لا نقصد بتاريخ المقاصد الشرعية متى وجدت، فالمقاصد الشرعية وجدت يقينًا مع أحكام الشارع الخالق عز وجل، في أوامره ونواهيه ولكننا نتناول تاريخها كموضوع من حيث إدراك أهل العلم له وتناولهم له بالتعريف والتحليل سواء اعتبرنا المقاصد الشرعية علمًا مستقلًا عن علم أصول الفقه أو اعتبرناه جزءًا منه على ما سيلي تفصيله كما أننا لا نعني في هذا المقام بحث التطور التاريخي لفكرة المقاصد، وإنما نتناول فقط المراحل التاريخية التي مرت بها فكرة المقاصد من حيث الاهتمام.
أولًا ـ المقاصد في القرآن الكريم
القران الكريم هو المصدر الأساسي للشريعة الإسلامية، وهو المصدر الأول للتشريع ومن ثم كان طبيعيًا أن ترد الأحكام عامة في النص القرآني، كما وردت أحكام خاصة أيضًا في النص القرآني المقدس، ومن الطبيعي أن الأحكام العامة هي مصادر وقواعد كلية يستخرج منها الحكم الشرعي المناسب لكل حالة، أما الأحكام الجزئية أو التفصيلية فهي أحكام ارتبطت بحالة معينة ولو نظرنا لوجدنا أن لكل حكم علته، وكذلك ما يمكن أن نطلق عليه مقاصده الشرعية.
وقد قال صاحب الموافقات: “إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة وعمدة الملة وينبوع الحكمة وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه، وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه لأنه معلوم من دين الأمة، وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن أراد الاطلاع على كليات الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي نظرًا وعملًا لا اقتصارًا على أحدهما[1].
من المقاصد العامة التي حددها القرآن الكريم:
- الغاية من خلق الحياة: وهي عبادة الله سواه، للإنس والجن قال تعالى: “مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” (سورة الذاريات: 56)، فجعل المقصد الشرعي هو عبادته سبحانه وتعالى.
- مقصد الاستخلاف وريادة الأمم: “إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” سورة البقرة آية (30)، وكذلك قوله تعالى: “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” البقرة آية (143).
- رفع الحرج عن المسلمين: قال تعالى: “هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ” (سورة الحج: 78)، وكذلك قوله تعالى: “فمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ…” (سورة البقرة: 173).
ومن المقاصد الخاصة التي عُني القرآن بترتيبها وإظهارها:
- تحصيل التقوى بفرض الصيام: قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون” سورة البقرة آية (183).
- مقصد إبطال التبني: في قوله تعالى: “فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا” سورة الأحزاب آية (37).
- تجنب الأذى من وطء النساء في الحيض: قال تعالى: “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ” سورة البقرة آية (222).
والمتأمل في آيات القرآن سيجد أنها نصت في أكثر من موضع على ما يؤدي لحفظ الكليات الخمس الدين والنفس والنسل والعقل والمال، وهي مقاصد كلية لا تخرج أي من الأحكام الشرعية العامة والخاصة عن غاية تحصيلها أو تحصيل مكملاتها أو تحسينها[2].
ثانيا ـ المقاصد الشرعية والسنة النبوية
السنة النبوية مكملة وشارحة ومفسرة للنص القرآني، ومن الطبيعي أن تبين مراده وتحدد غايته، وتهدي إلى مقاصده. والفقه مستقر على أن السنة لم تخرج عن مقاصد القرآن، وإنما أوضحتها وفصلتها فزادت بيانها ويسرتها. ويقول الإمام الشاطبي ـ رحمه الله عليه: “السنة راجعة في معناها إلى الكتاب، فهي تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره”[3].
كما يقول: “إن القرآن الكريم أتى بالتعريف بمصالح الدارين جلبًا لها والتعريف بمفاسدها دفعًا لها، وقد مر أن المصالح لا تعدو الثلاثة أقسام؛ وهي الضروريات ويلحق بها مكملاتها، والحاجيات ويضاف إليها مكملاتها، والتحسينيات ويليها مكملاتها، ولا زائد على هذه الثلاثة المقررة في كتاب المقاصد. وإذا نظرنا إلى السنة وجدناها لا تزيد على تقرير هذه الأمور، فالكتاب أتى بها أصولًا يُرجع إليها، والسنة أتت بها تفريعًا على الكتاب وبيانًا لما فيه منها، فلا تجد في السنة إلا ما هو راجع إلى تلك الأقسام. فالضروريات الخمس كما تأصلت في الكتاب تفصلت في السنة”[4].
نماذج من المقاصد في السنة النبوية
مقصد رفع الحرج والتيسير
وردت به العديد من الأحاديث كمقصد عام، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه لِيَقَعُوا فيه، فقال النبي -ﷺ-: “دعوه وأريقوا على بوله سَجْلًا من ماء، أو ذَنُوبًا من ماء، فإنما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، ولم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ” [5].
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: “يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا” [6] متفق عليه.
وعن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي ﷺ، أنها قالت: “ما خُيِّرَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلَّا أخَذَ أيْسَرَهُمَا، ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا، فإنْ كانَ إثْمًا كانَ أبْعَدَ النَّاسِ منه، وما انْتَقَمَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِنَفْسِهِ في شيءٍ قَطُّ، إلَّا أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ بهَا لِلَّهِ” [7].
مقصد حفظ أعراض المسلمين (مقاصد خاصة)
وكذلك وردت في السنة مقاصد خاصة.. فمثلًا مقصد حفظ أعراض المسلمين:
فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه “أن رجلًا اطلع في جحر في باب رسول الله ﷺ، ومع رسول الله ﷺ مدرى يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله ﷺ، قال: لو أعلم أنك تنتظرني لطعنت به في عينك، وقال رسول الله ﷺ إنما جعل الإذن من أجل البصر”. [8]
وقوله ﷺ: “من اطلع في بيت قوم، بغير إذنهم، فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه”، عن أبي هريرة قال قال أبو القاسم ﷺ: “لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بعصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح” [9].
وقوله ﷺ: “إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يؤذن له، فليرجع” [10]. وهو تأكيد لمقصد حكم الآية، قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا” (النور: 27).
ثالثا: الصحابة والمقاصد الشرعية
إذًا فالمقاصد الشرعية ليست ابتداعًا ولا خلقًا من أهل العلم، وإنما وُجدت مع الأحكام الشرعية وهي كثيرًا ما ترد عامة تُستفاد من النص القرآني أو السنة النبوية. وأحيانا ترد خفية غير ظاهرة، هنا يكون على العلماء بيانها وإيضاحها في ضوء أحكام وقواعد ضبط المصلحة الشرعية واستخلاصها كغاية لتعليل الحكم الشرعي.
فكما كان للسنة دور في الكشف عن المقاصد الشرعية وتفصيلها استلهامًا من الكتاب الأسمى والنص المقدس القرآن الكريم، إما وفقًا لقواعده الكلية العامة، أو تكون وردت فيه صراحة كحكم تفصيلي، وعلى هذا يكون أيضًا دور الصحابة والتابعين في تحديد المقصد الشرعي من الحكم وفقًا لما وقر في عقولهم من علم، وما استقر من فهم، وما استضاءت به قلوبهم من هداية.
وإذا كان عصر الصحابة هو عصر التطبيق الفقهي الصحيح فهمًا لمقاصد الشريعة، وذلك لارتباطهم بالرسول ﷺ ومصاحبتهم إياه، وتلقيهم من الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة دون وسيط أو وساطة، وفهمهم وإنصاتهم ووعيهم لأقواله وأفعاله وتقريره لتصرفات بعضهم، كل ذلك لم يجعل علمهم علمًا ظنيًا به شك أو خالطته ريبة، لا سيما وهم أصحاب عقول ذكية ونفوس طاهرة جاهدوا مع الرسول وحملوا راية الإسلام، فضلًا عن سلامة لغتهم وفصاحتها مما يمكنهم من استيعاب الدلالات والمعاني من وراء ألفاظ القرآن الكريم والسنة النبوية، كل ذلك محاط بتقوى وورع وتقرب إلى الله ومحبة رسوله وانشغالهم بالعلم والتعلم والرجوع إلى المصدر الأساسي والرئيسي للشريعة وهو الرسول ﷺ.
ولكن ورغم إشادة التابعين وأهل العلم بقدرة الصحابة على استخلاص العلل والمصالح والحكم والمقاصد، إلا أنهم لم يذكروا لفظ المقاصد الشرعية صراحة ولم يرد على ألسنتهم، ولكنهم فهموا وعقلوها في أمور دينهم ودنياهم.
يقول الإمام الشاطبي: “كانوا أفقه الناس في القرآن، وأعلم العلماء بمقاصده”، ويقول الإمام الغزالي رحمة الله عليه: “الصحابة رضي الله عنهم هم قدوة الأمة في القياس والعلم قطعًا، اعتمادهم على المصالح، مع أنهم لم ينحصروا عليها في بعض المسائل، ولم يسترسلوا استرسالًا عامًا”، ويقول ابن تيمية رضي الله عنه: “من المعلوم بالاضطرار أن الصحابة الذين كانوا أعلم الناس بباطن الرسول وظاهره وأخبر الناس بمقاصده ومراداته، كانوا أعظم الأمة لزومًا لطاعة أمره”[11].
وقد ظهرت المقاصد الشرعية في العديد من المواضع في فقه الصحابة، وكانت دافعًا لهم للأخذ بأحكام ومواقف محددة خاصة فيما تغير من أحوال المسلمين وما استجد عليهم من أمور، وبرز استخدام المقاصد الشرعية لتبرير العديد من الأمور والأحكام التي ساهم الواقع في انتفاء علتها، وهو ذات ما نحتاجه اليوم من نظرية المقاصد الشرعية. ويمكن تقسيم ما انتهجه الصحابة بقصد تحقيق المقاصد الشرعية تحت قسمين أساسيين:
القسم الأول: ما تغير من أمور المسلمين وواقعهم
ويمكن أن ندرج تحته كنموذج:
- قتال أبي بكر الصديق مانعي الزكاة وإقناعه للصحابة بقصد حفظ الدين والدولة الإسلامية وعدم انفكاك عقدها.
- وقف حد سهم المؤلفة قلوبهم؛ فقد قال عمر بن الخطاب: “إن الله أعز الإسلام وليس اليوم مؤلفة”، وهنا يكون المقصد هو حفظ أموال المسلمين وعدم صرفه فيما لا ضرورة إليه.
- وقف حد السرقة في عام الرمادة، وكذلك وقفه لحد السرقة في وقت الغزو بمقصد الحفاظ على وحدة المسلمين وتحقيق السلامة، وخشية تسرب المحدود إلى العدو.
- إيقاع الطلاق بالثلاث كثلاث طلقات، والقصد الحفاظ على الأسرة وزجر المتهاونين بأحكام الشريعة.
- القصاص من الجماعة بالواحد، والمقصد هو حفظ النفس وردع الجناة وعدم إفلات القاتل بالاشتراك.
القسم الثاني: ما استُحدث مع الزمن ولم يكن له أصل في عهد النبوة
- الأخذ بالخلافة واختيار أبى بكر، وذلك لحفظ الدولة الإسلامية، واستمرار وحدة الإسلام والمسلمين.
- جمع القرآن الكريم في عهد عمر، ثم في عهد عثمان رضي الله عنهما، والمقصد الشرعي هو حفظ كتاب الله وهو المصدر الأساسي للشريعة وبحفظه يُحفظ الدين.
- الأخذ بالتاريخ الهجري لضبط أحوال ومواقيت المسلمين، وذلك لحفظ الدين بحفظ دولة الإسلام وتنظيم أمورها.
- تنظيم شئون الدولة بوضع السجلات والأخذ بنظام الدواوين وتنظيم القضاء وتنظيم الأسواق ومنع الاحتكار وضبط الأسعار، وفي العموم أخذ شكل الدولة في عهد عمر، ثم إنشاء نظام الشرطة في عهد عثمان لحفظ الأمن، وكلها مستحدثات تصب في حفظ الكليات الخمس بحفظ الدين والتمكين له وحفظ الأنفس والعقل والنسل والمال.
وهكذا كانت المقاصد الشرعية معينًا للصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، للنهوض بحال الأمة وحالتها دون الخروج عن الدين أو إهدار أحكامه بحجة تغير الحال وعدم تطبيقه على ما استُحدث من أمور اتصلت بالواقع والنوازل. وفي الحقيقة أن هذا المسلك التقدمي الرائع والراقي لفهم الصحابة لمقاصد الشرع هو ما نحتاجه اليوم لترسيخ قيم الأمة الإسلامية والحفاظ على ديننا الحنيف ضد الدعاوى والهجمات المضادة التي نتعرض لها لطمس الهوية الإسلامية وتحويلها إلى مجرد تاريخ وتراث لا حاجة لنا به، والعياذ بالله.
فقد جربت الأمة الإسلامية مشارب عدة وردتها فخرجت منها أكثر عطشًا، ووردت فلسفات وأفكارًا ما أورثتها إلا التخلف والتبعية، وما أرى لنا من سبيل إلا في جعل مقاصد شريعتنا هي الحاكمة لكافة تصرفاتنا وأحوالنا، وأحكامنا الدنيوي منها والأخروي، ما تعلق منها بالعبادات وما تعلق منها بالمعاملات، ما تغير من أحوالنا وما استُحدث في إطار ما نسميه فقه الواقع والنوازل وسيرد ذلك تفصيلًا.
رابعًاـ التابعين والمقاصد الشرعية
مما لا ريب فيه أن نظرية المقاصد الشرعية وُجدت بقوة في عصر التابعين، ومن لحق بهم من الأئمة وبخاصة الأعلام الأربعة للفقه الإسلامي؛ أبو حنيفة والإمام مالك والشافعي والإمام أحمد، رضي الله عنهم جميعًا. لكن الملاحظ أنهم لم يذكروا لفظ المقاصد صراحة، وإنما أعملوها ووصلوا إليها من خلال طرقهم في استنباط الأحكام الشرعية. فالإمام أبو حنيفة توسع في الاستحسان؛ فانتهى إلى جواز الاستصناع، وتضمينه الأجير المشترك، حفاظًا على مصالح الناس، كما وسع من الأخذ بالعرف فيما لا نص فيه وفيما لا يعارض أصلًا من الأصول المتفق عليها.
والإمام مالك ـ رضي الله عنه ـ برزت في أصول مذهبه قواعد ذات صلة بالمقاصد، منها المصالح المرسلة والاستحسان وسد الذرائع، واستحضر المصلحة عند فهم النص وعند إجراء القياس.
أما الإمام الشافعي فيعتبره الكثيرون هو المؤسس لعلم المقاصد لكونه مؤسسًا لعلم أصول الفقه، خاصة أنه تكلم في تعليل الأحكام وتقسيمها إلى ما يُعقل وما لا يُعقل، وهو الركن الركين في علم المقاصد، كما أنه يتمسك بالمصالح المستندة إلى كلي شرعي، ويقول في ذلك: “إن الوقائع الجزئية لا حصر لها والأصول الجزئية التي تقتبس منها المعاني والعلل محصورة متناهية، والمتناهي لا يفي بغير المتناهي، فلا بد إذن من طريق آخر يُتوصل بها إلى إثبات الأحكام الجزئية، وهو التمسك بالمصالح المستندة إلى أوضاع الشارع ومقاصده على نحو كلي وإن لم يستند إلى أصل جزئي”[12].
كما أن الإمام أحمد ـ رضي الله عنه ـ أخذ بفقه المقاصد من خلال اعتماده على المصالح وأخذه بسد الذرائع ومنعه للحيل، ومن أمثلة ذلك فتواه بنفي المخنث إلى بلد يأمن فساد أهله وإن خاف به عليهم حبسه، ففي هذا حفظ لأعراض الناس [13].
واستمرت المقاصد الشرعية كقاعدة فقهية كبيرة، فظهرت تطبيقاتها في العديد من الأحكام التي خلص إليها الفقهاء والعلماء. صحيح أن لفظ المقاصد لم يظهر إلا عرضًا في مؤلفاتهم، لكن العمل بهذه القاعدة والأساس الفقهي المتين كان موجودًا وحاضرًا دائمًا فيما يفتون به وفيما يستندون إليه في تعليل الأحكام الشرعية، وقد قال البعض على سبيل المثال: “لئن كان الشاطبي شيخ المقاصديين، كما يراه كثير من المعاصرين فهذا يصدق عليه تأليفًا وتنظيرًا، أما شيخ المقاصديين تطبيقًا وتوظيفًا، فهو أبو العباس بن تيمية”[14].
وإجمالًا يمكن القول إن من العلماء الذين استندوا إلى المقاصد في فقههم وعلمهم وفتواهم حسب الترتيب الزمني:
- الإمام الجويني: إمام الحرمين (ت 478هـ) وذلك من خلال كتابه (البرهان) والذي أشار فيه إلى تعليل الأحكام، كما نبه على الضرورات الخمس (الدين والنفس والعقل والنسل والمال) وأنه اعتبر معرفة المقاصد من البصيرة في الشريعة، وأن الجهل بها جهل بالشريعة فيقول: “ومن لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة”، وظهر تعبير المقاصد في أكثر من موضع في كتابه البرهان، فيقول: “ثم للشرع تعبدات وتأكيدات في رتب البينات على حسب أقدار المقاصد”[15].
- الإمام الرازي: ت 606 هـ، وذلك من خلال كتابه (المحصول).
- الإمام الآمدي: ت 631 هـ، كتابه (الإحكام في أصول الأحكام).
- الإمام العز بن عبد السلام: ت 660هـ، كتابه (قواعد الأحكام في مصالح الأنام).
- الإمام القرافي: ت 684 هـ، كتابه (الفروق).
- ابن تيمية: ت 728 هـ (مجموع الفتاوى).
- الإمام ابن قيم الجوزية: ت 751 هـ (أعلام الموقعين) و(شفاء العليل) و(مفتاح دار السعادة) وكتابه (زاد الميعاد).
- ثم ظهر الإمام الشاطبي: ت 790 هـ والذي يعد صاحب القدح المعلى واليد الطولى في علم المقاصد؛ حيث خصص لها الجزء الثاني من كتابه الأشهر “الموافقات”، وتناول المقاصد تناولًا موسعًا من حيث تعريفها وتقسيمها.
وقد فتح الباب من بعده للعلماء المحدثين لتناول المقاصد الشرعية، حتى اعتبرها البعض علمًا منفصلًا ومستقلًا موازيًا لعلم أصول الفقه، فظهرت كتابات عديدة لعلماء أجلاء كالأساتذة محمد الطاهر بن عاشور وعلال الفاسي والريسوني وغيرهم، وأصبحت المقاصد الشرعية محلًا للعديد من رسائل الدكتوراه والماجستير، وبرزت الحاجة إليها في العصر الحديث، لما وقع من تطور في حياة المسلمين يؤثر في ممارستهم لأمور العبادة؛ فضلًا عن المستحدث مثل نقل الأعضاء وأطفال الأنابيب والاستنساخ والحمل خارج الرحم والإجهاض في حالة الاغتصاب، وغيرها من المسائل والأمور الحياتية كالسياسة والأحزاب والجمعيات والمجالس التشريعية، وناهيك عن مسائل المال والتجارة والاقتصاد ومعاملات البنوك والعلاقات الدولية وغيرها.
