أجمع العلماء على أن النبي معصوم عن الكفر قبل الوحي وبعده، وأما تعمد الكبائر فهو معصوم عنها بعد الوحي، وأما الصغائر فتجوز عمداً عند الجمهور بعد الوحي ويستفاد من كلامهم عدم امتناع صدور الكبائر عنه قبل الوحي، وهذه التقريرات العقدية يتجاوزها استقراء الروايات التاريخية التي تؤكد العصمة من الكفر والكبائر معاً قبل الوحي. فقد وردت روايات ضعيفة تفيد أن الله تعالى عصمه من سماع ومشاهدة الأعراس في صباه يوم أن كان يرعى الغنم[1]، كما وردت روايات ضعيفة تفيد أن الله تعالى عصمه من العري وهو فتى ينقل مع أقرانه حجارة يلعبون بها وقد رفعوا أزرهم، فأمر أن يشد عليه إزاره[2].

ولكن قد ثبت أنه نهي عن رفع إزاره وهو رجل لما جددت قريش بناء الكعبة، فقد اشترك مع عمه العباس في نقل الحجارة، فاقترح عليه العباس أن يرفع إزاره ويجعله على رقبته ليقيه أثر الحجارة ما دام بعيداً عن الناس فلما فعل سقط على الأرض مغشياً عليه، فلما أفاق طلب أن يشدوا عليه إزاره[3]. وكان عمره حين تجديد بناء الكعبة خمساً وثلاثين سنة[4]. ولم يكن التعري مستنكراً عند العرب في الجاهلية، فقد كانوا يطوفون بالبيت العتيق عراة إلا الحمس (وهم قريش)، كما أن التعري في الطواف استمر حتى منعهم الرسول بأمره الذي بلَّغه أبو بكر الصديق في حج سنة 9 هـ عندما أعلن (ألَّا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان)[5]. لذلك علق ابن حجر على الحديث السابق بقوله: “وفي الحديث أنه كان مصوناً عما يستقبح قبل البعثة وبعدها”[6].

إن حادثة تجديد بناء الكعبة قد كشفت عن مكانة النبي الأدبية في الوسط القرشي، فقد اختلفت قريش فيمن يضع الحجر الأسود مكانه، ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل من باب بنبي شيبة فدخل رسول الله، فأمر بثوب فأخذ الحجر ووضعه في وسطه، ثم أمرهم برفعه جميعا ثم أخذه فوضعه مكانه. وقد ذكر عبد الله بن السائب المخزومي – وهو شاهد عيان اشترك في بناء الكعبة يومئذ – بأن قريشاً قالت لما دخل النبي من باب بني شيبة “أتاكم الأمين”[7]. مما يبرز مكانته في قومه قبيل البعثة.

ومما خالف فيه الرسول قريشاً الوقوف بعرفة، وكانت قريش تفيض من مزدلفة على حين يفيض بقية الناس من عرفة، وتعلل قريش ذلك بأنها أهل الحرم، فليس لها أن تخرج من الحرمة، ولا تعظم غيرها كما تعظمها[8].

أما رسول الله فكان يقف بعرفة، فلما رآه جبير بن مطعم واقفاً بعرفة قال: هذا والله من الحُمس فما شأنه هاهنا[9]!!

وهذا من توفيق الله لرسوله قبل البعثة، فكان يستمسك بإرث إبراهيم وإسماعيل في حجهم ومناكحهم وبيوعهم[10].

وكان يطوف بالبيت العتيق، وقد طاف معه مولاه زيد بن حارثة مرة، فلمس زيد بعض الأصنام فنهاه رسول الله عن ذلك، ثم عاد زيد للمسها ليتأكد من الأمر، فنهاه ثانية فانتهي حتى كانت البعثة. وقد حلف زيد بن حارثة بأن رسول الله ما مس منها صنماً حتى أكرمه الله بالوحي[11].

وقد التقى النبي بزيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بَلْدح قبل البعثة، فقُدمت للنبي سفرة فأبى زيد أن يأكل منه لأنه خشى أن يكون الطعام مما ذبح على النصب أو لم يذكر اسم الله عليه[12].

وقد بين الشُّرَّاح بهذه المناسبة أن النبي ما كان يأكل ما يُذبح على النصب.


منقول من كتاب السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية، للدكتور أكرم ضياء العمري

[1]   ابن إسحاق: السير والمغازي 79 – 80 بسند فيه محمد بن عبد قيس بن مخرمة انفرد ابن حبان بتوثيقه، وقال ابن حجر عنه: مقبول، فيحتاج إلى متابعة. (انظر حاشية فقه السيرة للغزالي 72 – 73 من تعليقات الألباني).

[2]  ابن إسحاق: السير والمغازي 78 وفي سنده مبهم

[3]  أخرجه الشيخان (فتح الباري 1/ 474 وصحيح مسلم بشرح النووي 4/ 33 – 34) من حديث جابر بن عبد الله

[4]  عبد الرزاق: المصنف 5/ 102 – 104 بإسناد صحيح كما حكم عليه الذهبي (السيرة النبوية 39) وسيرة ابن هشام 1/ 209 – 214 من كلام ابن إسحاق بدون إسناد

[5]  البخاري: صحيح 2/ 164 كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان 2/ 175 كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة

[6]  فتح الباري 1/ 475

[7]  مسند أحمد 3/ 425 والحاكم: المستدرك 3/ 458

[8]  سيرة ابن هشام 1/ 216

[9]  صحيح البخاري 7/ 175 وصحيح مسلم 2/ 894

[10]  البيهقي: دلائل 2/ 37

[11]  الطبراني: المعجم الكبير 5/ 88 والبيهقي: دلائل النبوة 2/ 43 والحاكم: المستدرك 3/ 216 – 217 وصححه وأقره الذهبي لكن الذهبي عاد فحسَّنه فقط في تاريخ الإسلام (السيرة النبوية للذهبي 42) وهو صحيح لأن في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة صدوق له أوهام (التقريب 499)

[12]  صحيح البخاري (فتح الباري 7/ 142، 9/ 630)