فإن احتياجات البشر تتغير بتغير الأزمان والأماكن، فما كان مناسباً لهم بالأمس قد لا يناسبهم اليوم، وما يناسبهم اليوم قد لا يناسبهم غداً، وما يناسب الإنسان في صغره قد لا يناسبه في كبره، مع بقاء الأطر العامة ثابتة لا تتغير مهما امتد الزمن وتوالت القرون.

فالإنسان مثلاً يحتاج منذ بداية وجوده على الأرض وحتى تقوم الساعة إلى الطعام والشراب والكساء والسكن، ولكن حاجة الإنسان لنوعية الطعام والشراب والكساء والسكن تتغير من عصر لعصر ومن مكان لمكان بل من مرحلة عمرية لأخرى.

وحدة العقيدة واختلاف تفاصيل الشرائع

وكذلك الحال في مسائل الدين والعبادة، فثمة أمور لا تتغير بتوالي الأنبياء بداية من آدم عليه السلام وحتى نبينا محمد ، فالأمر بعبادة الله وتقواه جاء على لسان كل الأنبياء، كما قال تعالى:

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]

{يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل: 2].

ولكن تفاصيل العبادات اختلفت من نبي لآخر حسب قدرة الناس واحتياجاتهم، ومن الشرائع ما ظل ممتداً مع البشرية منذ مهدها، ومنها ما عُدل أو نُسخ بحكمة من الله عز وجل ظاهرة أو خفية نعلمها أو نجهلها.

والمسلم الورع التقي عليه أن يسلم لله في حكمته وإرادته وأن يدور مع أوامر الله ونواهيه حيث دارت، وهكذا كان صحابة النبي ، وهكذا كان حالهم مع تحويل قبلة الصلاة من جهة بيت المقدس إلى جهة بيت الله الحرام موضوع حديثنا في تلك المقالة.

تلكم الحادثة التي وقعت ما بين شهري رجب وشعبان من السنة الثانية للهجرة على اختلاف بين الرواة إلا ما شذ عن موسى بن عقبة أنها كانت في جمادى.

ملابسات تحويل قبلة الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة

ولكي يعرف القارئ ملابسات ذلك الحادث أقول: إن رسول الله كان يستقبل في صلاته قبل الهجرة بيت الله الحرام، ويجعل أمامه بيت المقدس مقر الأنبياء السابقين من أولاد إبراهيم عليه السلام، بحيث يكون مستقبلاً للقبلتين معاً.

فلما انتقل إلى المدينة المنورة أصبح الجمع بين القبلتين محالاً؛ لأنهما في اتجاهين مختلفين بالنسبة للمدينة المنورة، فصلى هو وأصحابه تجاه بيت المقدس بأمر من الله عز وجل، وهو يود داخل نفسه أن يتجه بصلاته تجاه بيت الله الحرام؛ لكن الأمر أمر امتثال لله عز وجل، ودورانه معه حيث دار، فظل يصلي هكذا قرابة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً؛ حتى أمره الله عز وجل أن يتوجه في صلاته تجاه البيت الحرام كما ورد في قوله تعالى:

{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} (سورة البقرة: 144).

مواقف الناس من تحويل القبلة: ثلاث طوائف

فانقسم الناس المعاصرون للحادث في الزمان والمكان تجاه هذا الأمر إلى ثلاث طوائف:

  1. طائفة استغلت الحادثة في النيل من الإسلام والتشكيك فيه.
  2. وطائفة ارتابت وتذبذبت وارتدت على أعقابها بمجرد السماع بالحادث.
  3. وطائفة ازدادت إيماناً مع إيمانها، وهم صحابة رسول الله الذين ينقادون لكل ما يأمر به الله سبحانه وتعالى.

وفي ذلك يقول أبو السعود في تفسيره (5/ 207): “فإن تحويل القبلة قد ترتب عليه تحزب الناس إلى متبع ومنقلب.

الرد القرآني وتفنيد حجج المشككين

وقد قام الله عز وجل بتفنيد حجج الطائفة الأولى ودحض افترائها بطريقة مقنعة يستفيد من عرضها أفراد الطائفة الثانية المتذبذبة التي لم يدخل الإيمان في قلوبها.

فعندما صار أفراد الطائفة الأولى يرددون عبارات مثل “ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها” وما بال محمد يصلي مرة إلى بيت المقدس، ومرة إلى بيت الله الحرام، ولم يكن ذلك من قبيل الاستفسار، وإنما لبث الشك، فكان رد الله سبحانه وتعالى عليهم بحقيقة مقنعة: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}. فلجأوا لفرية أخرى فقالوا: إذا كانت قبلته الأولى صحيحة فلماذا غيرها، وإذا كانت خطأ فما حكم صلاة من مات قبل أن يتم تحويل قبلة الصلاة؟ وهذا سؤال ينم عن غبائهم؛ ولذا جاء التوكيد منه سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانكم (أجر صلاتكم)}.

فلجأوا لفرية أخرى فقالوا: إذا كانت قبلته الأولى صحيحة فلماذا غيرها، وإذا كانت خطأ فما حكم صلاة من مات قبل أن تحول القبلة؟ وهذا سؤال ينم عن غبائهم؛ لأن الله عز وجل هو الآمر الناهي، ولذا جاء التوكيد منه سبحانه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانكم} أي (أجر صلاتكم).

الحكمة من تحويل القبلة: الابتلاء والاختبار

بين الله للمسلمين أن الحكمة من وراء بقاء رسول الله متجهاً إلى بيت المقدس طوال الستة عشر شهراً هو اختبار المسلمين في أمر الطاعة المطلقة لله؛ وليعلم من يدور منهم مع أمر الله عز وجل ومن يرتد على عقبيه، لذلك قال تعالى:

{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143].

يقول النسفي: “أي إلا امتحاناً للناس وابتلاءً لنعلم الثابت على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقلته” (تفسير النسفي: 1/ 138).

ويقول ابن جريج قلت لعطاء: “إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن ينقلبُ على عَقبيه”؟ فقال: يبتليهم، ليعلم من يُسلم لأمره. ويقول أيضاً: بلغني أنّ ناساً ممن أسلم رَجعوا فقالوا: مرة هاهنا ومرة هاهنا!”. وهؤلاء هم الذين يريدون من الإسلام ما يوافق هواهم وتصوراتهم دون الاستسلام التام لأوامر الله.

ولذلك كان هذا الأمر كبيراً عليهم؛ ولذا قال الله عز وجل: (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ). يقول ابن عبد السلام: “لكبيرة: ثقيلة على من كان اتباعه لهواه، دون أمر أُمر به، إلا على الذي يتبع أمر اللَّه فيها ويعتقد طاعته فإنها ليست بثقيلة عليه ولا كبيرة” (تفسير العز بن عبد السلام: 1/ 170).

نماذج من سرعة استجابة الصحابة

ليست كبيرة على من يدور مع أمر الله ونهيه حيث دار، فهؤلاء حالهم الثبات على الإيمان. يقول النسفي: {إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله} أي إلا الثابتين الصادقين في اتباع الرسول.

تلك الطائفة التي قال عنها أنس بن مالك: “إن النبي وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس فلما نزلت الآية… فمر رجل من بني سَلِمَة فناداهم وهم ركوع في صلاة الفجر نحو بيت المقدس: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، مرتين، قال: فمالوا كما هم ركوع إلى الكعبة” مما يدل على سرعة استجابتهم.

ويقول السبكي في شرح هذا الأثر وتصوير كيفية التحول: “أن الإمام تحول من مكانه في مقدمة المسجد إلى مؤخره؛ لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس… وتحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال”.

وقال ابن عباس في قوله {مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}: يعني أهل اليقين من أهل الشك والريبة. وتلك هي الأمة العدل المستقيمة التي تدور مع أمر الله حيث دار، ولذلك قال الله عنهم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أي: عدلاً.

الطاعة جوهر الإيمان

يقول أبو عبيد في كتابه (الإيمان): “فلو أنهم عند تحويل القبلة إلى الكعبة أبوا أن يُصلّوا إليها وتمسكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم اسمه… لم يكن ذلك مغنياً عنهم شيئاً، ولكان فيه نقض لإقرارهم؛ لأن الطاعة الأولى ليست بأحق باسم الإيمان من الطاعة الثانية”.

وبلغ من سرعة بعض الصحابة للاستجابة أنهم هرولوا لصلاة نافلة تجاه الكعبة قبل أن يفرغ الرسول من خطبته. وفي تفسير القرطبي أن أول من صلى إلى الكعبة حين صُرفت القبلة هو أبو سعيد بن المعلى، حين سمع رسول الله يخطب بالآية فصلى ركعتين مع صاحبه قبل أن ينزل النبي من على المنبر.

الفرق بين التسليم الإيماني والسفه

هكذا كان حال المسلمين الأوائل. أما الإنسان الذي لا يدور مع أوامر الله ويشغل نفسه بالبحث وراء السبب فقط دون انقياد، فقد يصل به الأمر إلى السفاهة؛ ولذا وصفهم الله بقوله: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}. والسفهاء: جمع سفيه، وهو الخفيف إلى ما لا يجوز له أن يخف فيه.

أما المسلم الحق فلا ينشغل إلا بتنفيذ أمر ربه وإن خالف هواه، فمع تحقق الإيمان سيعرف الفائدة المرجوة.

سماحة الإسلام في الاجتهاد والتدريج

وأخيراً، فإن دوران المسلم مع أوامر الله لا يعني التشدد أو التنطع، وإنما الاجتهاد قدر الاستطاعة. فإن اجتهد وأخطأ فلا شيء عليه، حتى في القبلة. وفي ذلك يقول ابن عباس: خرج نفر من الصحابة في سفر فأصابهم ضباب، فتحروا القبل وصار كل منهم يصلي لجهة، فلما استبان لهم الخطأ سألوا النبي فنزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}.

وصار هذا حال الصحابة في كل الأحكام، كما حدث في تحريم الخمر؛ حيث تدرج الله معهم حتى سارعوا في المرحلة الأخيرة بالاستجابة التامة، فكسروا أواني الخمر بمجرد سماعهم بخبر التحريم.