اتفق الفقهاء على مشروعية العقوبة بالسجن، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، والمعقول. فقد نُقل عن الصحابة ومن بعدهم أن النبي - – حبس في البيوت والخيام والمسجد، وحبس أيضا بعده الخلفاء الراشدون، وقيل إن الفاروق عمر –رضي الله عنه- هو أول من اتخذ دارا للسجن في مكة، اشتراها من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، وكان ذلك بمعرفة عامله على مكة “نافع بن عبد الحرث الخزاعي”.

وبنى علي – رضي الله عنه- حبسا في العراق سماه مُخيِّساً ، وقيل: إن أول من اتخذ دارا للسجن هو معاوية بن أبى سفيان. وكان القاضي شريح هو أول من حبس فى الدين، وحَبس ابن الزبير، وحَبس الخلفاءُ والقضاةُ من بعدهم في جميع الأعصار والأمصار من غير إنكار، فكان ذلك إجماعا على مشروعية الحبس[1].

وقد تطورت السجون فى التشريعات الحديثة لدى بعض الدول، فجُعِلت كمؤسسة تربوية، يعامل فيها المسجون كمريض تدرس أحواله، ويعالج بطرق خاصة، لتجعل منه مواطنا صالحا بعد الانتهاء من مدة احتجازه.

والحبس في الإسلام أشبه بالعقوبة الاحتياطية، فليس له الصدارة والأولوية من بين أنواع العقوبات التعزيرية الأخرى –كما هو الحال في القوانين الوضعية المعاصرة- إلا إذا تعين وسيلة لردع الجاني وإصلاحه؛ لأن وطأته شديدة، وآثاره السلبية كثيرة على الفرد وأسرته وذويه، وعلى الدولة أيضا، فضلا عن أنه لا يجوز الحكم به وإهمال الحدود والقصاص[2].

والحبس كعقوبة ليس مقصودا لذاته، ولكن الغاية منه الزجر، والردع، والإصلاح، والتهذيب، والتأديب والتوبة[3]. وقال الإمام الشوكاني: “يقصد بالحبس حفظ أهل الجرائم الذين ينتهكون المحارم، ويضرون بالمسلمين، حتى تصح منهم التوبة”[4].

حق المسجون في رعايته الصحية والطبية

والمتأمل في النصوص الشرعية يجد أنها أولت الإنسان بالحفظ والرعاية، وقد سبق الإسلام كل الأنظمة والتشريعات في الحفاظ على حياة الإنسان وكرامته، وهذه الحقوق التي أولاها الإسلام بالحفظ والرعاية تندرج تحت المقاصد الشرعية الخمسة التي جاء الإسلام لتحقيقها وحفظها، وهي بإجماع العلماء تعتبر أصولا ثابتة وراسخة لحقوق الإنسان عامة. وهذه المقاصد هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال.

ومما لا شك فيه أن هذه الحقوق الإنسانية التي أقرها الإسلام للإنسان تشمل السجين باعتباره إنسانا، بل إن الإسلام قد خص السجين بمزيد من الاهتمام والحفظ والرعاية نظرا لما هو فيه من ضعف وعجز، وقهر، وعزلة عن الآخرين، وقد ذكر القاضي أبو يوسف “أنه ينبغي تتبع المحبوسين والنظر في شؤونهم من غير كلل ولا تقصير واتباع العدل معهم وعدم الاعتداء عليهم”[5].

والحديث عن حقوق السجين لا يتسع له المقام، ولكن سنكتفي بالإشارة إلى وجوب رعايته الصحية والطبية، وبخاصة في هذا الظرف العصيب الذي تمر به الإنسانية في شتى أنحاء المعمورة.

والأصل في تأمين الرعاية الصحية والطبية للسجين ما ورد أن النبي حبس ثُمامة بن أُثال وكان عليلا فقال لأصحابه: “أحسنوا إساره”[6]، كما أوكل إلى بعض أصحابه حفظ امرأة حبلى من الزنى ورعايتها حتى وضعت حملها ثم رجمها[7].

وقد تكرر هذا أيضا في عهد أبي بكر وعمر[8]، ولا فرق بين الحامل والمريض بالنظر لما يعتري كل منهما من الضعف والوهن وحاجة كل منهما للرعاية الطبية والصحية المستمرة.

وقد اهتم المسلمون منذ القديم برعاية المرضى في السجون فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: “انظروا من في السجون وتعهدوا المرضى”[9].

وكتب الوزير علي بن عيسى الجراح إلى سنان بن ثابت “مدير مستشفيات العراق” في زمن الخليفة العباسي المقتدر: “فكرت –مد الله في عمرك- في أمر المرضى في الحبوس، فأفرد لهم أطباء يطوفون عليهم كل يوم، يعالجونهم، ويزيحون عللهم، واحملوا إليهم الأدوية والأشربة، وأقيموا لهم المزورات –موائد يوضع عليها طعام يصنع للمرضى-.”[10].

وقد قرر الفقهاء أنه إذا مرض المحبوس في سجنه وأمكن علاجه فيه فلا يخرج لحصول المقصود. ولا يمنع الطبيب والخادم من الدخول عليه لمعالجته وخدمته ؛ لأن منعه مما تدعو الضرورة إليه يفضي إلى هلاكه ، وذلك غير جائز.

وللفقهاء أقوال في إخراجه من الحبس إذا لم تمكن معالجته ورعايته فيه:

القول الأول:يخرج من حبسه للعلاج والمداواة صيانة لنفسه ، وهو ما ذكره بعض الحنفية كالخصاف وابن الهمام ، والظاهر من كلام الشافعية والمالكية .

القول الثاني: لا يخرج إلا بكفيل وهو المفتى به عند الحنفية.

القول الثالث: يعالج في الحبس ولا يخرج ، والهلاك في الحبس وغيره سواء ، وهو المروي عن أبي يوسف رحمه الله[11].

والقول الأخير: يحمل على ما إذا كانت الرعاية التي تقدم للسجين المريض في محبسه لن تختلف عن الرعاية التي تقدم له خارج السجن وإلا فلا خلاف في وجوب القول بخروجه لتقديم الرعاية الطبية اللازمة له إذا كان بقاؤه في محبسه فيه تهديد لصحته وخطر على سلامته.

وبالإضافة إلى هذا فقد قرر الفقهاء العديد من الأحكام الداعية إلى العناية بالسجين المريض والرفق به، كإرسال الفحم إليه وقت اشتداد البرد، وعدم تقييده في حبسه، وعدم تفتيش موجودات غرفته والعمل على توفير أسباب النقاهة والشفاء له، كتمكينه من التجول في السجن، وشم الرياحين ، ونحو ذلك مما فيه منفعته[12].

والرعاية الصحية الواجب تقديمها للسجين لا فرق فيها بين الأمراض الجسدية والأمراض النفسية، ولهذا قرر الفقهاء: “أنه لا يجوز جعل المحبوس في بيت مظلم، ولا قفل باب الغرفة عليه، ولا إيذاؤه بحال”[13].

وبناء على ما سبق فالرعاية الصحية للسجين هي من أوجب الواجبات التي يجب على الدولة القيام بها، ولما كان هذا الوباء لا يفرق بين السجين والسجان، فإنه يجب مراجعة أسباب السلامة والوقاية من هذا الوباء، ومدى قدرة المؤسسات العقابية على توفيرها للسجناء، فإذا كانت السجون مكتظة بالسجناء فإنه يجب اتخاذ الإجراءات العاجلة للحفاظ على سلامة هؤلاء المساجين، ومن هذه الإجراءات الإفراج الفوري عن المحبوسين احتياطيا، وأيضا الإفراج المشروط عن السجناء الذين لم تنقض مدة عقوبتهم، كتقييد إقامتهم، ومنعهم من السفر، ونحوها من الإجراءات التي تضمن بقاءهم تحت سمع الدولة وبصرها. وبالفعل قد قامت العديد من الدول بالإفراج عن السجناء وهو أمر محمود نرجو أن يكون حافزا لجميع الأنظمة لتعيد النظر في أمر سجنائها.


[1] – فتح الباري 5| 76، نيل الأوطار 8|216، الطرق الحكمية ص103، المقريزى “الخطط ج 3 ص 303 “

[2] – حقوق المسجون في الشريعة الإسلامية، للدكتور حسن عبد الغني أبو غدة، ط: دار جامعة الملك سعود للنشر، ص: 32

[3] – الخراج لأبي يوسف ص 163، والأحكام السلطانية للماوردي ص236، والسياسة الشرعية لابن تيمية ص112

[4]– نيل الأوطار 9|219

[5] – الخراج لأبي يوسف ص163

[6] – تاريخ المدينة لابن شبة 2|436

[7] – صحيح مسلم حديث رقم 1695

[8] – مصنف عبد الرزاق باب الرجم والإحصان حديث: 13350

[9] – الطبقات الكبرى لابن سعد 5|356

[10]– عيون الأنباء في طبقات الأطباء ص302

[11] – الموسوعة الفقهية 16|320

[12] – حاشية الرملي 2|289، وقليوبي 2|292

[13]– مجموع الفتاوى 34|179