تعتبر القيم في الثقافة الإسلامية هي الميزان الدقيق الذي يضبط حركة الإنسان بين الثابت والمتغير في هذا الكون، في حياتنا وحياة الكون من حولنا. فبينما يميل البعض إلى الثبات المطلق بحثاً عن الأمان، منطلقين من مبدأ: “لقد جربنا ما نحن فيه فعرفنا خيره وشره”، يندفع آخرون نحو المغامرة لكل جديد؛ لذا تأتي الثقافة الإسلامية لتضع حداً فاصلاً يجمع بين رسوخ القيم ومرونة التطوير.
تقف الثقافة الإسلامية بحقائقها وقيمها ومٌثٌلها ثابتة مع مرور الزمان وتغير المكان متخذة من الأساليب القديمة والجديدة ما لا يصادم نصاً ولا يعارض مصلحة حقيقية؛ وحديثنا إنما هو عن الثابت في هذه الثقافة الأصيلة وثمرة التمسك به.
أولاً: أهم الحقائق الثابتة في الإسلام
على رأس الحقائق الثابتة التي تشكل وعي المسلم ما يلي:
1. توحيد الألوهية والعبودية لله
ما يتعلق بالألوهية ووحدانية الله تعالى فلا يصح تبعاً للتفكير العقلي أن يكون الإله ثلاثة أو أكثر لا بالأمس ولا اليوم ولا غداً، ومن الثوابت انفراده سبحانه وتعالى بالكمال المطلق وتنزهه جل جلاله عن كل نقص وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
ومن الثوابت خضوع العباد جميعاً بداية من الأنبياء والصديقين والأولياء والصالحين ومن دونهم لهذه العبودية والتزامهم بالوقوف عند حدها وتشرفهم بهذه النسبة، فكم مرة يعلن النبي ﷺ عن عبوديته لله تعالى في مواضع الانتصار حيث يغري النصر صاحبه بالعلو والاستكبار، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَهُوَ عَلَى دَرَجِ الْكَعْبَةِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ”» [1].
وقُرب العباد من ربهم حسب عبوديتهم له سبحانه وتعالى وتحقيق ما أمرهم به، ولا يمكن لأي منهم أن يزعم أنه غير مطالب بما يطالب به الناس من طاعة الله تعالى والبحث عما يرضيه سبحانه.
2. أركان الإيمان الثابتة
ما يتعلق بأركان الإيمان التي جاءت في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] وقوله ﷺ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ،» [2] فلا يمكن أن تزيد هذه الأركان أو تنقص.
3. تكريم الإنسان ووحدة أصله
ما يتعلق بالإنسان من حيث انتسابه لآدم عليه السلام وتساوي جميع البشر في هذه النسبة «كُلُّكُمْ لآدَمَ وَحَوَّاءَ» [3]، ومن الثوابت كون الإنسان مُكرماً ومصدر التكريم النصوص الشرعية وليس منحة من أحد يمكن أن يسلبها اليوم أو غداً، وإنما ينتقص هذا التكريم على قدر بعده عن الأخلاق الحميدة وارتكابه للنقائص.
ومن الثابت في الثقافة الإسلامية أن عمل الإنسان في كل زمان عبادة الله وعمارة الكون بكل ما يمكن عمارته به؛ من كلمة طيبة، وغرس الزرع، وعمل الصالحات، وتزكية البشر، والحفاظ على البيئة ومواردها، إلى آخر ما تحتاجه الحياة على الأرض.
4. عدالة الجزاء الدنيوي والأخروي
ثبات ما يتعلق بالجزاء على ما يقوم به الإنسان من خير وشر، وأن هذا الجزاء دنيوي وأخروي مادي وروحي، وقد قطع الإسلام الطريق على كل من يتوهم أن في الجزاء محاباة لأحد مهما كان ومهما كانت هذه المحاباة قليلة، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 123-124].
ثانياً: الثمرات المترتبة على ثبات القيم الإسلامية
- ضبط حركة الحياة: يوفر ثبات القيم والمفاهيم ضبطاً لحركة الإنسان ووضوحاً في التعامل وهذا يعطي أماناً للبشر في تعاملاتهم من بيع وشراء وزواج وشراكة؛ فلن يكون الكذب أو الخداع يوماً حلالاً والخديعة في النار والله تعالى ﴿لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58]. وقد التزم رسوله ﷺ بالوفاء في أحلك اللحظات، عن حُذَيْفَة بْنُ الْيَمَانِ قَالَ: «مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا، إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ.» [4]. وهذا الأمان يوفر حرية الحركة والعمل والإنتاج والتنمية.
- ضبط الفكر: لا تسمح الثقافة الإسلامية باتباع الهوى بل تجعل منه جريمة حذر منها القرآن ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26].
- العدل المطلق: لا دخل للحب أو الكره في إحقاق الحق والإعطاء والمنع: «عَن ابن بريدة؛ أن الذي قتل زيد بْن الخطاب: سلمة بْن صبيح أخو أبي مريم، وكان خالد أوفد عشرة إِلَى أبي بكر؛ فيهم أَبُو مريم، فحسن إسلامه بعد ذلك، ويُقَالُ: أن عُمَر قَالَ لَهُ: أقتلت زيداً؟ لا أحبك حتى تحب الأرض الدم؛ قال: أو يمنعني ذاك حقي عندك؟؛ قَالَ: لا؛ قَالَ: فلا ضير إذاً.» [5] ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2].
- الوضوح المعرفي: معرفة القيم الثابتة يوفر للمسلم رؤية دقيقة للمشهد تتيح له حركة محسوبة تجنبه كثيراً من المزالق، وتمنع الكثير من الخسائر في الأرواح والممتلكات، كما يمنح الوضوح الإنسان مساحة أكبر في الحركة والثقة في القرار الذي يتخذه.
- البناء على منجزات الحضارة: يوفر ثبات القيم البناء على ما أنجزته الأمة في الماضي وإضافة أمجاد في الحاضر والمستقبل بينما يتسبب تغير القيم في تشويه ما تم إنجازه.
- المساواة في الجزاء: فالكبير والصغير والرئيس والمرؤوس سواسية أمام منظومة القيم والعدالة، قال ﷺ: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ، تَرَكُوهُ. وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ. وَإِنِّي، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» [6].
- تحصين الفرد ضد الدعوات الهدامة: يعمل ثبات القيم والمداومة على ذلك على مقاومة الزلازل الفكرية ووقف الاحتلال الذي يبدأ باحتلال العقل والقلب ثم السلوك ثم الوطن.
ثالثاً: أضرار التطور المطلق والتحرر من القيود القيمية
إن الانفلات من الثوابت يؤدي إلى نتائج كارثية، منها:
- يجعل الإنسان يؤمن بالشيء ثم يؤمن بنقيضه ويعمل الشيء ثم يعمل عكسه.
- يؤدي إلى زوال منظومة القيم العليا فما كان واجباً بالأمس أصبح حراماً اليوم.
رابعاً: الثبات ليس قيداً بل هو توجيه وإبداع
إن الثبات في القيم ليس قيداً على فكر الإنسان وحركته بل هو توجيه له إلى حيث تثمر طاقاته نفعاً له وللبشر وللكون، فينظر إلى التراث نظرة إجلال وفحص لأنه جزء من شخصية أمته ومجتمعه ينتفع بما فيه ويبني على التراث المعرفي الذي تراكم عبر القرون.
وختاماً: إن الحركة في الكون والإنسان وشخصيته وحياته الاجتماعية أمر لا يمكن إنكاره، وهي علامة على الحياة سواء كانت صعوداً أو هبوطاً، كما أنها متناسقة مع حركة الكون كله، لكنك ستجد من يحاول تغيير القيم والشمس والقمر والنجوم لأن الدنيا تتحرك وتتغير وسيصل هؤلاء – إن استمروا في طريقهم – إلى الانسلاخ من إنسانيتهم.
