في زحام النظريات وتكاثر المصطلحات التي تعجز غالباً عن تشكيل تصور مقنع ومستوعب للحياة المعاصرة، تبرز الحاجة الماسة للعودة إلى سلطان الكلمات الإلهية، لا عودةً تبريرية أو تجزيئية، بل عودة تستنطق “المنطق المقاصدي القرآني”.
ومن هنا، تأتي أهمية التوقف البحثي المتأمل أمام سفر “التفسير المقاصدي: كشف المنظومات من مقاصد السور والآيات” لشيخنا المفكر العلامة أ.د. جاسر عودة، والذي يمثل في نظري عملاً فكرياً فريداً لتجاوز الهوة السحيقة بين الدراسات التاريخية العتيقة للتفسير والواقع العلمي والثقافي المركب الذي نعيشه.
في مستهل هذه السلسلة من المقالات التي سأخصصها لقراءة هذا السفر البديع، نتوقف عند الأسس المنهجية التي بني عليها هذا التفسير، والتي تسعى لتقديم بوصلة دقيقة تضبط “التصورات والتصرفات”.
شبكة المنظومات: تجاوز النظرة التجزيئية
إن الإشكالية الكبرى في التعاطي المعاصر مع النص القرآني تكمن في العقلية التجزيئية التي تفصل الآيات عن سياقها المعرفي الكلي، وهي آفة معرفية لطالما نبهت إليها أدبيات التجديد الرائدة في هذا السياق، كما درسناها في “النبأ العظيم” للعلامة عبد الله دراز، و”الظاهرة القرآنية” لمالك بن نبي، ورؤى الشيخ محمد الغزالي في “كيف نتعامل مع القرآن” وكتابه في “نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم.
وفي سياق هذا الامتداد التجديدي، يقدم هذا التفسير مقاربة مغايرة تعتمد على ما يسميه المؤلف بـ “المنظومات المقاصدية”، وهي مقاربة لا تخضع للأشكال الهندسية البسيطة والتراتبية التقليدية، بل تتشابك في شبكات معقدة تعكس سنن الله في الخلق.
وقد لخص المؤلف غايته الكبرى من هذا الجهد في عبارة ذهبية دقيقة، وهي: ”استنباط معاصر لشبكة من المنظومات المقاصدية القرآنية، والإسهام بها في إعادة صياغة منهجية للمنظومات المهيمنة نحو تحقيق مقاصد القرآن“ (التفسير المقاصدي، ص27).
إن هذه “الخيوط الناظمة” التي تُستنبط من مقاصد الآيات والسور لا تقف عند حدود التنظير المعرفي، بل تمتد لتتبنى وظيفة “الكشف” بمعنى إزالة وتفكيك المنظومات المعاصرة التي تتنافى مع مقاصد الخالق، وإعادة بنائها على أسس قرآنية أصيلة.
المفسر والنص
ولعل من أبرز المعالم المنهجية التي يطرحها المؤلف، تفكيكه للثنائية الموهومة بين الموضوعية المطلقة والشخصنة، إذ يقرر في مقدمات التفسير قاعدة معرفية بالغة الأهمية مفادها أنه “ليس ثمة تفسير منفصل عن المفسر” (التفسير المقاصدي، ص33)؛ فالتفسير يتجدد بتجدد خبرات المفسرين ورصيدهم الحياتي والمؤسسي.
هذا الإقرار المنهجي يشرع النوافذ واسعاً أمام العقل المسلم المعاصر للاشتباك مع آيات القرآن الكريم من موقع الفاعلية والتأثير، متجاوزاً حالة التقيد والتقليد، ليقرأ القرآن انطلاقاً من أسئلة واقعه وتحديات عصره.
المنطق القرآني متعدد الأبعاد
وفي مواجهة المنطق الصوري الآلي، يؤسس الكتاب لما يمكن تسميته بالبديل المعرفي القرآني؛ وهو منطق يرفض السقوط في فخ الثنائيات الحتمية القاصرة، فيصيغ شيخنا الدكتور عودة هذه القاعدة بدقة متناهية قائلاً: إن “المنطق القرآني مقاصدي عربي تواصلي تكاملي متعدد الأبعاد والوسائل متجدد” (التفسير المقاصدي، ص34).
هذا المنطق هو الذي يسمح بتوليد حقائق وتصورات مركبة، تشكل في نهاية المطاف رؤية كونية قادرة على توجيه مسارات التعليم، والبحث العلمي، بل وهندسة العمل المؤسسي.
إعادة صياغة العلوم وتصحيح المفاهيم
ولا تقف طموحات “التفسير المقاصدي” عند تجديد علوم الشريعة، بل تتجاوزها إلى طرح مشروع نقد وإعادة صياغة لكل العلوم المعاصرة (كالاقتصاد، وعلم النفس، والاجتماع، والسياسة الدولية… إلى آخره) وربطها بالقرآن بوصفه الأصل الموجّه.
ولذا، تدعو مقدمة التفسير إلى الانتقال من التقسيم الأكاديمي العلماني للتخصصات، إلى تقسيم جديد يعتمد على دراسة “الظواهر الكبرى المعيشة” في ضوء السباعية التصورية القرآنية (المقاصد، المفاهيم، الفئات، السنن، القيم، الحجج، والأوامر).
إن هذه القراءة ليست إلا عتبة أولى لولوج عالم “التفسير المقاصدي”، وسنشرع في المقالات القادمة في تتبع هذه “الخيوط الناظمة” وكيفية تطبيقها العملي داخل سور القرآن العظيم، لنستكشف معاً كيف تتشكل الرؤية القرآنية القادرة على صناعة التغيير.
بقلم: محمد أبوزهرة5>
