اتسم المنهج النبوي التعليمي التربوي بالنبوغ والنضوج التام، فقد قصد به -عليه الصلاة والسلام- بناء المسلم بناءً إيمانيًّا وأخلاقيًّا وسلوكيًّا، كما شهدت بذلك كتب السنة الزاخرة والطافحة بالنماذج. وقد كان -عليه الصلاة والسلام- يعلم ويربي صحابته الكرام بالقدوة العملية والأسوة الحسنة في القيم والأخلاق، وبأسلوب الحوار والمناقشة الهادئة والعقلية، أو باغتنام فرص الأحداث والمواقف، أو بالترغيب والترهيب تحفيزًا للثواب وتعديلًا للسلوك، أو بضرب الأمثال وتقريب المفاهيم، أو إثارة الانتباه بأسلوب السؤال مما يحفز العقول ويجعل المتلقي أكثر استعدادًا واستقبالًا للإجابة.
ويُعد حديث “المفلس” من هذا النوع، ومن أحد أعمق الأساليب التربوية النبوية؛ حيث استخدم النبي -عليه الصلاة والسلام- أسلوب التعليم والتربية بالحوار وإثارة الانتباه، وبدأ بالسؤال: “أتدرون ما المفلس؟” فأجاب الصحابة بالمفهوم المادي السائد وما تدركه العقول البشرية في تقييم الخسارة قائلين: “المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع”، أي المفلس المادي، الذي هو فاقد لمتعة الحياة الدنيوية، وهكذا كان جوابهم وفهمهم للسؤال.
ولكنه -عليه الصلاة والسلام- صحح هذا المفهوم، وقلبه ونقله من المفهوم المادي الدنيوي إلى معنى أخلاقي فقال: “إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار” [1]. وبيّن -عليه الصلاة والسلام- بأن الإفلاس الحقيقي هو خسارة الحسنات وإفلاس الأعمال الصالحة يوم القيامة، لا خسارة الأموال، فدل على أن فقر المال ليس إفلاسًا حقيقيًّا كما يفهمه الناس، وإنما فقر الحسنات.
دروس وفوائد من التفسير النبوي لمعنى “المفلس”
في هذا التفسير النبوي لمعنى المفلس دروس وفوائد يمكن تلخيص بعضها في النقاط التالية:
1. العلاقة بين العبادة وحسن الخلق
الرسالة التي أراد النبي -عليه الصلاة والسلام- إيصالها وتبليغها بهذا الأسلوب التربوي هي أن العبادات وحدها لا تحمي صاحبها إذا اقترنت بسلوكيات سيئة تجاه الآخرين. فبدلًا من أن تنفعه عباداته -من صلاة وصيام وصدقة ونحوها وهو في هذه الحال- يجدها هباءً منثورًا، فتؤخذ حسناته وتعطى لمن ظلمهم، فإذا فنيت حسناته، أُخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار.
ويعلمنا -عليه الصلاة والسلام- بأن العبادة الشرعية الحقة ليست مجرد أداء للشعائر، وإنما هي عبادة تثمر حسن الخلق، وحفظ اللسان، وصيانة الدماء والأموال والأعراض. ولذا كان النبي -ﷺ- يحذر أمته من العبادة الخالية من الأخلاق، كما في قصة المرأة التي تُذكر بكثرة صلاتها وصيامها ولكنها تؤذي جيرانها، فقال عنها: “هي في النار”. ثم بيّن في موضع آخر من هو المسلم المثالي فقال -عليه الصلاة والسلام-: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” [2]، ولم يقل من كثرت عبادته، ولكن من ظهرت عليه نتيجة العبادة الحقيقية.
وكل هذا يؤكد على مدى ارتباط متين بين العبادة والأخلاق، وأن العبادات الصحيحة لا بد أن تهدي إلى مكارم الأخلاق. فحسن الخلق هو الثمرة الطبيعية والهدف الأسمى للعبادة الصحيحة، لأن من مقاصد العبادات في الإسلام هو تهذيب النفوس وتربيتها على حسن الخلق؛ فالصلاة الصحيحة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تطهر النفس من الشح، والصيام ينمي التقوى ويضبط النفس، والحج يربي ويعوّد على العفاف والابتعاد عن الرفث والفسوق والجدال. فكلما ازداد المسلم في الطاعة على الوجه المطلوب وقربًا من الله، ازداد حسن خلق وإحسانًا إلى الناس. بل إن الغاية الكبرى والهدف الجوهري من إرسال النبي محمد -ﷺ- يتجلى في قوله -عليه الصلاة والسلام-: “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق” [3].
2. خطورة ظلم العباد
إن حقوق العباد من أعظم الحقوق شأنًا، وهي مبنية على المشاحة، فلا تسقطها كثرة العبادات، ولا يكفي فيها الندم، بل لا بد من ردِّ المظالم إلى أهلها أو طلب العفو منهم، لأن الناس حريصون على استيفاء حقوقهم كاملة ولا يتسامحون فيها بسهولة، بخلاف حقوق الله تعالى المبنية على المسامحة والمغفرة.
ومن تأمل هذا الحديث وجد أن أكثر أسباب الإفلاس المذكورة تتعلق بأخلاق المسلم ولسانه ومعاملاته؛ فالشتم، والقذف، وأكل الأموال بالباطل، والاعتداء على الدماء، وضرب الناس، كلها ذنوب تهدم رصيد الحسنات الذي جمعه الإنسان طوال حياته. فقد يجتهد الإنسان في الصلاة والصيام والصدقة وسائر الطاعات، لكنه يضيِّع ثوابها بظلم الناس والاعتداء على حقوقهم. ولذلك جاء التحذير الشديد من ظلم الناس، مهما كان نوع هذا الظلم؛ سواء كان في الأموال، أو الدماء، أو الأعراض، أو الحقوق المعنوية، فقال النبي -ﷺ-: “من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحُملت عليه” [4].
وهذا المعنى يفسر حديث الباب؛ فتصور وتأمل “المفلس المذكور” لم يكن قليل العبادة، بل جاء بصلاة وصيام وزكاة أمهات العبادات، ولكنه ظلم الناس، فصارت حسناته وفاءً لحقوقهم، حتى إذا نفدت حسناته حُمل من سيئاتهم، فكان ذلك سبب هلاكه.
وقد رُوي في السيرة والحديث أنه -عليه الصلاة والسلام- في آخر خطبة له، وقيل: قبل خمسة أيام من الوفاة، تحامل على نفسه وبرز إلى المسجد، فقال -عليه الصلاة والسلام-: “أيها الناس، ألا من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقًّا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس” [5]. وهذا من كمال عدله وتواضعه، مع أنه -عليه الصلاة والسلام- معصوم من الظلم، بل كان أعدل الناس وأرحمهم. وفي هذا إشارة تربوية واضحة بأن العدل يبدأ من القائد قبل غيره، وليس ذلك فحسب، بل يبين أيضًا أن من كان مغفورًا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، حرص على براءة ذمته من حقوق الناس، فكيف بمن دونه؟
ومن هنا كان السلف الصالح على الاتهام المستمر للنفس -مع كثرة عباداتهم إلا أنهم يعتقدون التقصير في حقوق الله وحقوق خلقه- ويخافون الوقوف بين يدي الله وفي أعناقهم مظلمة لأحد. وكان خوفهم من ظلم العباد أكثر من خوفهم من كثير من المعاصي، وكانوا يبادرون إلى الاعتذار ورد الحقوق، إدراكًا منهم أن النجاة يوم القيامة لا تكون بكثرة العبادات وحدها، بل مع سلامة الذمة من حقوق الخلق. حتى كان منهم من يرفضون تولي القضاء خوفًا من الميل عن الحق ولو بشق تمرة، كالإمام أبي حنيفة النعمان الذي فُرض عليه القضاء وضُرب لرفضه، خوفًا من الوقوع في ظلم الناس.
من صور الإفلاس الأخلاقي في العصر الحديث
تتعدد صور الإفلاس الأخلاقي في واقع الناس المعاصر، حيث لم يعد فقر الأخلاق مقتصرًا على ما جاء في حديث الباب، بل اتسعت آفاقه ومظاهره مع تطور وسائل الاتصال الاجتماعي وتغير أنماط الحياة، وأصبح كثير من الناس يفرطون في حقوق الآخرين وهم لا يشعرون أنهم يبددون رصيدهم من الحسنات، ومن أبرز هذه الصور:
الإساءة عبر وسائل التواصل الاجتماعي
كثرت أنواع الظلم الفضائية وتتجدد فينة بعد أخرى، ومن أشهرها: السخرية، والتنمر، والتشهير بالناس، ونشر الشائعات المضرّة، وإعادة نشر المقاطع والصور التي تنتهك خصوصيات الآخرين، والخوض في الأعراض والإدمان في أكل لحوم البشر، لا سيما العلماء الأخيار. إلى حد أنه يوجد بعض قنوات باسم الردود العلمية لصغار العقول، سفهاء الأحلام، الرويبضة، ينهشون فيها لحوم أهل العلم والدعاة قطعة قطعة، الأموات منهم والأحياء. حتى بلغ ببعضهم تبديع الأئمة أمثال الإمام النووي وابن حجر وعز بن عبد السلام والبيهقي، بل إلى حد تكفيرهم لأبي حنيفة والغزالي والسيوطي وربما النووي علنًا في القنوات! فكل ذلك داخل في ظلم العباد الذي لا يسقط بكثرة العبادة.
الظلم المالي والوظيفي
يشمل الظلم المالي أكل أموال الناس بالباطل، والغش في البيع والشراء، والرشوة، والاحتيال، والمماطلة في سداد الديون مع القدرة، وأكل حقوق العمال والموظفين، والتعدي على الأموال العامة. ويتمثل الظلم الوظيفي في خيانة الأمانة، واستغلال المنصب لتحقيق المصالح الشخصية، والظلم في التقييم والترقيات، وإضاعة مصالح الناس، وغيرها من الفساد الإداري التي هي في ميزان الشرع حقوق للعباد، سيطالب بها أصحابها يوم القيامة إذا فات أوان الإصلاح والاستدراك.
الظلم الأسري والاجتماعي
الظلم داخل الأسرة والمجتمع من جنس الظلم الذي حذر -عليه الصلاة والسلام- من قربانه فقال: “اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة” [6]. ويكمن خطر الظلم الأسري والاجتماعي في كون كثير من الناس يرونه هينًا ويغفلون عنه؛ لأن صاحبه قد يراه شأنًا شخصيًّا داخليًّا أو حقًّا من حقوقه التي له فيها حرية. بينما هو في واقع الأمر اعتداء على حقوق العباد التي لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة؛ كالظلم في عقوق الوالدين، أو إهمال حقوقهما، أو ظلم الزوج لزوجته بالقسوة، أو الهجر، أو منعها حقوقها الشرعية، أو ظلم الزوجة لزوجها بالعصيان والإساءة، أو التمييز بين الأبناء، أو حرمان بعض الورثة من حقوقهم، أو التقصير في النفقة والتربية، أو استخدام العنف اللفظي والجسدي الذي قد يكون مآله هدم للأسرة أو زرع للأحقاد في النفوس.
وأما من جانب الظلم المجتمعي الذي يمزق روابط المجتمع ويشيع البغضاء بين أفراده؛ كالذي يحدث من إساءة إلى الجيران، وإفشاء الأسرار، ونقض العهود، وإيقاع العداوة بين الناس بالنميمة والغيبة والوشاية، وإضاعة حقوق الضعفاء. كل ذلك داخل صور الإفلاس الأخلاقي التي حذر عنها الشرع. ولذلك كان ينبغي للمسلم مراجعة علاقاته بأقرب الناس إليه وأن يسارع إلى الاعتذار ورد الحقوق وصلة الأرحام وإزالة المظالم؛ فإن الظلم لا يدوم، والحقوق لا تضيع عند الله، ويوم القيامة هو يوم الفصل والعدل، حيث يُقتص للمظلوم من الظالم، مهما طال الزمن أو خفيت المظلمة بين الناس.
الظلم العلمي والفكري
وهذا النوع من أخطر صور الإفلاس الأخلاقي المعاصرة، وفي ساحة المعرفة والبحث العلمي، وهي أن ينسب الإنسان إلى نفسه جهد غيره، أو ينقل أفكارًا، أو بحوثًا، أو مقالات، أو نتائج علمية دون عزوها إلى أصحابها، أو يستولي على إنتاجهم الفكري وينشره باسمه، أو نسخ البحوث والرسائل الجامعية، والانتحال باستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي دون بيان أو توثيق، وغير ذلك من أنواع السرقة العلمية والفكرية.
وهذا الصنيع والتصرف في ميزان الشريعة اسمه اعتداء على حقوق العباد، وخيانة للأمانة العلمية. فكل حق اعتُدي عليه بغير وجه حق هو مظلمة يسأل عنها العبد بين يدي الله تعالى. والمسلم مأمور بالصدق والأمانة في كل شأن، ولا سيما في العلم؛ ولذا كان علماء الإسلام عبر القرون حريصين على توثيق الأقوال، ومن تلكم الأسانيد المحشورة في كتب التراث، بل يعدون نسبة الفضل إلى أهله من أخلاق أهل العلم، حتى قالوا: “من بركة العلم أن تُضيف القول إلى قائله”.
ولهذا ينبغي للباحث، والكاتب، وطالب العلم، وكل من ينقل علمًا، أن يتحرى الأمانة، ويوثق مصادره، وينسب الفضل إلى أهله، فإن الأمانة العلمية ليست مجرد التزام أكاديمي، بل هي عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله، ودليل على صدقه وعدله، وسبب لحفظ بركة العلم وقبول العمل.
الخلاصة
إن الإسلام غيّر مفهوم الإفلاس تغييرًا جذريًّا، فلم يقتصر على المعنى المادي الذي يعرفه الناس. فكل هذه الممارسات المذكورة تدخل في عموم الحديث -المفلس الأخروي- وإن اختلفت صورها وأدواتها. وأن كثيرًا من الحسنات قد تضيع بسبب الاعتداء على الناس، فيأتي العبد بصلاة وصيام وزكاة، ثم يجد المسكين نفسه مفلسًا بعدما وزعت حسناته على من ظلمهم في الدنيا.
