يعد التعليم، في جوهره، حجر الزاوية الذي يقوم عليه بناء المجتمعات المستدامة والمسالمة. إنه ليس مجرد عملية نقل للمعلومات، بل هو حق أصيل من حقوق الإنسان، ومنفعة عامة ومسؤولية مشتركة تقع على عاتق الحكومات والمؤسسات والأفراد على حد سواء . وإيماناً بهذا الدور المحوري، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الثالث من ديسمبر عام 2018، يوم 24 يناير هو ي اليوم الدولي للتعليم، احتفاءً بدوره الجوهري في تحقيق السلم والتنمية العالمية .

التعليم كحق أصيل ومسؤولية عالمية

في عالم يتشظّى بين الحروب، التفاوت، والثورة التكنولوجية المتسارعة، يبقى التعليم الحصن الأخير ضد الجهل، والفقر، والاستبداد. ومنذ أن أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 3 ديسمبر 2018 يوم 24 يناير من كل عام “اليوم الدولي للتعليم”، بات هذا اليوم مناسبةً عالميةً لتأكيد أن التعليم ليس امتيازاً، بل حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان، كما نصّت المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

اليوم الدولي للتعليم .. من قرار أممي إلى حركة عالمية

لم يكن إعلان اليوم الدولي للتعليم حدثاً رمزياً، بل ثمرة إرادة سياسية جماعية شاركت فيها 59 دولة، وتمت بالتوافق الكامل. وينبع هذا القرار من إدراك عميق بأن التعليم هو العمود الفقري لأهداف التنمية المستدامة (SDGs)، خصوصاً الهدف الرابع: “ضمان التعليم الجيد والشامل والمنصف للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة”.

واليوم، وبعد مرور سبع سنوات على القرار، يبرز السؤال: هل نحن على الطريق الصحيح؟
الإجابة، للأسف، مختلطة. فرغم التقدم في بعض الدول، لا تزال الفجوة التعليمية تتفاقم، خصوصاً في مناطق النزاع، ودول الجنوب العالمي، ومجتمعات اللاجئين. وهنا، يصبح اليوم الدولي للتعليم صرخة تذكير، لا احتفالاً فقط.

2026 .. عام الشباب: من متلقّي التعليم إلى مُهندسيه

يُشكّل من هم دون 30 عاماً أكثر من 50% من سكان العالم. وهم ليسوا فقط “المستفيدون” من التعليم، بل المتأثرون الأكبر بسياسات التعليم، ونُظمه، وتحوّلاته. ومع ذلك، يُستبعدون غالباً من صنع القرار.

شعار 2026 “قدرة الشباب على المشاركة في صياغة التعليم” يُعدّ انقلاباً مفاهيمياً:

  • من التعليم من أجل الشباب  إلى التعليم مع الشباب.
  • من المناهج المفروضة  إلى المناهج المُشتركة.
  • من التعلّم السلبي  إلى التعلّم التشاركي.

وقد دعت اليونسكو إلى إشراك الطلاب والشباب “بطريقة هادفة” في رسم مستقبل التعليم، خصوصاً في ظل الثورة التكنولوجية التي تُعيد تعريف:

  • ماهية المعرفة
  • أدوات التعلّم
  • مهارات المستقب.

“الشباب ليسوا مستقبلاً نُعدّه، بل حاضراً نُشاركه.” — رسالة اليوم الدولي للتعليم 2026

إن الاحتفال بهذا اليوم ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو دعوة سنوية ملحة للتأكيد على ضرورة توفير فرص تعليمية شاملة ومتساوية في التعليم الجيد للجميع مدى الحياة. فمن دون هذا الالتزام، ستتعثر البلدان في سعيها نحو تحقيق المساواة بين الجنسين، والخروج من دائرة الفقر التي تؤثر سلباً في ملايين الأطفال والشباب والبالغين، وتسهم في تركهم خلف الركب التنموي.

لوحة فنية ملونة تتكون من قطع أحجية تظهر أشخاصًا متنوعين يمارسون أنشطة مختلفة مثل القراءة والاستماع إلى الموسيقى والتحدث، مع تعبيرات وجه سعيدة تعكس التنوع والتفاعل الاجتماعي.

 إن الاستثمار في التعليم هو، بلا شك، الاستثمار الأكثر فعالية في مستقبل البشرية، فهو يفتح الأبواب أمام الابتكار، ويعزز التماسك الاجتماعي، ويقلل من مخاطر النزاعات.

لقد اتخذ اليوم الدولي للتعليم لعام 2026 شعاراً ذا دلالة عميقة “قدرة الشباب على المشاركة في صياغة التعليم (The power of youth in co-creating education).  هذا الشعار لا يعكس فقط الاعتراف بالشباب كقوة دافعة للتنمية والابتكار، بل يمثل تحولاً في النظرة إلى العملية التعليمية، من كونها عملية تلقين إلى عملية تشاركية يقودها المستفيدون أنفسهم، خاصة في ظل التحولات الجذرية التي تفرضها الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي . هذا التحول يفرض على المؤسسات التعليمية إعادة تعريف أدوارها، لتصبح حاضنات للإبداع والنقد، بدلاً من كونها مجرد ناقلات للمعرفة.

250 مليون طفل خارج المدرسة و763 مليون أميّ

على الرغم من الاعتراف العالمي بالتعليم كحق أساسي، فإن الواقع يكشف عن أزمة عالمية لا يمكن تجاهلها. إن انتهاك هذا الحق على نطاق واسع يمثل تحدياً أخلاقياً وإنسانياً ضخماً، ويؤكد على فشل المجتمع الدولي في الوفاء بالتزاماته تجاه الأجيال القادمة.

ويأتي اليوم الدولي للتعليم 2026 في سياقٍ بالغ الدقة: أكثر من 250 مليون طفل خارج المدرسة، و763 مليون شخص بالغ أميّ من الكبار، الذين يُنتهك حقهم في التعليم، وهذا أمر غير مقبول. حان الوقت لإحداث تحوّل في التعليم، في حين يُعيد الذكاء الاصطناعي تعريف ماهية المعرفة، والتعلّم، وحتى “الإنسان المتعلّم”. ولذلك، اختارت منظمة اليونسكو لهذا العام شعاراً جريئاً: “قدرة الشباب على المشاركة في صياغة التعليم”، مسلّطةً الضوء على الجيل الذي يُفترض أن يكون مستقبلاً، لكنه اليوم صانع الحاضر.

هذه الأرقام الصادمة، التي تشير إلى أن ربع مليار طفل وشاب محرومون من التعليم، وأن مئات الملايين من البالغين يعيشون في الأمية، تؤكد أننا بعيدون كل البعد عن تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة (SDG 4)، الذي يهدف إلى “ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع” بحلول عام 2030.

 إن هذه الفجوة التعليمية لا تؤثر فقط على الأفراد، بل تُعيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي، وتغذي عدم المساواة، وتزيد من الهشاشة في المجتمعات. إن الفشل في توفير التعليم الجيد هو وصفة مؤكدة لاستمرار دورات الفقر والصراع.

إن التعليم، كما تنص المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يجب أن يكون مجانياً وإلزامياً في مراحله الأولى، وأن يتاح التعليم العالي أمام جميع فئات وطبقات المجتمع بدون استثناء، وفقاً لاتفاقية حقوق الطفل المعتمدة عام 1989.

إن اليوم الدولي للتعليم هو مناسبة سنوية للدفاع عن هذا الحق، والضغط على الحكومات والمنظمات لتكثيف جهودها لسد هذه الفجوة، خاصة في المناطق المتأثرة بالنزاعات والكوارث، حيث يتضاعف حرمان الأطفال والشباب من أبسط حقوقهم التعليمية.

الشباب كقوة دافعة .. المشاركة في صياغة التعليم

يمثل الشباب ممن هم تحت سن الثلاثين أكثر من نصف سكان العالم، وهم ليسوا مجرد متلقين للتعليم، بل هم قوة دافعة لتحقيق التنمية المستدامة والابتكار وإحداث تحول اجتماعي. إن شعار عام 2026 يضع الشباب في صميم عملية إعادة التفكير في التعليم، مؤكداً على أنهم يمتلكون دوراً خاصاً عندما يتعلق الأمر بصياغة مستقبل التعليم، فهم المستفيدون من برامج التعليم ومستقبلهم وقفٌ عليها.

شاب يصعد على كومة من الكتب، يرتدي حقيبة ظهر، مع قبعة تخرج تدور في الهواء. الخلفية تحتوي على دوائر وخطوط متقطعة، مما يعكس موضوع التعلم والتقدم الأكاديمي.

إن إشراك الطلاب والشباب بطريقة هادفة في صياغة التعليم الذي يرغبون فيه هو أمر ضروري لتلبية تطلعاتهم وطموحاتهم. هذا الإشراك يجب أن يتجاوز الاستماع السلبي إلى المشاركة الفعالة في صنع السياسات والتشريعات التعليمية. وفي هذا السياق، ستطلق اليونسكو تقريراً جديداً للرصد العالمي للتعليم (GEM Report) لعام 2026، يركز على”القيادة مع الشباب”، ويقيّم مشاركة الطلاب والشباب في تشريعات وصنع سياسات التعليم على مستوى العالم .

إن هذا التركيز على الشباب يأتي في وقت حرج، حيث لا يزالون يتأثرون بطريقة غير متناسبة بالفقر وعدم المساواة ومحدودية إمكانية الانتفاع بالتعليم الجيد وفرص الحصول على عمل لائق. لذا، فإن تمكينهم من صياغة تعليمهم يعني تمكينهم من صياغة مستقبلهم ومستقبل مجتمعاتهم. إن الشباب هم الجسر الذي يربط بين التحديات الحالية والحلول المستقبلية، وإهمال دورهم هو إهدار لطاقة هائلة من الإبداع والتغيير.

الذكاء الاصطناعي وثورة التعليم

إن التحول الجذري الذي يشهده العالم، خاصة مع تسارع الثورة التكنولوجية وظهور الذكاء الاصطناعي (AI)، يستدعي إعادة التفكير في الغرض من التعليم والتعلم وأساليبهما. وفي هذا الصدد، كان شعار اليوم الدولي للتعليم لعام 2025 تحت عنوان: “الذكاء الاصطناعي والتعليم واتصالهما بفاعلية الإرادة البشرية في عالم مُؤَتمَت”.

هذا المحور، الذي يظل وثيق الصلة باحتفالات 2026، يشجع على التفكير في قدرة التعليم على تزويد الأفراد والمجتمعات بالقدرة على التنقل وفهم والتأثير على التقدم التقني. فمع تزايد تعقيد الأنظمة التي تعتمد على الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، غالبًا ما تتلاشى الحدود بين النية البشرية والعمل الذي تقوده الآلة، مما يثير أسئلة بالغة الأهمية بشأن كيفية صون الفاعلية الإنسانية وإعادة تعريفها ورفعها بشكل مثالي في عصر التسارع التقني .

إن التحدي الأكبر للتعليم اليوم ليس في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة، بل في كيفية ضمان أن يظل الإنسان هو القائد والموجه لهذه التكنولوجيا، وأن لا تتحول العملية التعليمية إلى مجرد تدريب على التفاعل مع الخوارزميات.

يجب أن يركز التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي على تطوير المهارات التي لا يمكن للآلة أن تحاكيها بسهولة، مثل التفكير النقدي، والإبداع، والتعاطف، والذكاء العاطفي، والقدرة على حل المشكلات المعقدة. إن الهدف ليس تدريب الطلاب ليصبحوا آلات، بل ليكونوا قادة ومفكرين قادرين على توجيه التكنولوجيا لخدمة الإنسانية، وليس العكس. هذا يتطلب تحولاً جذرياً في المناهج، حيث يتم التركيز على المشاريع متعددة التخصصات، والتعلم القائم على حل المشكلات، وتنمية المهارات الناعمة التي تميز الإنسان.

لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي يمتلك إمكانات هائلة لإحداث ثورة إيجابية في التعليم. يمكن استخدامه لتخصيص مسارات التعلم، وتقديم تغذية راجعة فورية للطلاب، وتحليل البيانات التعليمية لتحسين جودة التدريس. ومع ذلك، يجب أن يتم هذا الدمج بحذر، مع وضع اعتبارات أخلاقية صارمة لضمان العدالة والشفافية وحماية خصوصية البيانات. إن التعليم الذي يقوده الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل تحت الإشراف البشري، وأن يهدف إلى تعزيز القدرات البشرية بدلاً من استبدالها.

التعليم كأداة للتنمية المستدامة والسلام

يُعد التعليم شرطاً أساسياً لنجاح خطة التنمية المستدامة لعام 2030. فالهدف الرابع (التعليم الجيد) هو اللبنة الأولى لبناء مجتمعات قوية تستطيع الصمود في مواجهة التحديات العالمية، سواء كانت تحديات مناخية، أو اقتصادية، أو صحية. إن التعليم هو المفتاح الذي يفتح الأبواب أمام الفرص الاقتصادية، ويقلل من عدم المساواة، ويعزز الصحة العامة.

إن اليوم الدولي للتعليم هو مناسبة سنوية يتم الاحتفال بها للتأكيد على الدور الكبير الذي يلعبه التعليم في تنمية المجتمعات وبنائها، والذي يتمثل في:

تحقيق الهدف الرابع: السعي لتحقيق أحد أهم أهداف التنمية والتطور المستمر التي تؤكد على ضرورة الوصول إلى التعليم الجيد والشامل، وذلك بحلول عام 2030.

إحلال السلام: التعليم هو الأداة الأكثر فعالية لتعزيز التسامح، ونبذ العنف، وبناء جسور التفاهم بين الثقافات، مما يساهم في إحلال السلام العالمي. إنه يزود الأفراد بالقدرة على التفكير النقدي وتحليل المعلومات، مما يجعلهم أقل عرضة للتطرف والتعصب.

حماية الحقوق: يُعد اليوم العالمي للتعليم يوماً للدفاع عن أهم حق من حقوق الإنسان وهو حق التعليم، والعمل على حماية حقوق الطلاب والكوادر التعليمية على حد سواء.

اليوم الدولي للتعليم 2026 .. نحو عالم عادل رقمي وإنساني

إن تحسين مستوى التعليم وجودته بمختلف مراحله، والعمل أيضاً على حماية حقوق الطلاب والكوادر التعليمية على حد سواء، هي أهداف رئيسية لهذا اليوم العالمي. يجب أن يشمل هذا التحسين الاستثمار في تدريب المعلمين، وتوفير البنية التحتية الرقمية اللازمة، وتطوير المناهج لتكون أكثر ملاءمة لاحتياجات سوق العمل المتغيرة.

التحديات والآفاق المستقبلية

على الرغم من الجهود المبذولة، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة. من أبرز هذه التحديات:

تمويل التعليم: لا تزال العديد من الدول النامية تعاني من نقص حاد في تمويل القطاع التعليمي، مما يؤثر على جودة التعليم وإمكانية الوصول إليه.

الفجوة الرقمية: تفاقمت الفجوة الرقمية بين الدول الغنية والفقيرة، وبين المناطق الحضرية والريفية، مما يهدد بتعميق عدم المساواة في الوصول إلى التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي.

تأهيل المعلمين: يحتاج المعلمون إلى تدريب مستمر ومكثف لمواكبة التطورات التكنولوجية وتطبيق أساليب التدريس المبتكرة التي تركز على المهارات المستقبلية.

التعليم في حالات الطوارئ: لا يزال ملايين الأطفال والشباب في مناطق النزاع والكوارث محرومين من التعليم، مما يتطلب استجابة دولية أكثر فعالية ومرونة.

نحو مستقبل تعليمي يملكه الشباب

إن اليوم الدولي للتعليم 2026 يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الدولي والابتكار. إن التركيز على الشباب يمثل استراتيجية ذكية لضمان أن تكون الحلول التعليمية مستدامة وذات صلة. يجب على المجتمع الدولي أن يضاعف جهوده لضمان أن يكون التعليم حقاً متاحاً للجميع، وليس امتيازاً للقلة.

إن اليوم الدولي للتعليم 2026 يمثل نقطة تحول هامة في مسار التعليم العالمي. إنه يذكّرنا بأن التعليم ليس مجرد استثمار في المستقبل، بل هو التزام أخلاقي وإنساني في الحاضر. إن التركيز على قدرة الشباب على المشاركة في صياغة التعليم هو اعتراف بأن النماذج القديمة لم تعد كافية لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

في عالم يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي وتتزايد فيه التحديات، يصبح التعليم هو الأداة الوحيدة التي تضمن صون الفاعلية الإنسانية. إن تحسين جودة التعليم، وتوفيره للجميع، وإشراك الشباب في رسم ملامحه، هو الطريق الوحيد لتحقيق التنمية المستدامة وبناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً. إن مستقبل التعليم هو مستقبل يملكه الشباب، ويجب علينا أن نوفر لهم الأدوات والمنصات اللازمة لقيادة هذا التحول.