استمر قوم قارون في نُصحه، وبيان المنهج الإلهي القويم المعتدل الذي يُعلق قلب واجد المال بالآخرة ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة، بل يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليفاً، كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها. فقالوا له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧].

لقد خلق الله طيبات الحياة ليستمتع بها الناس، وليعملوا في الأرض لتوفيرها وتحصيلها، فتنمو الحياة وتتجدد وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض، وذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرة فلا ينحرفون عن طريقها، ولا ينشغلون بالمتاع عن تكاليفها، والمتاع في هذه الحالة لون من ألوان الشكر للمُنعم وتقبلٍ لعطاياه، وانتفاع بها، فهو طاعة من الطاعات يُجزى عليها بالحسنى (سيد قطب، 5/2711).

أ‌- ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾

أيّ: اطلب فيما أعطاك الله الفوز في الدار الآخرة وأن يعترف بأن ما معه إنما هو فضل وعطاء ومنحة من الله؛ حيث أرشدوه إلى أن يوجه كل ما آتاه الله إلى الآخرة. و”ما” في قوله: ﴿فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ﴾: اسم موصول، وهو يدل على العموم والشمول (الخالدي، 3/49).

ب‌- ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

دعوة إلى ألا ينسى نصيبه من الدنيا ما أباح الله فيها من المآكل والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، فإن لربك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً ولزوجك عليك حقاً، فآت كل ذي حق حقه (المغراوي، 25/409).

فالدنيا مزرعة الآخرة، وممر إليها، ولهذا أحل الله تعالى للإنسان أن يتمتع بها بسائر أنواع المتاع الحلال كوسيلة إلى الآخرة، فهي ليست مقصودة في ذاتها، كما قال عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كن في الدنيا غريب أو عابر سبيل (مسلم، 6/347).

وكان عبد الله ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (البخاري، رقم: 6416).

ت‌- ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾

طلبوا منه مقابلة الإحسان بالإحسان، فهذا المال هبة من الله وإحسان، فليقابل بالإحسان فيه إحسان التقبل وإحسان التصرف، والإحسان به إلى الخلق، وإحسان الشعور بالنعمة، وإحسان الشكران (سيد قطب، 5/2711).

﴿وَأَحْسِنْ﴾ في عبادة ربك وطاعته في كل أنواع العبادات والطاعات المتعلقة بالأموال وغيرها ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، ولقد طالب المؤمنون من قوم قارون أن يقابل إحسان الله إليه بإحسان وذلك باستخدام تلك الكنوز في نفع الآخرين (الخالدي، 3/51).

وفي قولهم: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ نصيحة ثمينة جامعة، فالإحسان في ديننا أعلى مراتب التدين كما في حديث جبريل إذ يذكره إذ سأل النبي عن المراتب الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، فظهر أن أعلى المراتب الإحسان وفسر النبي ذلك بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لك تكن تراه فإنه يراك.

ومن الإحسان أن تُحسن الفهم لكتاب الله وأحكام دينك، ومن الإحسان أن تحسن علاقتك بالمجتمع ورحمك وذويك والناس، بل والكون بكل ما فيه، ومن الإحسان أن تؤدي الحقوق التي في مالك، والإحسان مفتوح على صور لا عدّ لها ولا حصر وقرنوا دعوتهم له إلى الإحسان بإحسان سبق من الله إليه (نوفل، ص 387).

ث‌- ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾

وختموا وصاياهم بالنهي عن نقيض الإحسان وهو الفساد، فنهوه عن أن يبغي الفساد في الأرض. فالفساد نقيض الإصلاح، والإصلاح هو أيضاً صوره لا تنتهي، فكل إخلال بقانون الله في المجتمع أو في الكون أو في النفس هو إفساد، ولك أن تتصور كم من الصور يدخل تحت هذا المفهوم المطلق (نوفل، ص 378).

فالفساد بالبغي والظلم، والفساد بالمتاع المطلق بعيداً عن مراقبة الله ومراعاة الآخرة، والفساد بملء صدور الناس بالحرج والحسد والبغضاء والفساد بإنفاق المال في غير وجهه أو إمساكه عن وجهه على كل حال (سيد قطب، 5/2711).

ج‌- ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

ثم برروا دعوتهم له إلى عدم الفساد والإفساد بأن الله لا يحب المفسدين، بل يمقتهم ويبغضهم، لأنهم فاسدون في أنفسهم أولاً ولأنهم مفسدون في الأرض، يستخدمون نعم الله في الظلم والبغي والشر، وبذلك ينشرون المفاسد والرذائل والخبائث.

إنهم في فسادهم وإفسادهم خسروا محبة الله، وماذا يملك الإنسان إذا خسر محبة الله؟ وهل هناك شيء يصلح أن يكون عوضاً وبديلاً عن محبة الله؟ لقد أخبر المؤمنون قارون في بداية النصيحة أن الله لا يحب الفرحين وأخبروه في آخرها أن الله لا يحب المفسدين، وفي أثناء نُصحهم له طالبوه بالإحسان والإصلاح؛ لأن الله يحب المحسنين (المصلحين).

القواعد الجوهرية الست في نصيحة قارون

إذن، إنهما طريقان: طريق محبة الله؛ بأن يتصف سالكوها بالصفات التي يُحبها الله، ويعملوا الأعمال التي يحبها الله. وطريق غضب الله؛ بأن يتصف أصحابها بالصفات التي لا يحبها الله ويعملوا الأعمال التي تغضب الله، إنها ست قواعد جوهرية، وتتضمن كل واحدة حقيقة إيمانية قاطعة قدمها المؤمنون نصيحة لقارون:

  1. ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
  2. ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾.
  3. ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
  4. ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.
  5. ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾.
  6. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.

وهكذا رسمت الآيات لأصحاب الأموال المنهج القويم الذي يجب عليهم أن يلتزموا به، فالمال في الحقيقة مال الله تعالى، وعليهم أن يستعملوه في طاعته ضمن الحدود التي شرعها لهم والتي تكفلت ببيان وظيفته الأساسية، كوسيلة لاستمرار الحياة وعمرانها، وإن أي مجاوزة للحدود المشروعة، يخرج المال عن وظيفته الأساس ويجعله وسيلة هدم للحياة وإفساد لها.

ويبدو أن كثرة المال أَعمتْ قارون عن رؤية الحقيقة والاعتراف بفضل الله تعالى، فأصم أذنيه عن النصائح وأغلق قلبه أمامها وردّ عليها بتكبر واستعلاء (مسلم، 6/347).