في مقالتي السابقة “أسرار التميز المعرفي” وفي سياق التأسيس المعرفي للطالب، تناولت مصفوفة الأنشطة في نموذج آسك، بمكوناتها الأربعة وما تمتاز به من ترابط وتكامل، فضلا عن صلاتها وعلاقاتها بالبيئة والمكان. وعقب نشر المقالة، تواردت إلي، خواطر ارجو ان تسد ما بها من فراغات معرفية، وتكمل ما احتوته من أفكار ومقدمات.
وتصبح الأفكار في متناول الفهم، حين تذكر في سياق متكامل، ويندفع الناس في البدايات حين تبدو النهايات أكثر وضوحا، ولعل وصية استيفن كوفي “ابدأ والنهاية في ذهنك” قد وردت في سياق مماثل لما ذكرنا.
إن “المعرفة رحلة” .. هكذا بصيغة المبتدأ والخبر، وبتقنية التعريف “بكلمة واحدة”: ما المعرفة؟ إنها “رحلة” ولعل قواميس القارئ وثقافته، كفيلة بإضافة ما يلزم من معان وتفاصيل وإيحاءات ومشاعر.
وما بين “أسرار التميز” في المعرفة والمعرفة كرحلة، ثمة تقديما وتأخيرا يقتضي التدراك، لا سيما وقد راسلني بعض القراء مشيرين إلى أن ما بالمقالة من”فراغات” يتطلب تتمة ووصلا.
مما يؤسس للمعرفة كرحلة مصاحبة لرحلة الحياة، ما اشتهر من الأثر: “تعلموا العلم من المهد إلى اللحد”. ويمثل استقرار الفكرة السابقة في ذهن المتعلم، تأسيسا مهما لما يرد عادة من وصفنا للمعرفة وأخواتها في سياق مصفوفة الأنشطة.
إن الأنشطة الأربعة عبارة عن عناوين كبيرة لأنشطة الطلاب، ويتفرع عن كل عنوان عدد غير محدود من الأنشطة. ونعمل على تقديم (الأنشطة الأربعة) كحزمة قيم شخصية واجتماعية للطالب، وليست مجرد أنشطة مفضلة فحسب. ويمثل مزيج الأنشطة والقيم إطارا لحماية الطلاب باستبعاد الأنشطة الضارة والهدامة من سلة أنشطتهم الجارية.
في مقالات سابقة، كان تركيزنا على الأنشطة بوصفها هوايات للطالب، وذلك بترقيتها من وصف الأنشطة الجارية، إلى مصاف المفضلة. ثم امتد اهتمامنا بالأنشطة إلى موقعها في المصفوفة وعلاقتها بالأنشطة الأخرى.. ويبلغ حديثنا عنها في هذه المقالة، كونها حزمة قيم شخصية واجتماعية للطالب.
ونطلق وصف “قيم” على ما نضع له مكانة عالية وقيمة خاصة.. وقد تسرب مفهوم “القيم” إلى ميدان الأعمال وأصبحنا في عصر “قيم المؤسسة” وليست بعيدة عنا تلك اللوحات الملونة المزدانة بقيم: الصدق والشفافية والابتكار وروح الفريق… الخ.
وعادة ما تصاغ “القيم” في قالب صفات روحية ومعنوية، وإن كانت في حقيقتها تعبيرا عن “أنشطة”. إن تحقق ما ذكرنا من أمثلة “القيم” رهين بتصرفات العاملين وأنشطتهم في الواقع، وإن لم تعلق على بوابة المؤسسة.
إن وصفنا للمعرفة كرحلة يتطلب النظر إليها كقيمة تستدعي التزاما مستمرا بها. ويمثل ارتباطنا بالمعرفة كقيمة شخصية واجتماعية، حجر الزاوية في التأسيس لمشروع معرفي مستمر وناجح. وتمتد نفس نظرتنا “القيمية” إلى أخوات المعرفة ورصيفاتها في مصفوفة الأنشطة.
وعادة ما تأتي الرياضة تالية للمعرفة في (المصفوفة) بوصفها وسيلة للمحافظة على الصحة البدنية والذهنية.. ويرد ذكرها في المحافل مقترنا بعبارة: “إن العقل السليم في الجسم السليم”. وينقلنا النظر إلى الرياضة كقيمة شخصية وجماعية، إلى إعادة النظر في الرياضات الخطرة والضارة بالفرد ومجتمعه، بترسيخها العنف والقهر وادعاء القوة الخارقة.
ويلي الرياضة، كل من العمل والتطوع.. وتبدو لكليها قيمية متميزة. إن العمل قيمة شخصية ومجتمعية مهمة، وعادة ما يأتي ذكرها في مقابل الكسل والتبطل والاتكالية. أما التطوع وإن كان من مسارات العمل وضروبه، لكنه يتميز عن الأول في الدوافع والمقابل.. وتمثل نظرتنا للتطوع كقيمة إضافة مهمة لشخصية الطالب، حين تعلو في نفسه أنشطة العطاء المجاني وأعمال خدمة المجتمع.
إن ما نطمح إليه من “تميز معرفي” وتقدم في رحلة المعرفة، يتطلب استصحابنا لمصفوفة الأنشطة بمكوناتها الأربعة، وترابطها البيني، وتكاملها مع الأمكنة، ومزيجها مع “القيم”. وأتوقع أن تكون نظرتنا الجديدة للأنشطة، ذات أثر إيجابي كبير في مردود الطلاب ودرجات ارتباطهم بالأنشطة.