في أحد الأيام المدرسية، دخل عليّ طالب يحمل ورقة اختبار حصل فيها على العلامة الكاملة. ملامحه كانت تعكس القلق أكثر مما تعكس فرح النجاح. جلس أمامي بصمت، ثم قال بصوت خافت: “أنا خائف أن أفشل في المرة القادمة.”
في تلك اللحظة، بدا لي أن السؤال التربوي الأهم يتجاوز كيف نرفع التحصيل العلمي إلى كيف نمنع النجاح نفسه من أن يتحول إلى مصدر قلق وخوف؟ فثمة طلاب يحققون أداء مرتفعا في الاختبارات، ويظلون في الوقت ذاته أكثر هشاشة أمام الخطأ، وأقل قدرة على التكيف مع الضغط أو النقد.
ومع تراكم الخبرة في الميدان التربوي ترسخت لدي قناعة بأن الأزمة تكمن في اختلال ميزان بناء الطالب لأننا برعنا في تعبيد الطريق ومساعدته لاجتياز الامتحانات لكننا أخفقنا أحيانا في شحذ قدراته الذهنية وتزويده بالمرونة النفسية اللازمة للتعامل مع أعباء هذا النجاح وعقباته.
كيف تحول النجاح لمصدر قلق؟
يرى الباحث التربوي وعالم النفس السويسري جان بياجيه أن التعلم عملية إعادة تنظيم مستمرة، يسعى فيها الطفل إلى حالة متوازنة بين بنيته المعرفية والخبرات الجديدة التي يواجهها، وهذا ما عبر عنه بمفهوم الاتزان المعرفي ، لأن اختزال التعلم في التحصيل الأكاديمي الصرف يخل بهذا الاتزان الدقيق الذي يحتاجه الطفل لبناء معرفة حقيقية.
وتتكامل هذه الرؤية مع ما أرساه عالم النفس الروسي ليف فيجوتسكي من أن النمو النفسي والمعرفي يتشكل عبر التفاعل الاجتماعي والدعم الذي تقدمه البيئة المحيطة، بمعنى أن اختزال قيمة الطالب في درجته يضعف المساحة التي يحتاجها ليشعر بالأمان النفسي والاجتماعي داخل المدرسة .
أشكال الهشاشة النفسية
وعند الحديث عن الفهم التربوي الحديث يجب التذكير بأن العملية التعليمية تتجاوز مسألة نقل المعارف لتشمل بناء الشخصية وتهذيب السلوك، وإذا أردنا مدرسة ناجحة بهذا المعيار فحتما هي التي تستطيع الجمع بين الأداء المرتفع على مستوى النتائج ومساعدة الطلاب على فهم ذواتهم أكثر، وضبط انفعالاتهم، وتدريبهم على التعامل مع العثرات والتحديات التي يواجهونها بثقة وصلابة ذهنية ونفسية.
إذا تفحصنا ظاهرة الهشاشة النفسية في الواقع المدرسي سنجد أنه تتخذ أشكالا قد لا تكشفها أوراق الامتحانات وقد تظهر من خلال:
- خوف مستمر من فقدان التفوق.
- حساسية مفرطة تجاه النقد.
- ربط تقدير الذات برأي المعلم أو بنتيجة الاختبار وحدها.
وتتفق هذه الأنماط مع ما تؤكده الأدبيات التربوية حول دور السياق المدرسي في تشكيل الرفاهية النفسية والدافعية والتنظيم الذاتي لدى المتعلمين.
أثر البيئة المدرسية
أثبتت عالمة النفس التربوي جاكلين إكليس وزميلها روبرت روسر في دراستهما المشتركة التي نشرت في عام 2011 م أن المدرسة تمثل سياقا نمائيا محوريا في تشكيل هوية المراهق من الناحية الأكاديمية والتأثير على دافعيته وصحته النفسية والاجتماعية، حيث يبرز عامل المناخ المدرسي الذي يجمع بين وضوح الأنظمة والتوقعات ودفء العلاقات الإنسانية، مما يعزز قدرة هذه البيئة على دعم نمو الطالب بشكل متوازن.
وتنسجم هذه النتائج مع رؤية الدكتور محمد صالح أبو جادو في كتابه (علم النفس التربوي)، إذ يؤكد أن المناخ المدرسي القائم على تضافر التوقعات الواضحة مع الاحتواء النفسي كفيل بمساعدة الطالب على تحقيق نمو يجمع بين التفوق والطمأنينة، ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، تبرز ضرورة التكامل بين أدوار الإدارة المدرسية والمعلم والأخصائي الاجتماعي ضمن مسؤولية مشتركة لأن الإدارة تسهم في تشكيل القواعد العامة، ويصيغ المعلم الخبرة الانفعالية للطالب داخل الصف، فيما يضطلع الأخصائي بدور صمام الأمان الذي يرصد مؤشرات القلق والتعثر مبكرا قبل أن تتحول إلى أزمات تعيق مسيرة الطالب.
الاستقرار النفسي وكفاءة التعلم
خلص الخبير في برامج الوقاية والتعلم الاجتماعي العاطفي جوزيف دورلاك وفريقه البحثي بعد تحليل شمولي لـ 213 برنامجا مدرسيا وبمشاركة أكثر من 270,000 طالب، إلى أن برامج التعلم الاجتماعي العاطفي المدرسية ارتبطت بتحسن في المهارات الاجتماعية والانفعالية والسلوك الإيجابي، فضلا عن تحسن في الأداء الأكاديمي يعادل في المتوسط 11 رتبة مئينة مقارنة بأقرانهم الذين لم يتلقوا هذا الدعم، مما يعني أن طالبا كان ترتيبه في المنتصف يتجاوز 50% من زملائه، سيرتفع بفضل هذه البرامج ليتجاوز61 % من الطلاب وتكشف هذه النتائج عامل الاستقرار النفسي والانفعالي الأساسي في تحسين مستوى التحصيل العلمي.
وكشفت دراسة حديثة للخبير التربوي في المناهج وطرق التدريس بجامعة الاسكندرية، مروان أحمد حسن وأجريت على عينة من الطلاب والمعلمين في 4 مدارس خاصة، عن مدى الارتباط الوثيق بين مهارات التعلم الاجتماعي العاطفي وانضباط الطلاب، فقد أظهرت النتائج أن الطلاب الذين يمتلكون وعيا ذاتيا وقدرة على إدارة انفعالاتهم كانوا الأكثر تعاونا ومشاركة داخل الصف الدراسي، وانعكس هذا الاستقرار السلوكي والإيجابي على زيادة الرضا الوظيفي لدى المعلمين وتحسن تصوراتهم وارتفاع جودة المنظومة التعليمية بشكل عام.
آفة جيل الشاشات
طرحت عالمة النفس الأمريكية جين توينجي في كتابها الصادر عام 2017 م أن جيل الهواتف الذكية نشأ في ظروف رقمية مكثفة، مما أحدث تحولا ملموسا في أنماط تفاعلاته الاجتماعية، وصحته النفسية، وقدراته على التركيز. وبالرغم من وجود مراجعات نقدية خالفت هذه الاستنتاجات إلا أن ذلك لا ينفي وجود ارتباط بين الاستخدام الرقمي المفرط لدى فئات معينة مع تصاعد مؤشرات الضغوط النفسية، الأمر الذي يستوجب التعاون بين المدرسة والأسرة لإطلاق حملات توعوية تهدف إلى تقنين الاستهلاك الرقمي، وحماية الطلاب من تداعيات الإفراط التقني على استقرارهم النفسي.
سؤال التوازن
التحدي التربوي الحقيقي يكمن في قدرة الطالب على خوض غمار الحياة بمرونة، والتحلي بالشجاعة للنهوض من العثرات بثبات. إن رؤية طالب مسكون بالقلق رغم تحقيقه لنجاحات باهرة تفرض علينا تحويل بوصلة الاهتمام من كمية التحصيل العلمي إلى جودة الاستقرار النفسي، متسائلين كيف يمكن لنظام مدرسي منظم أن يتحول – دون أن نشعر – إلى بيئة ضاغطة؟ وما الإشارات الخفية التي تنذر بانهيار التوازن التربوي؟ هذا ما سنناقشه في المقال القادم بإذن الله تعالى.
