صدر كتاب “رحلة الحج على خطى الجد” للكاتب الموريتاني عبد الله ولد محمدي عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2025 م ويندرج ضمن سياق أدب الرحلات والتوثيق التاريخي، مستعرضا المسارات الجغرافية والثقافية التي سلكها الحجاج الشناقطة قديما في ارتحالهم من أقصى الغرب الإفريقي نحو البقاع المقدسة.

واعتمد المؤلف في بناء مادته على مدونات تاريخية ومخطوط عائلي تتبع فيه المسار الموثق لرحلة جده الشيخ محمد فال بن باب العلوي التي خاضها عام 1889 م متوجها إلى الديار المصرية والحجازية.

وقدم المؤلف عبد الله ولد محمدي جده من باب الشخصيات العلمية التي عرفت بها بلاد شنقيط في تلك الحقبة والتي كان للسفر والتواصل مع الحواضر الإسلامية دور أساسي في تكوينها المعرفي والديني وتبادل المعارف.

المخطوط العائلي ومحاكاة المسار

انطلق ولد محمدي من تتبع المسالك البرية والبحرية التي عبرتها قوافل العلم والتجارة قديماً عبر الصحراء الكبرى ودول الساحل الإفريقي وصولاً إلى الحجاز، وارتكز على مخطوطة أصلية عثر عليها في خزانة الأسرة حيث عقد المؤلف مقاربة توثيقية تعتمد أيضا على المرويات الشفوية المتداولة في بيئته المحلية.

وتحت عنوان (أرواح ومآذن)، ناقش الكتاب التداخل بين الذاكرة المستعادة والواقع التاريخي، مفككا التغيرات اللوجستية والتحولات التي طرأت على دروب الحج مشيرا إلى كيفية مساهمة المخيلة الجماعية في صياغة ملامح تلك الرحلات وتحويلها إلى جزء من الذاكرة المشتركة لمجتمعات المنطقة.

وقدم الكتاب قراءة في تحولات الجغرافيا والإنسان، إذ رأى المؤلف في دروب الحج القديمة قنوات للتواصل الثقافي والحضاري ربطت غرب إفريقيا بقلب العالم الإسلامي عبر القرون، متوقفا عند محطات ممتدة بين موريتانيا والسنغال والمغرب ومصر والحجاز، مما يمنح العمل بعدا أنثروبولوجياً.

عناء الارتحال

استعرض الكتاب المحطات الرئيسية للقوافل الشنقيطية وتناول الأدوار التعليمية لحواضر مثل (تمبكتو)، و (النيجر)، و(تشاد)، و(السودان)، وكيف تحولت هذه النقاط إلى مراكز جاذبة لطلاب العلم، ورسم المؤلف ملامح مأخوذة من مسارات الجد الممتدة من قرية (اتويفجيرت) إلى مدينتي (اندر) و(دكار) في السنغال، مستحضرا سمات العالم الموسوعي في ظروف السفر القديمة عبر مسار معقد يمر بمحطات برية وبحرية، بدأ من (اتويفجيرت) في موريتانيا إلى حواضر السنغال، ومنها ركوبا للمحيط باتجاه ميناء مرسيليا في فرنسا، ثم العبور بحرا إلى موانئ جدة وينبع، وصولا إلى الحرمين الشريفين في مكة والمدينة المنورة.

ووثق الكتاب الجوانب اللوجستية لرحلات الحج في ذلك العهد القديم والسفر عن طريق البحر، فتحت عنوان (على ظهر أمواج المحيط)، وصف ظروف مكوث الجد في مقصورة الباخرة البخارية عام 1889 م، وهو ما أتاح عمل مقاربة موضوعية بين وسائل النقل الحديثة كالقطارات والطائرات، وعناء الارتحال القديم عبر البحار والصحاري على متن البواخر البخارية القديمة، كما وثق النص معطيات استقبال سلطان المغرب الحسن الأول للشيخ محمد فال في مدينة فاس وهو ما أفرده المصنف تحت عنوان (على انفراد مع السلطان).

ونقل المؤلف أخبار المجالس العلمية التي جمعت الجد بعلماء بارزين في حواضر المغرب من بينهم الشيخ سيدي العربي بن السائح أحد أعلام الفكر الإسلامي آنذاك. ومن خلال هذه اللقاءات برز حرص الجد على جمع ونقل نوادر الكتب والمخطوطات والمذاهب الفقهية، مما يوضح دور الرحالة المسلمين في تغذية الخزانات الصحراوية بالمعارف المشرقية والمغربية المتبادلة.

أدب الرحلة في السياق المعاصر

اتسم أسلوب المؤلف عبد الله ولد محمدي بلغة تمزج بين رصد الوقائع والتحليل الثقافي مستفيداً من خبرته الميدانية في تغطية قضايا الساحل الإفريقي. وسعى الكتاب إلى تقديم رصد لتقاليد الشعوب الإفريقية على خط السير موثقا الروابط المشتركة التي استمرت رغم التحولات الاستعمارية ورسم الحدود السياسية الحديثة.

يتجاوز الكتاب حدود استعادة المتون الكلاسيكية لأدب الرحلات، ليتكئ على رؤية تحاول تفكيك الواقع الراهن للمسارات التاريخية في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي تعيشها منطقة الساحل الإفريقي اليوم، وبالتالي يطرح العمل مادة تربط بين سيرة الفرد وسيرة الجماعة.

خاتمة

كتاب “رحـلة الحج على خطى الجد” يتتبع خطى الماضي في محاولة لإضاءة قضايا الحاضر وتأكيد عمق الروابط الثقافية المشتركة ومسلطا الضوء على الـإرث الثقافي الشنقيطي.