إنّ من نظر إلى عاجلٍ طفيفٍ يفنى، وفوّت نعيمًا جليلًا يبقى، فأنّى له العقل السديد؟ وإنّما العقلاء حقًّا والنبهاء صدقًا، هم من تمسّكوا بالكتاب تصديقا وامتثالا في أنفسهم, ومنهجا أصلحوا به دنيا النّاس.

قال الله عزوجل: { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170], إنّها ثنائية التمسّك والإصلاح؛ وعندهما نقف وقفة تتجلّى فيها المعاني ونستخرج منها الدلالات.


أولًا: التمسك بالكتاب .. من الطقوسية إلى الحركية

هناك خلل في فهم معاني التمسّك بالكتاب في دنيانا, فقد قُصِرَ على التلاوة والحفظ وهذا قصور في الفهم، فإذا قرنا التلاوة والحفظ بمقاصد القرآن الكريم الأخرى وأمعنّا النّظر وجدنا الدائرة تضيق:
• فدائرة التدبّر والفهم أضيق من دائرة التلاوة والحفظ.
• ودائرة العمل بما جاء في التنزيل أضيق منهما جميعًا.
• أمّا الدعوة إليه والذبّ عنه والوقوف عند حدوده ففي انحسار مقلق.

والذي ينبغي أن يتّصف به المسلم المعاصر أن يتمسّك بالكتاب كالقابض على شيء عزيز لا يريد أن يُفلتَه, فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “يأتي على النّاس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر” ([1]  صحيح: رواه الترمذي (2260), سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (957)).

وفي الحديث في إخبار وإرشاد:

  • فأما الإخبار: فإنّه أخبر أنّه كلمّا تقدم الزمان قلّ الخير وأهله، وكثر الشر وأهله، وعند ذلك يصير المتمسك بدينه يجد من العنت والمشقة, كحالة القابض على الجمر؛ من قوة المعارضين، وكثرة المخالفين, وقلّة الظهير والنصير , وتفشي الفتن المضلة – فتن الشبهات والشكوك والإلحاد، وفتن الشهوات – وغرَق الناس في مستنقع الدنيا الآسن.
  • وأما الإرشاد: فإنه إرشاد لأهل التدين الصحيح، أن يعرفوا أنّ هذه القواطع لابد منها, وأن توطين النّفس على الجَلَد لا مناص منه, ومن استمسك بدينه وصبر على عناء المسير أتاه من الله تعالى المدد، فإنّ المعونة على قدر المئونة.

وما أشبه زماننا هذا بهذا الوصف الذي ذكره فإنّه ما بقي من الإسلام إلا اسمه أو كاد، ولا من القرآن إلا رسمه! إيمان ضعيف، وقلوب متفرقة، وحكومات متشتتة، وعداوات وبغضاء باعدت بين المسلمين، وأعداء ظاهرون وباطنون، يعملون سرًّا وعلنًا للقضاء على الدين، وإلحاد وماديات، جرفت بخبيث تيارها، وأمواجها المتلاطمة الشيوخَ والشبان، ودعايات إلى فساد الأخلاق، والقضاء على بقية الرمق!!.

ثمّ إقبال النّاس على زخارف الدنيا، وبحيث أصبحت هي مبلغ علمهم، وأكبر همهم، ولها يرضون ويغضبون، ودعاية خبيثة للتزهيد في الآخرة، والإقبال بالكلية على تعمير الدنيا وتدمير الدين، واحتقار واستهزاء بالدين وما ينسب إليه، وفخر وفخفخة، واستكبار بالمدنيات المبنية على الإلحاد التي آثارها وشرورها قد شاهده العباد [1] .

ما يجعل ضرورة التمسك بالكتاب كمرجعٍ في مناحي الحياة, صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، مع الصديق والعدو، في السِّلم والحرب، في الضيق والرخاء…أمر لازم, والخيار المنجي. إذ التمسّك بالكتاب ليس شعارًا يُرفع، بل منهجًا يُعاش.

ثانيًا: الإصلاح .. السد المنيع

مما تقرّر أن الخلق يولدون على الفطرة، مؤهّلين لسلوك طريق الهداية، ما لم تتدخّل أيادي الفساد والتضليل, والإغواء والتمييع, وقد جعل الله عزّ وجلّ القرآن الكريم سراجاً في صدر من انضوى تحت لوائه، وسار على نهجه وطريقه. وكلّ إصلاحٍ وذبٍّ عن حياض الدين لا يُباشَر باسم الله عزّ وجلّ فهو أبتر، منزوع البركة؛ سواء كان على مستوى الفرد أو الجماعة, إذ لا بدّ له من الإخلاص والإحسان.

وليعلَم من يغشى النّاس بإصلاحٍ وتقويم، ولا يباشر ذلك باسم الله، ويطلب-أي: منهج الإصلاح- في الشرق والغرب بعيدًا عن منهج الوحي، فهو مسكين قد ضلّ الطريق، وسيُضيّع العمر في طلب المحال، ويبدّد الجهد في غير موضعه، ثم يرجع كسيرًا ذليلًا.

وميدان الإصلاح شاملٌ للدين والدنيا، للذكر والأنثى، للكبير والصغير، للرئيس والمرؤوس، للفرد والجماعة, وكلٌّ يُصلح بحسب موضعه، وبقدر جهده, ومن سعى وبذل فقد أدّى ما عليه، وبرئت ذمّته.

ولهذا تحتفي الأمّة العاقلة بمُصلِحيها، وترفع من مكانتهم، لما تعلم من فضلهم في صَوْن الأمّة من الهلاك، قال تعالى: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } [هود: 117], وممّا يدعوا إلى التأمّل أنّ الشرع جعل لبعض الأعمال أثرًا في الذمّة والأمان، كما في حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي قال: “مَن صلّى الصبح فهو في ذمّة الله، فلا يطلبنّكم الله من ذمّته بشيء، فيدركه فيكبّه في نار جهنّم” ( رواه مسلم رقم: (657)) أي: في أمانه وضمانته, فإذا كان هذا في نفعٍ خاصٍّ بصاحبه، فكيف بمن كان نفعه متعدّيًا، وخيره متجدّدًا، وإصلاحه شاملًا للناس؟

والعقلاء ليسوا أصحاب نظرٍ بعيد فحسب، بل أصحاب التزامٍ عميق؛ يمسّكون بالكتاب منهجًا، ويسعوْن في الأرض مصلحين, وبين التمسّك والإصلاح تُبنى النجاة الفرد، وتُصان حياة الجماعة.

لا تجعل همك عند القراءة “كم ختمت؟”، بل “كم آية تمثلت”؟