في خضم التدافع المعرفي الذي يشهده عالمنا اليوم، وتزاحم المعلومات عبر المنصات الرقمية، تواجه الذاكرة التاريخية للأمة الإسلامية تحدياً حقيقياً يتمثل في اختلاط الحقائق الثابتة بالروايات الواهية، وتداخل السيرة العطرة بالأساطير الشعبية. إن السيرة النبوية ليست مجرد سرد قصصي نلجأ إليه للعبرة والتسلية في المناسبات، بل هي “دين يُدان به”، ومنهاج حياة متكامل. وأي خلل في ثبوت الرواية التاريخية قد يؤدي بالضرورة إلى خلل في التصور العقدي أو الحكم الفقهي، ومن ثم خلل في الاقتداء بسيد البشرية ﷺ.
من هذا المنطلق، يكتسب كتاب “ما صح من أخبار في سيرة النبي المختار ﷺ” للباحثة القطرية حصة بنت أحمد الكواري (الصادر عن إدارة البحوث والدراسات الإسلامية بوزارة الأوقاف القطرية، طبعة 1446هـ – 2025م)، قيمته الاستثنائية والضرورية. إنه ليس مجرد كتاب جديد يضاف إلى رفوف المكتبة، بل هو مشروع علمي طموح يقع في مجلدين، يهدف إلى “غربلة” السيرة النبوية، وتقديمها للأجيال الجديدة نقيةً من الشوائب، مستندةً في كل تفاصيلها إلى أصح ما ورد في كتب السنة المعتمدة.
في هذه القراءة الموسعة، نغوص في أعماق هذا السفر الجليل، لنستكشف كيف يعيد تشكيل وعينا بالسيرة النبوية، بدءاً من بشارات الأنبياء، مروراً بمخاض الدعوة في مكة، وصولاً إلى تأسيس الدولة، وانتهاءً بالرفيق الأعلى.
أولاً: منهجية كتاب “ما صح من أخبار في سيرة النبي المختار” في نقد الروايات
تستهل المؤلفة كتابها بتأسيس قاعدة منهجية صارمة مفادها: “السيرة أصلها النقل، والعمدة فيها على الثبوت”. لقد امتلأت كتب المغازي والسير المتقدمة (كابن إسحاق والواقدي) بروايات تجمع الغث والسمين، وكان العلماء سابقاً يكتفون بإيراد السند لإبراء الذمة، موكلين مهمة النقد للقارئ المتخصص. أما اليوم، ومع ضعف الملكة النقدية عند عامة القراء، بات لزاماً تقديم “المعلومة المحققة” جاهزة.
تبرز أهمية دراسة السيرة بناءً على “ما صح” في عدة نقاط جوهرية يرسخها الكتاب:
- حماية الجناب النبوي: تنقية السيرة من الإسرائيليات والمبالغات التي قد تخرج النبي ﷺ عن بشريته التي أكدها القرآن، أو تنسب إليه ما لا يليق بمقامه.
- صحة الاستنباط: فكثير من الأحكام الفقهية أو المواقف السياسية المعاصرة تُبنى أحياناً على قصص واهية في السيرة، والاعتماد على الصحيح يضبط البوصلة التشريعية.
- اليقين الإيماني: تقديم سيرة مؤسسة على اليقين (قال الله، قال الرسول) يغرس في النفس طمأنينة لا تهزها شبهات المستشرقين أو المشككين.
ثانياً: العالم يترقب النور.. البشارات والباحثون عن الحقيقة
قبل أن يبزغ فجر البعثة، يأخذنا الكتاب في جولة استقصائية بديعة لتشخيص حال العالم. لم تكن الجاهلية ظلاماً دامساً بلا أمل، بل كانت هناك “إرهاصات” وبشارات تلوح في الأفق.
تستعرض المؤلفة “نبوة النبي ﷺ في كتب أهل الكتاب”، مؤكدة بالأدلة الصحيحة أن العالم القديم (من رهبان وأحبار) كان يعرف صفات “النبي الخاتم” ومخرجه وزمانه، مما يقيم الحجة على الأمم السابقة والحالية. وتتجلى هذه الحقيقة في قصص “الحنفاء” والباحثين عن الحق التي حققها الكتاب بعناية، مثل:
- سلمان الفارسي: ومغامرته الملحمية في التنقل بين “أرباب” الكنائس، وصبره على الرق والذل، حتى وصل إلى المدينة ليرى العلامات الثلاث التي كان يحفظها عن ظهر قلب (يأكل الهدية، لا يأكل الصدقة، وخاتم النبوة).
- ورقة بن نوفل: الحبر العالم الذي عرف “الناموس الأكبر”، وبشر خديجة بأن زوجها هو نبي هذه الأمة.
هذا التناول يرسخ فكرة محورية: البعثة المحمدية لم تكن حدثاً محلياً منعزلاً، بل كانت “الجواب الإلهي” لنداء الفطرة البشرية التي طال انتظارها للمخلص.
ثالثاً: حكمة البعثة.. رحمة للعالمين
يستوقفنا الكتاب عند “فلسفة البعثة” وحكمتها. لماذا محمد؟ ولماذا الآن؟ من خلال النصوص الصحيحة، تبرز المؤلفة أن الله تعالى حين نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، اقتضت رحمته إرسال هذا النبي. وتتلخص حكمة البعثة كما يظهرها الكتاب في:
- إتمام مكارم الأخلاق: حيث كان ﷺ قبل البعثة ملقباً بـ “الأمين”، وجاء الوحي لا ليهدم الفضائل الموجودة، بل ليتممها ويوجهها.
- تحرير العقل: إخراج الناس من عبادة العباد والأصنام والأوهام، إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.
رابعاً: العهد المكي.. مخاض الدعوة والصبر
تغطي هذه المساحة الواسعة من الكتاب (تحديداً الصفحات 133 – 269) المرحلة الأشد حرجاً وصعوبة، وهي المرحلة التي انتقلت فيها الدعوة من “السرية” الكتمانية إلى “العلنية” الصادعة، وما تبعها من مواجهة. وهنا تبرز دقة الكاتبة في استبعاد الروايات الضعيفة التي تبالغ في الأحداث، والتركيز على الثابت المؤثر:
1. الصدع بالدعوة.. المواجهة الأولى
تصف الروايات الصحيحة وقوف النبي ﷺ على جبل الصفا ونداءه لقريش: “أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم؟”. ينقلنا الكتاب من أجواء السرد التقليدي إلى واقعية “الصراع”. لم تكن قريش تدافع عن أصنامها فحسب، بل عن نفوذها السياسي والاقتصادي الذي يهدده مبدأ “المساواة” في الإسلام.
2. التربية بالابتلاء
في الصفحات التي تتناول تعذيب المستضعفين، تبتعد المؤلفة عن “بكائيات” القصص الواهية، لتركز على “منهجية الصبر”. نرى بلالاً، وعماراً، وآل ياسر، ليسوا مجرد ضحايا، بل “نماذج تربوية” تُصنع على عين الله. وتستنبط المؤلفة حكمة بالغة: لماذا لم ينصرهم الله فوراً؟ ليعلمنا أن “سلعة الله غالية”، وأن الجيل الذي سيحمل الرسالة للعالم يجب أن يُصهر في بوتقة الابتلاء ليكون صلباً كالفولاذ.
3. الهجرة إلى الحبشة.. الحنكة السياسية
يحرر الكتاب أحداث الهجرة إلى الحبشة، مبرزاً البعد السياسي والقيادي للنبي ﷺ. فاختياره للحبشة لم يكن عشوائياً، بل كان عن علم دقيق بأحوال الممالك (ملك لا يُظلم عنده أحد). كما يبرز الكتاب عدالة “النجاشي” كقيمة إنسانية عليا أقرها الإسلام، مما يفتح آفاقاً لفهم “فقه التعامل الدولي” في السيرة.
4. عام الحزن ومنحة السماء (الإسراء والمعراج)
بعد وفاة السند الداخلي (خديجة) والسند الخارجي (أبي طالب)، ورحلة الطائف التي أثبت الكتاب تفاصيلها الصحيحة ودعاء النبي ﷺ فيها، تأتي رحلة الإسراء والمعراج. في هذا الفصل، يتجلى المنهج النقدي للكتاب؛ حيث يتجاوز الروايات الضعيفة التي حشت الرحلة بتفاصيل غريبة، ليركز على “الثابت العظيم”: فرض الصلاة، ورؤية الأنبياء، والوصول إلى سدرة المنتهى. يقدم الكتاب المعراج كـ “تثبيت رباني” ومواساة لقلب النبي ﷺ، ورسالة بأن الأرض وإن ضاقت بأهل الحق، فإن أبواب السماء مفتوحة لهم.
خامساً: الهجرة والتأسيس.. التخطيط البشري والتأييد الإلهي
عند الانتقال لحدث الهجرة النبوية، يُصحح الكتاب مفهوماً شائعاً. الهجرة لم تكن مجرد “معجزة” تعتمد على الخوارق (كنسج العنكبوت والحمام التي ضعفها كثير من المحققين ولم تعتمدها المؤلفة)، بل كانت قمة “التخطيط البشري المحكم”:
- استئجار دليل خريت (عبد الله بن أريقط).
- تجهيز الراحلة، وتعمية الأثر، واختيار الطريق الساحلي.
ومع ذلك، حين استنفد النبي ﷺ الأسباب، تدخلت عناية الله في الغار: “لا تحزن إن الله معنا”. هذا التوازن بين “الأخذ بالأسباب” و”التيقن بالنصر” هو الدرس الأبرز في الكتاب.
سادساً: العهد المدني وفقه المغازي في كتاب “ما صح من أخبار في سيرة النبي المختار”
عند انتقالها لمرحلة ما بعد الهجرة (القسم الثاني من الكتاب)، تتبع المؤلفة منهجاً تاريخياً دقيقاً يعتمد التسلسل الزمني (الحوليات). وفي تناولها للغزوات والسرايا، تبتعد الكاتبة عن لغة “الحروب والسيوف” المجردة، لتقدم لنا ما يمكن تسميته “فقه السيرة”.
- السرد التشريعي: تربط المؤلفة ببراعة بين الأحداث العسكرية ونزول التشريعات. فنجد أحكام الصيام، والزكاة، وتحريم الخمر، والحجاب، تنزل متزامنة مع بناء الدولة وحماية الثغور، لتؤكد أن بناء “المجاهد” لا ينفصل عن بناء “العابد”.
- أخلاقيات القوة: في غزوات مثل بدر وأحد والأحزاب، تركز الكاتبة على القيم:
- الشورى: نزول النبي ﷺ على رأي الصحابة في بدر وأحد.
- العدل: قسمة الغنائم ومعاملة الأسرى وفق المنهج الرباني.
- الوفاء: احترام العهود والمواثيق (صلح الحديبية نموذجاً) حتى مع الأعداء.
بذلك، يتحول قسم المغازي في الكتاب من سرد للدماء والمعارك، إلى “دليل إداري وقيادي” يوضح كيف تدار الدول والأزمات وفق المنهج النبوي.
سابعاً: الوداع.. اكتمال الدين وخلود الرسالة
يختتم الكتاب رحلته بمشاهد الوداع المؤثرة. حجة الوداع لم تكن مجرد مناسك، بل كانت “إعلاناً حقوقياً عالمياً” (حرمة الدماء، ووصية بالنساء، وإلغاء فوارق الجاهلية). أما مشهد الوفاة، فينقله الكتاب بدقة متناهية من الروايات الصحيحة في “بيت عائشة”. يصور لنا اللحظات البشرية الأليمة: ثقل الجسد الشريف، السواك الأخير، وكلمات الوداع “اللهم في الرفيق الأعلى. إنه مشهد يمزق القلوب، لكنه يبني العقيدة: مات الرسول، وبقي الحي الذي لا يموت.
خاتمة: لماذا يعد هذا الكتاب “ضرورة”؟
إن كتاب “ما صح من أخبار في سيرة النبي المختار” ليس مجرد إضافة كمية للمكتبة الإسلامية، بل هو “مرجع معياري”. إنه يوفر على القارئ والداعية عناء البحث في أسانيد الروايات، ويضع بين أيديهم سيرة “منقحة” تطمئن إليها القلوب.
إنه دعوة لإعادة قراءة السيرة:
- بعيداً عن الخرافة التي تضر ولا تنفع.
- وقريباً من الإنسانية العظيمة التي تتجلى في “الصحيح”.
- وبمنهج يربط بين “الرواية التاريخية” و”الحكم الفقهي” و”الأثر التربوي”.
إنه كتاب جدير بأن يكون رفيقاً لكل مربٍّ يسعى لغرس محبة النبيﷺ في نفوس الأجيال، بناءً على نور اليقين، وصدق الخبر.
