النقاط الرئيسية:
- اللعب ليس استراحة من عملية تطور الطفولة، بل هو الطريقة التي يتمرن بها الأطفال على تحديات حياة البالغين.
- أثناء اللعب المستقل، يحل الأطفال المشكلات، ويخوضون المخاطر، ويديرون النزاعات؛ وهي تجارب تساعد في تطوير المهارات الاجتماعية والاستقلال.
- إن التدخل المتكرر في لعب الأطفال قد يمنعهم من تعلم كيفية خوض غمار العالم بمفردهم.
يولد الأطفال، شأنهم شأن جميع الثدييات، معتمدين كلياً على البالغين من أجل البقاء. وتتمثل المهمة الأساسية للطفولة في زيادة الاستقلال عن هذه الرعاية تدريجياً، ولذا يولدون بدوافع غريزية لممارسة الاستقلال بالقدر الذي يستطيعونه؛ وأقوى هذه الدوافع هو دافع اللعب.
في اللعب، يتعلم الأطفال أهم دروس الحياة؛ دروس التمكين الشخصي، والمسؤولية، والتفاعل الاجتماعي الفعال. وعندما لا نسمح للأطفال باللعب بمفردهم، فإننا نقوض هذا التطور.
أسباب لعب الأطفال
يمكنك التنبؤ بما سيلعبه صغار الثدييات من خلال معرفة المهارات الرئيسية التي يجب عليهم اكتسابها ليصبحوا بالغين مستقلين. فعلى سبيل المثال، تلعب الحيوانات المفترسة على الافتراس، وتلعب الحيوانات التي تمثل فريسة على المراوغة والاندفاع والهروب من المفترسين. نحن البشر لدينا فترة طفولة أطول من الثدييات الأخرى، ويلعب صغارنا بطرق أكثر تنوعاً، لأننا يجب أن نتعلم أكثر من الثدييات الأخرى للنجاح كبالغين.
وجد علماء الأنثروبولوجيا أنه عندما يحظى الأطفال بالحرية والوقت الكافي للعب، فإنهم يمارسون النطاق الكامل للمهارات الحاسمة للتطور البشري في كل مكان. فهم يلعبون بطرق قوية بدنياً ومحفوفة بالمخاطر، وبذلك يكتسبون المهارات البدنية والشجاعة. ويلعبون في بناء الأشياء، وبذلك يمرنون أجزاء الدماغ والعضلات المعنية بتصور الأشياء ثم خلقها. ويلعبون باللغة والخيال والمنطق، وبذلك يصبحون كفؤين في هذه القدرات البشرية الفريدة. ويلعبون ألعاباً ذات قواعد، ويتعلمون بهذه الطريقة اتباع القواعد وتعديلها وابتكارها. ويلعبون بما يرونه أدوات أساسية للثقافة التي ينشؤون فيها، وبذلك يصبحون ماهرين في استخدام تلك الأدوات.
إننا نقوض لعب الأطفال عندما نتدخل، مهما كانت نوايانا طيبة.
من بين جميع المهارات التي يطورها الأطفال في اللعب، تعد المهارات الاجتماعية هي الأكثر أهمية. وبغض النظر عما يلعبونه، فإن معظم الأطفال، في أغلب الأحيان، يريدون اللعب مع أطفال آخرين. ومن منظور تطوري، لا يعد هذا مفاجئاً؛ فنحن نوع اجتماعي للغاية، ويعتمد بقاؤنا ورفاهيتنا على قدرتنا على الانسجام مع الآخرين. ولذلك، ليس من المستغرب أن “الطبيعة الأم” (وهو مصطلحي لتشخيص الانتقاء الطبيعي) قد زرعت في أدمغة أطفالنا، عن طريق حمضهم النووي، دوافع قوية للعب مع أطفال آخرين، ويفضل أن يكون ذلك بعيداً عن البالغين. فاللعب مع أطفال آخرين هو الكيفية التي يتعلم بها الأطفال الانسجام مع الآخرين كأقران متساوين، وكيف يتعلمون تكوين الصداقات والحفاظ عليها.
بعيداً عن إشراف البالغين، يمارس الأطفال المهارات التي تجعل من الصداقة، والثقة، والاستقلال أموراً ممكنة.
إننا نقوض لعب الأطفال عندما نتدخل، مهما كانت نوايانا طيبة. فالغرض من اللعب هو أن يمارس الأطفال الاستقلال، ويتعلموا حل مشكلاتهم الخاصة، ويتعلموا من أخطائهم. وفي معظم جوانب حياتهم اليومية الأخرى، يخضع الأطفال لسيطرة البالغين، لكنهم في اللعب يمارسون السيطرة على أنفسهم. في اللعب، هم البالغون؛ وكل ذلك يُفقد عندما يتدخل البالغون الحقيقيون لتصحيح أخطائهم أو حل مشكلاتهم. أطلق “أخصائيو اللعب” (Playworkers) -وهم مهنيون يسهلون عملية اللعب- في المملكة المتحدة مصطلحاً رائعاً على تدخل البالغين في لعب الأطفال: “إفساد اللعب” (adulteration).
ليس من المستغرب أن يفضل الأطفال عادةً اللعب بعيداً عن أنظار ومسامع البالغين كلما أمكن ذلك. وفي الواقع، خلصت مراجعة للدراسات التي تهدف لمعرفة كيف يعرف الأطفال الصغار اللعب إلى أن غياب سيطرة البالغين هو جزء من تعريفهم له. فعلى سبيل المثال، في دراسة عُرضت فيها على أطفال بعمر الرابعة والخامسة صور لأطفال يشاركون فيما يبدو أنها أنشطة ممتعة، حدد معظمهم النشاط على أنه “لعب” إذا لم يكن هناك شخص بالغ، ولم يعتبروه لعباً في حال وجوده. من الواضح أنهم افترضوا أنه إذا كان هناك شخص بالغ حاضر، فإن هذا الشخص سيسيطر بطريقة ما على النشاط.
كيف يشبع اللعب الاحتياجات النفسية الأساسية للأطفال
أظهرت الأبحاث مراراً وتكراراً أن الرفاه النفسي لنا جميعاً، بغض النظر عن العمر، يعتمد على إشباع ثلاث احتياجات نفسية أساسية: الاستقلالية، والكفاءة، والارتباط.
لكي نكون سعداء بحياتنا، نحتاج إلى الشعور بأننا قادرون (على الأقل أحياناً) على اختيار ما نفعله وكيفية فعله (الاستقلالية)، وأن لدينا المهارات اللازمة لفعل ما نريد فعله (الكفاءة)، وأن لدينا أصدقاء وزملاء داعمين (الارتباط). بالنسبة للأطفال، اللعب هو الوسيلة الأساسية لإشباع هذه الاحتياجات الثلاثة، وتدخل البالغين يقوض هذه الآثار.
عندما يتدخل البالغون ويصححون للأطفال أو يحلون المشكلات لهم، يتم تقويض تجربتهم في الكفاءة؛ فيشعرون بالتقليل من شأنهم لا بالتمكين.
اللعب هو، بحكم تعريفه، تعبير عن الاستقلالية. إنه فعل ما يريد المرء فعله مقابل ما يشعر أنه مجبر على فعله. في اللعب، يختار الأطفال أنشطتهم ويوجهونها بأنفسهم، وهذه هي الاستقلالية. وعندما يتدخل البالغون ويمارسون السيطرة، فإنهم يقوضون تجارب الأطفال في الاستقلالية ويحولون اللعب إلى شيء لم يعد لعباً بالكامل.
في اللعب، يختبر الأطفال الكفاءة ويمارسونها؛ أي مهارتهم في فعل ما اختاروا فعله، وشعورهم بتحسين تلك المهارات من خلال جهودهم الخاصة، وقدرتهم على حل المشكلات التي تنشأ. وعندما يتدخل البالغون ويصححون لهم أو يحلون المشكلات نيابة عنهم، يتم تقويض تجربة الكفاءة لدى الأطفال؛ فيشعرون بالتقليل من شأنهم، لا بالتمكين.
أخيراً، اللعب مع أطفال آخرين هو الطريقة الأساسية التي يتواصل بها الأطفال مع أقرانهم وتكوين الصداقات (الارتباط). في الواقع، بالنسبة للأطفال دون سن الثانية عشرة تقريباً، الصديق -بحكم التعريف تقريباً- هو شخص تلعب معه. ومع تقدم الأطفال في السن، ودخولهم سنوات المراهقة، يتخذ الأصدقاء أدواراً إضافية – ككاتمي أسرار مثلاً – ولكن بالنسبة للأطفال الأصغر سناً، الصديق هو قبل كل شيء “رفيق لعب”.
ما يتعلمه الأطفال من بعضهم البعض
يتعلم الأطفال، بالطبع، الكثير من البالغين. لا أريد أن أقلل من دور البالغين في تعلم الأطفال، ولكن هناك بعض الأشياء التي يمارسها الأطفال ويتعلمونها مع أطفال آخرين بشكل أفضل مما يفعلونه مع البالغين، بما في ذلك:
كيفية التواصل بصدق
عندما يتحدث البالغون مع الأطفال، غالباً ما يكون كلامهم تعليمياً أو متعالياً، وليس تواصلاً حقيقياً ثنائياً.
تأمل، على سبيل المثال، البالغ الذي يسأل طفلاً في الرابعة من عمره: “ما هذا الحيوان؟” وهو يشير إلى صورة فرس النهر. هذا ليس سؤالاً صادقاً، بل هو اختبار؛ فالباحث يعرف تمام المعرفة أنه فرس نهر. لن يفعل طفل هذا بطفل آخر؛ فإذا سأل الطفل هذا السؤال، فذلك لأنه يريد حقاً معرفة نوع الحيوان. كما يقدم البالغون غالباً ثناءً كاذباً، مثل: “أوه، يا لك من فنان رائع”، وهم ينظرون إلى آخر خربشة للطفل. الأطفال لا يقدمون أبداً مثل هذا الثناء الكاذب لبعضهم البعض إلا إذا كانوا ساخرين.
يتواصل الأطفال مع بعضهم البعض إلى حد كبير في سياق اللعب، ويكون للتواصل معنى حقيقي. فهم يتفاوضون حول ماذا وكيف يلعبون، ويناقشون القواعد، ويتحدثون عما هو عادل أو غير عادل. يتطلب اللعب الاجتماعي تواصلاً حقيقياً لكي يتمكنوا من تنسيق أنشطتهم. وهذا تمرين أفضل بكثير للتواصل المستقبلي بين “بالغ وبالغ” من أنواع “المحادثات” التي يجريها الأطفال عادةً مع البالغين.
كشفت دراسة بحثية سُجلت فيها أصوات أطفال في سن ما قبل المدرسة في بيئات مختلفة، أن حديثهم كان أكثر تعقيداً وتطوراً ومعنى عندما كانوا منخرطين في لعب خيالي فيما بينهم، مما كان عليه عندما كانوا مشاركين في نشاط يقوده المعلم أو جالسين حول طاولة يتناولون الطعام.
كيفية عمل القواعد
هناك فرق شائع بين لعب البالغين ولعب الأطفال يكمن في نهجهم تجاه القواعد. عندما يلعب البالغون، فإنهم في الغالب يلعبون ألعاباً ذات قواعد محددة مسبقاً، مثل “سكرابل” أو التنس، ويحاولون اتباع تلك القواعد بأكبر قدر ممكن من الدقة.
في المقابل، عندما يلعب الأطفال، فإنهم غالباً ما يبتكرون اللعبة ويضعون القواعد. وحتى عندما يلعبون ألعاباً لها قواعد رسمية، ففي حال عدم وجود شخص بالغ لفرضها، فإنهم غالباً ما يعدلون القواعد وبذلك يبتكرون نسختهم الفريدة الخاصة من اللعبة. وهذه إحدى الطرق التي يكون بها لعب الأطفال عادةً أكثر إبداعاً من لعب البالغين.
أشار عالم النفس التطوري جان بياجيه في كتابه “الحكم الأخلاقي عند الطفل” إلى أن الأطفال يطورون فهماً أكثر تطوراً وفائدة للقواعد عندما يلعبون مع أطفال آخرين مما يفعلونه عند اللعب مع البالغين.
فمع البالغين، يتولد لديهم انطباع بأن القواعد ثابتة، وأنها تأتي من سلطة عليا ولا يمكن تغييرها. ولكن عندما يلعب الأطفال معاً، وبسبب التساوي الأكبر في علاقتهم، يشعرون بالحرية في تحدي أفكار بعضهم البعض حول القواعد. يؤدي هذا غالباً إلى التفاوض والتغيير في القواعد. يتعلمون بهذه الطريقة أن القواعد ليست منزلة من السماء، بل هي ابتكارات بشرية لجعل الحياة أكثر إنصافاً ومتعة، وأنه يمكن تعديلها لخدمة تلك الغايات بشكل أفضل. هذا الدرس هو حجر الزاوية في الديمقراطية.
كيفية معاملة الآخرين كأقران متساوين
الفرق الرئيسي بين البالغين والأطفال الذي يؤثر على تفاعلهم يتعلق بالقوة. فالبالغون، بسبب حجمهم الأكبر وقوتهم ومكانتهم وخبرتهم في العالم وسيطرتهم على الموارد، يمتلكون قوة وسلطة على الأطفال. وهذا يعني أن تفاعلات الأطفال مع البالغين تكون عموماً غير متوازنة عبر فجوة كبيرة في القوة. ولكي يصبحوا بالغين فاعلين، يجب على الأطفال تعلم الانسجام مع الآخرين كأقران متساوين. وفي أغلب الأحيان، لا يمكنهم ممارسة ذلك إلا مع أطفال آخرين، وليس مع البالغين.
للعب مع طفل آخر دون تدخل من شخص بالغ، يجب على كل طفل الانتباه لاحتياجات الآخر، وليس احتياجاته الخاصة فقط. يجب عليهم التغلب على النرجسية، ويجب أن يتعلموا المشاركة، ويجب أن يتعلموا التفاوض بطرق تحترم أفكار الشخص الآخر. كل هذا صحيح لأن الأطفال أحرار دائماً في الانسجام أو الانسحاب من اللعب، وسيرحل رفيقك إذا عاملته بطرق تجعله غير سعيد.
إن الانسجام مع الآخرين كأقران متساوين قد يكون أهم المهارات على الإطلاق التي يجب على البشر تعلمها من أجل حياة ناجحة. فبدون هذه القدرة، لا يمكن الحصول على زواج سعيد، أو أصدقاء حقيقيين، أو شركاء عمل متعاونين.
حرية النمو
كمجتمع، نحن نبخس قيمة لعب الأطفال مع بعضهم البعض، ونوفر لهم وقتاً وفرصاً أقل بكثير مما يحتاجون إليه للتطور الأمثل، وغالباً ما نقوض ذلك من خلال “الإفساد”. لكن اللعب هو المكان الذي يتعلم فيه الأطفال أهم دروس الحياة؛ تلك التي تساعدهم على أن يصبحوا بالغين أكفاء ومستقلين وقادرين على الازدهار جنباً إلى جنب مع الآخرين.
بيتر جراي– أستاذ أبحاث في علم النفس والعلوم العصبية في كلية بوسطن.
