحث والممارسات العلاجية التي تستجيب بشكل ملموس وهادف للاحتياجات الخاصة بمجتمعاتنا، كاشفا أنه تم إطلاق برنامج ماجستير الآداب في علم النفس الاستشاري في جامعة حمد بن خليفة لخدمة الشعب القطري خاصةَ والمجتمع العالمي قاطبةً، عبر تكوين جيلٍ جديد من أخصائيي قطاع الصحة النفسية، والمساهمة في صحة ورفاهية المجتمع.
وعن النسخة الثانية من المؤتمر عقال شانتورك أنها ترمي إلى مدّ الجسور بين النظرية والتطبيق، من خلال خلق بيئة تُسهم في تقديم خدمات صحية نفسية تتّسم بالوعي الثقافي وتعكس التّأصيل الإسلامي، إلى جانب كونها متاحة وملائمة لاحتياجات المجتمع. ويأتي التركيز على إدماج المبادئ الإسلامية والثقافة عبر خدمات الصحة النفسية في قطر والمنطقة في وقتٍ حسّاس، إذ لن تبقى هذه النقاشات والرؤى المُنبثقة من منطقتنا حكرًا عليها، بل ستكون ذات أثرٍ بالغ في تطوير خدمات الصحة النفسية في العالم بأسره. وهو ما يؤكّد مرة أخرى مكانة كلية الدراسات الإسلامية ليس فقط كعضوِ فاعل في المجال الأكاديمي، بل كمركز للتميّز الأكاديمي ومؤسسة تسهم بفعالية في صياغة مستقبل الصحة النفسية من منظور متجذٍّر في الإسلام والثقافة.
كما شهد الافتتاح احتفالية خاصة بحصول برنامج “ماجستير الآداب في علم النفس الاستشاري” بجامعة حمد بن خليفة على الاعتماد الدولي، في خطوة تكرس الجودة الأكاديمية لهذا التخصص الصاعد.
مقاربات حول الصحة العامة
ركزت الجلسة الأولى على بناء الأسس المنهجية والبحثية للنموذج الإسلامي، وجاءت المداخلات كالتالي:
1. الدين والازدهار في العينة المصرية:
استعرض الدكتور خالد الزمزمي (جامعة جونز هوبكنز) نتائج “دراسة الازدهار العالمي” المطبقة على عينة مصرية. وكشف الزمزمي عن مفارقة هامة؛ فبينما يرى 99% من المصريين أن الدين هو المحرك الأساسي لحياتهم، تظل “الضائقة المالية” هي المتنبئ الأقوى بالاكتئاب، مما يستدعي من المعالجين فهم كيف يمكن للتدين أن يكون حائط صد (Resilience) أمام الضغوط المادية القاسية.

2. نموذج “النفس الطيبة”:
قدم الدكتور خالد الجابر (استشاري طب العائلة) تأصيلاً نظرياً لنموذجه “النفس الطيبة”. وانتقد الجابر “المقاربات الاختزالية” الغربية التي تعامل الإنسان كجهاز كمبيوتر، مقدماً بديلاً إسلامياً يركز على “الفضيلة” بدلاً من “المنفعة”، ومستعرضاً كيف تم استخراج 5 محاور أساسية من التراث (التصورات العليا، فهم الدنيا، الصفات، العلاقات، والأزمات) لبناء شخصية متماسكة.
3. التدين الشمولي و”صورة الله”:
في مداخلة لافتة، تحدث الدكتور عثمان عمرجي (مؤسسة قطر) عن أهمية “التدين الشمولي. وأكد عمرجي أن “صورة الله” في وجدان المريض (حسن الظن به) هي مفتاح الشفاء؛ حيث أثبتت الأبحاث أن سوء الظن بالله يرتبط طردياً بالقلق المزمن وفقدان السيطرة، بينما التوكل الحقيقي يسرّع من عملية التعافي النفسي.
4. الفرص والعوائق أمام الإدماج:
ناقش الدكتور مأمون مبيض (مركز دعم الصحة السلوكية) الواقع العملي لدمج البعد الديني. وأشار إلى أن العائق الأكبر هو “التعليم العلماني الصرف” للأطباء النفسيين، بينما تكمن الفرصة في “الألفة الثقافية” التي تجعل المريض أكثر استجابة عندما يجد معالجاً يحترم منظومته القيمية.
5. علم النفس المرتكز على العدالة (فلسطين نموذجاً):
اختتمت الدكتورة سماح جبر (رئيسة وحدة الصحة النفسية بفلسطين) الجلسة بكلمة مؤثرة، أكدت فيها أن الصدمة في السياق الفلسطيني ليست “مرضاً فردياً” بل هي “نتيجة قهر سياسي متعمد”. ودعت إلى “علم نفس تحرري” يستبدل مصطلح “الصدمة” بمفاهيم “الابتلاء والقهر”، ويجعل من المعالج “شاهداً” على الظلم ومرافقاً للمريض في استعادة كرامته.

تجارب دولية وآفاق مستقبلية
تواصلت جلسات المؤتمر على مدار يومين كاملين، وغطت جوانب حيوية (نورد ملخصاً لأبرز محاورها):
الجلسة الثانية والثالثة: نماذج دولية وسياقات مجتمعية
انتقل النقاش من النظرية إلى التطبيق الميداني، حيث تم استعراض:
- التجربة التركية والسورية: كيف تعامل الأخصائيون مع صدمات الحرب والنزوح عبر دمج الدعم النفسي بالقيم الروحية.
- الحرب في لبنان: عرضت الأستاذة نورة قمحية دور “الثبات الروحي” في تعزيز المرونة النفسية للمدنيين تحت القصف.
- علاج الإدمان: قدم الدكتور أيمن الحسيني نموذجاً سلوكياً معرفياً بتوجه إسلامي لعلاج الإدمان، يربط بين ضبط النفس وتزكية النفس.
- العلاقات الزوجية: نوقشت آليات دمج المبادئ الإسلامية في العلاج الزوجي للمسلمين، خاصة في المجتمعات الغربية.
الجلسة الرابعة: الابتكار والذكاء الاصطناعي والبيمارستان
شهد اليوم الثاني طرحاً مستقبلياً لافتاً:
- خيمياء المكان: ناقشت الباحثة سارة محمد ياسين مفهوم “البيمارستان” وكيف يمكن للهندسة المعمارية المستوحاة من التراث أن تكون جزءاً من العملية العلاجية.
- الذكاء الاصطناعي: ناقش الدكتور جنيد قادر حدود ووعود استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في تقديم استشارات نفسية تتوافق مع الهوية الإسلامية، محذراً من النواقص التقنية والتحيزات الثقافية في الخوارزميات الحالية.
الجلسة الخامسة والسادسة: أخلاقيات الممارسة والعناية السريرية
ركزت هذه الجلسات على الجانب العملي للممارسين:
- المعضلات الأخلاقية: طرح الدكتور حمد السناوي تحديات تواجه الأطباء عند تقاطع الطب النفسي الحديث مع المعتقدات الدينية للمرضى.
- المدارس الواعية بالصدمات: عرضت نماذج من تركيا حول كيفية إعداد مدارس تراعي الحالة النفسية للأطفال في مناطق الأزمات من منظور إسلامي.
- بروتوكول SFA: قدم الدكتور محمد عمر سالم وفيصل العشاري “برنامج الدعم الروحي”، وهو بروتوكول عملي يدمج المبادئ الدينية في العلاجات الإدراكية السلوكية لتعزيز مهارات ضبط الانفعالات.

من “الأنسنة” إلى “التأصيل”
اختتم المؤتمر أعماله بمائدة مستديرة نقاشية، خلصت إلى أن علم النفس الإسلامي لم يعد مجرد “فرع” ثانٍ، بل هو ضرورة عالمية لإعادة الاعتبار للجانب الروحي في الإنسان. وشدد المشاركون على ضرورة:
- تطوير مقاييس نفسية نابعة من البيئة الإسلامية بدلاً من ترجمة المقاييس الغربية.
- تكثيف تدريب الأئمة والقادة الدينيين ليكونوا شركاء في منظومة الصحة النفسية.
- بناء جسور تعاون بين المؤسسات الأكاديمية والمراكز السريرية لتطبيق هذه النماذج على أرض الواقع.
وتوصل المشاركون في المؤتمر الدولي لعلم النفس الإسلامي.. نحو نموذج عالمي للصحة النفسية إلى ما يشبه المسلمة وهم يحملون رؤية موحدة، بأن الشفاء الحقيقي للنفس يبدأ من فهم كرامتها التي وهبها الله لها، وأن العدالة والروحانية ليستا مجرد خيارات إضافية، بل هما قلب الصحة النفسية النابض، وهو ما يكشف لنا كيف يُبنى علم نفسٍ جديد… علم نفسٍ لا يُعالج الأعراض فحسب، بل يُعيد الإنسان إلى ذاته، وإلى ربه.
