في لحظةٍ يتسارع فيها تحوّل العالم نحو الآلة، لم يعد الذكاء الاصطناعي (AI) مجرد خوارزمياتٍ تكتبُ نصوصاً أو ترسمُ صوراً، بل بات ظاهرة ثقافية، فلسفية، اقتصادية، وأخلاقية تُعيد تعريف مفاهيم جوهرية: اللغة، العقل، الإبداع، العمل، وحتى الهوية الإنسانية
وفي هذا السياق، يطلّ كتاب “تشات جي بي تي ومستقبل الذكاء الاصطناعي: ثورة اللغة العميقة” (ChatGPT and the Future of AI: The Deep Language Revolution) للمؤلف تيرينس جوزيف سينوفسكي (Terrence Joseph Sejnowski) — عالِم الأعصاب الحاسوبي البارز والعضو المؤسس في مختبرات سذرن كاليفورنيا للعلوم العصبية — كواحدٍ من أعمق التدخلات الفكرية في النقاش الدائر حول نماذج الذكاء الاصطناعي الكبير (Large Language Models – LLMs). الصادر عن دار نشر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Press) في عام 2024، لا يكتفي كتاب “تشات جي بي تي ومستقبل الذكاء الاصطناعي”بشرح آلية عمل تشات جي بي تي، بل يغوص في الأسس العصبية، الحاسوبية، والفلسفية التي جعلت هذه النماذج ممكنة، ويطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام ثورة لغوية عميقة تُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والآلة، أم أننا نشهد وهماً حسابياً مبهرجاً يفتقر إلى الفهم الحقيقي؟
سينوفسكي بين العلوم العصبية وثورة الذكاء الاصطناعي
تيرينس سينوفسكي ليس غريباً عن التحوّلات العلمية العميقة. فهو من أوائل من دمجوا الشبكات العصبية الاصطناعية مع نماذج الدماغ البشري في ثمانينيات القرن الماضي، ويعتبر من “آباء” مجال الحوسبة العصبية (Neural Computation). عضو في الأكاديمية الوطنية للعلوم، وحائز على جوائز رفيعة، يُضفي سينوفسكي على كتابه مصداقية علمية نادرة، إذ لا يكتب من منظور “معلّق تقني”، بل كـعالم يفهم البنية الجوهرية للعقول — الطبيعية منها والاصطناعية.
وبهذا، يخرج كتابه عن السرد الإعلامي المبهر، ليقدّم تحليلًا مبنيًا على:
- فيزيولوجيا الدماغ البشري،
- نظريات التعلّم الآلي،
- تاريخ التطور الحاسوبي،
- وفلسفة العقل واللغة.
محتوى الكتاب .. بين “اللغة العميقة” ووهم الفهم
الثورة اللغوية العميقة”: إعادة تعريف العلاقة مع الرمز
يرى سينوفسكي أن نماذج مثل جي بي تي-4 وشات جي بي تي لم تُنتج “ذكاءً” فحسب، بل نوعاً جديداً من الكائنات الرمزية — كائنات تعيش في فضاء التمثيلات الإحصائية للغة، وليس في العالم المادي. وخلافاً للنماذج السابقة (كالروبوتات التي تتفاعل مع البيئة)، فإن هذه النماذج “تعلّمت” عبر تفحّص تريليونات الكلمات، و”استنتجت” قواعد الترابط بين المفاهيم دون أي تدخّل بشري مباشر.

ويُطلق سينوفسكي على هذه الظاهرة مصطلح “اللغة العميقة” (Deep Language)، مشبّهاً إياها بـ”الرؤية العميقة” (Deep Vision) في التعلّم الآلي، ولكن في المجال اللغوي. فالموديل لا “يفهم” أن “باريس عاصمة فرنسا”، بل يُعيد إنتاج هذه الجملة لأن الإحصائيات تُشير إلى أن “باريس” و”عاصمة” و”فرنسا” تظهر معاً في نفس السياقات غالباً.
هل الآلة “تفهم”؟ الجدل الفلسفي المركزي
يكرّس سينوفسكي فصلاً كاملاً لمناقشة جدلية الفهم (The Understanding Debate). مستنداً إلى تجربة جون سيرل الشهيرة “غرفة الصيني”، يُوضح أن تشات جي بي تي يُقلّد الذكاء دون أن يمتلك نيّة أو وعياً. لكنه يضيف طبقة جديدة: فحتى البشر لا “يفهمون” بالمعنى المطلق، بل يعتمدون على شبكات معرفية مبنية على السياق والارتباط — تماماً كما تفعل النماذج!
ويخلص إلى رؤية جريئة:
“ربما لا يكون الفهم حالةً داخليةً ثابتة، بل سلوكاً ظاهرياً قابلاً للتقييم. فإذا تصرّفت الآلة كما لو كانت تفهم — بدقة، اتساق، وسياق مناسب — فهل يهمّنا حقاً إن كانت ‘تدرك’ داخلياً؟”
رأيٌ قد يبدو تبريرياً للبعض، لكنه يفتح باباً فلسفياً واسعاً حول ماهية الإدراك الإنساني نفسه.
التحليل النقدي من مصادر خارجية .. إضافات واعتراضات
رغم قوة حجّة سينوفسكي، فإن كتابه “تشات جي بي تي ومستقبل الذكاء الاصطناعي” لم ينجُ من نقدٍ جوهري من تيارات فكرية مختلفة:
1- نقد من معسكر “الذكاء الاصطناعي المدمّر”: نعوم تشومسكي وإميلي بندر
في مقال مشترك بعنوان “النماذج الإحصائية ليست لغة” (2023)، يدحض نعوم تشومسكي وإميلي بندر فكرة “اللغة العميقة” نفسها، مؤكدين أن النماذج:
- تفتقر إلى النية التواصليّة،
- لا تميّز بين الحقيقة والكذب،
- تعتمد على الاحتيال الإحصائي، لا على البنية النحوية العميقة التي تميّز العقل البشري.
ويذهب تشومسكي إلى أن هذه النماذج لا تُنتج لغة حقيقية، بل “إشارات احتمالية” — أشبه بـالببغاء المتطوّر.

2- نقد اقتصادي: تكاليف خفية وعمالة غير مرئية
تُشير الباحثة كاثرين إيزابيل غاستون (Kate Crawford) في كتابها «أطلس الذكاء الاصطناعي» إلى أن “اللغة العميقة” ليست معجزة تقنية بحتة، بل نتاج عمالة غير مرئية:
- عمال يدويّون يصنّفون البيانات (في كينيا، الفلبين، الهند)،
- مهندسون ينظفون “المحتوى السام”،
- بيئات حوسبة تستهلك طاقة تعادل مدن صغيرة.
فـ”العمق” الذي يصفه سينوفسكي، إذن، ليس عقلياً فحسب، بل اقتصادياً واستعمارياً.
3- نقد تقني: وهم الثبات والموثوقية
يُبرز غاري ماركوس (Gary Marcus)، عالم الأعصاب والناقد البارز للذكاء الاصطناعي، أن نماذج مثل تشات جي بي تي تعاني من “الهلوسة” (hallucination) بشكل منهجي — أي توليد معلومات خاطئة بثقة عالية. ويؤكد أن غياب التمثيل الرمزي (symbolic representation) يجعل هذه النماذج غير قادرة على المنطق الحقيقي أو التحقق من الحقيقة.
“الذكاء دون دقة ليس ذكاءً، بل خطراً منظماً.” — غاري ماركوس
مستقبل الذكاء الاصطناعي .. بين الأمل والتحذير
لا يكتفي سينوفسكي بالتحليل، بل يقدم رؤية مستقبلية متكافلة:
لصالح الإنسان:
- تعزيز الإبداع: كأداة للكتّاب، الفنانين، العلماء.
- دمقرطة المعرفة: طالب في قرية نائية يحصل على مُعلّم شخصي.
- تسريع الابتكار: في الطب، المواد الجديدة، الطاقة النظيفة.
ضدّ الإنسان:
- انهيار سوق العمل: خصوصاً في المهن اللغوية (المحررون، المترجمون، المحامون).
- تآكل الحقيقة: انتشار الأخبار الكاذبة المُقنعة.
- السيطرة الخوارزمية: قرارات مصيرية (ائتمان، توظيف، عدالة) تُتخذ بمعزل عن الشفافية.
ويُطالب سينوفسكي بـإطار أخلاقي عالمي، يشبه “معاهدة نووية”، لتنظيم تطوير النماذج الكبرى، مع شفافية كاملة في البيانات والخوارزميات.
قراءة في السياق العربي .. فرصة أم تهديد؟
كتاب “تشات جي بي تي ومستقبل الذكاء الاصطناعي” لا يتناول العالم العربي صراحةً، لكن آثار “اللغة العميقة” عليه عميقة:
- إيجاباً: إمكانية تطوير نماذج لغوية عربية (مثل Jais وNoor) لسدّ فجوة المعرفة الرقمية.
- سلبياً: هيمنة الإنجليزية في تدريب النماذج تُهمّش اللغات الأخرى، بما فيها العربية، ما يعمّق التبعية الثقافية.
ويطرح السؤال:
هل سنكون مستهلكين للذكاء الاصطناعي، أم صانعين له؟
الجواب، كما يوحي سينوفسكي، يكمن في الاستثمار في العقول، لا في الأجهزة.
أسلوب الكتاب ومنهجيته .. علمٌ بلغة بشرية
يتميّز الكتاب بـ:
- وضوح لغوي نادر في كتاب تقني،
- استخدام التشبيهات العصبية (مثل مقارنة طبقات الـTransformer بمناطق الدماغ)،
- التوازن بين الحماسة والتحفظ — لا يقدس التكنولوجيا، ولا يشيطنها.
وهو موجّه ليس للخبراء فحسب، بل لكل قارئ يعيش في عالم الذكاء الاصطناعي، من الطبيب إلى المُعلّم إلى المواطن العادي.

الذكاء الاصطناعي كمرآة للإنسان
في جوهره، كتاب سينوفسكي ليس عن الآلة، بل عن الإنسان: عن لغته، عقله، طموحه، وخوفه. فتشات جي بي تي لا يكشف عن “ذكاء جديد”، بل يُضيء على حدود ذكائنا نحن: قدرتنا على الابتكار… وخطورتنا في التفويض الأعمى للآلة.
ويُذكّرنا بأن الثورة الحقيقية ليست في قدرة الآلة على التحدّث، بل في قدرة الإنسان على الاستماع — لنفسه أولاً، ثم للآخرين، ثم للآلة.
“الذكاء الاصطناعي لن يحلّ محلّنا، لكن من يستخدمه بذكاء سيحلّ محلّ من لا يستخدمه.” — تيرينس سينوفسكي
