عندما ترحل القامات الكبرى، لا ترحل معها أفكارها، بل تتحول مسيرتها إلى “شهادات تاريخية” تفكك أسرار النهضات وتكشف خفايا صناعة القرار. وفي هذا السياق، تبرز شهادة المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة حول مسيرة المغفور له بإذن الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ليس كقراءة سياسية عابرة أو مجرد تأبين، بل كـوثيقة تاريخية نادرة وبالغة الأهمية.
تنبع قيمة هذه الشهادة من كونها صادرة عن عقل موسوعي، وصديق عايش التحولات عن كثب، وكان طرفا أصيلا في حوارات عميقة مع صانع القرار في أكثر اللحظات فارقة في تاريخ المنطقة. هنا، لا نقرأ مجرد سيرة لحاكم، بل نقرأ “تشريحا” لظاهرة استثنائية؛ كيف يمكن لقائد أن يحول “لعنة الجغرافيا” إلى رحابة تأثير، وكيف يؤسس لدولة تتجاوز بمؤسساتها وفكرها حدودها المكانية.
وفيما يلي، نستعرض المحاور الجوهرية التي كشف فيها الدكتور عزمي بشارة في مقابلة خاصة على شاشة “تلفزيون العربي” عن عبقرية “باني نهضة قطر الحديثة”، مضاءات غير مسبوقة تقرأ التاريخ من منظور من صنعوه:
تعد شهادة الدكتور عزمي بشارة حول مسيرة الراحل صاحب السمو الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أكثر من مجرد قراءة سياسية؛ إنها وثيقة تاريخية نادرة وبالغة الأهمية تقدّم معلومات لأول مرة، وتنبع أهميتها من كونها صادرة عن مفكر موسوعي وصديق للراحل عايش الأحداث عن قرب، وكان طرفا في حوارات فكرية وسياسية عميقة مع صانع القرار في لحظات التحول الكبرى.
تقدم هذه الشهادة إضاءات غير مسبوقة على شخصية “باني نهضة قطر الحديثة”، ويمكن تكثيف مضامينها في المحاور الجوهرية التالية:
1. قرار التنحي كاستحقاق للرؤية لا ضغط الظروف
في معلومة يكشفها الدكتور عزمي بشارة لأول مرة، يؤكد أن رغبة الأمير الوالد في تسليم السلطة لم تكن وليدة “الربيع العربي” أو ضغوطا خارجية كما روجت بعض التحليلات القاصرة، بل كان سموه يتحدث عن هذا الأمر قبل عامين من وقوعه. كان يرى أنه “أكمل الحلقة” وحقق الرؤية التي جاء من أجلها، وهي تحديث البلاد ووضعها على خارطة الفاعلية العالمية. هذا الموقف يجسد حالة نادرة في التاريخ العربي، حيث يترك القائد الحكم وهو في ذروة عطائه وقوته، إيمانا منه بتبادل الأجيال واستمرارية المؤسسات.
2. السمات الشخصية: ثالوث الوفاء، الشجاعة، والشهامة
يركز الدكتور عزمي بشارة على “التركيبة النفسية” الفريدة للأمير الوالد، واصفا إياه برجل “الإقدام والشهامة”. يرى بشارة أن سموه امتلك شجاعة استثنائية في اتخاذ القرارات التي يخشى غيره الاقتراب منها، ليس كمغامرة غير محسوبة، بل كإيمان عميق بالمبادئ. ويتجلى ذلك في “الوفاء” الذي طبع علاقاته الشخصية والسياسية، وهو ما جعل شهادة بشارة تأتي في سياق “كلمة حق” تجاه رجل تميز بوضوح الكلمة والثبات على الموقف.
3. عبقرية استشراف المستقبل: الغاز كقاعدة للقوة الناعمة
يرى الدكتور عزمي بشارة أن النهضة القطرية لم تكن وليدة الصدفة، بل بدأت من رؤية اقتصادية ثاقبة تمثلت في الاستثمار في قطاع الغاز في وقت لم يكن العالم يدرك فيه حجم الحاجة المستقبلية لهذه الطاقة. هذا الاستثمار الجريء والمحسوب كان “القاعدة” التي انطلقت منها مشاريع القوة الناعمة القطرية؛ من التعليم إلى الوساطات الدولية، وصولا إلى بناء دور إقليمي ودولي يتجاوز الإمكانيات الجغرافية.
4. ثورة “الجزيرة”: الإعلام كضرورة عالمية
يتحدث بشارة عن قناة “الجزيرة” باعتبارها المشروع الذي كسر طوق التقليدية في المنطقة العربية. الأمير الوالد لم يؤسس مجرد قناة، بل أطلق ثورة إعلامية منحت قطر صوتا عالميا وجعلت الجميع –حتى الخصوم– في حالة احتياج دائم لها. كان سموه مستعدا لتحمل الأثمان السياسية الباهظة مقابل استقلالية هذا المشروع، لإدراكه أن التأثير الحقيقي يأتي من الحرية والريادة.
5. الحس العروبي والقضية الفلسطينية: الموقف فوق الحسابات
توثق الشهادة الحس العروبي الأصيل للأمير الوالد، وتحديداً تجاه القضية الفلسطينية. يذكر الدكتور عزمي موقف سموه الشجاع في قمة غزة، وكيف كان تفاعله مع معاناة أهلها شخصيا ومبدئياً. لقد انسحب سموه بجرأة من أي مسارات لم ير فيها عدلاً للفلسطينيين، محافظا على سقف عال من الدعم السياسي والإنساني، ومتجاوزا بروتوكولات الصمت التي سادت في حينها.
6. قهر “لعنة الجغرافيا” بالنظرة الثاقبة
كيف يمكن لدولة صغيرة المساحة، تقع بين قوتين إقليميتين كبيرتين، أن تحافظ على سيادتها وتأثيرها؟ هنا تبرز عبقرية الأمير الوالد في تجاوز “لعنة الجغرافيا”. يوضح بشارة أن سموه استخدم الدبلوماسية النشطة، والوساطات في أصعب النزاعات (لبنان، السودان، ليبيا، أفغانستان)، ليجعل من قطر رقما صعبا ووسيطا لا غنى عنه في الساحة الدولية، محولا ضيق الجغرافيا إلى رحابة التأثير العالمي.
7. الاستثمار في الإنسان: الجوهر المستمر
يختم الدكتور عزمي شهادته بالإشارة إلى أن المحرك الأساسي لكل هذه الإنجازات كان “الإنسان القطرى”. التركيز على التعليم وبناء الفرد وتطوير المؤسسات كان هو الرهان الرابح. وهذه الرؤية الاستراتيجية هي ما تسلمها سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي أكمل النهج وطور الرؤية، ليثبت أن مسيرة الأمير الوالد كانت تؤسس لمستقبل مستدام، عابر للأجيال.
الخلاصة
إن شهادة الدكتور عزمي بشارة تقدم الأمير الوالد كقائد “رؤيوي” استطاع تحويل الأحلام الكبرى إلى واقع ملموس، مستندا إلى قيم الشهامة والعروبة، ومسلحا بعقلية حديثة أدركت مبكرا أن القوة الحقيقية في القرن الواحد والعشرين تكمن في المعرفة، والإنسان، والقرار المستقل.
