لا ريب أنّ الصحابة لهم السبق في معرفة الوحي، وإدراك مقاصده وهداياته، إذ إنّهم شهدوا التنزيل وبيان التنزيل وملابساته وسياقاته، وفي واقع الأمر ما يميّز الصحابة هو أنّهم لم يكن لديهم اتّصال بالأمم الأخرى والثقافات القديمة أو السائدة حتى يتأثّروا بها، وما اكتسبوه من معارف إنّما هي جديدة أخذوها عن النبيّ ، فأوّل معارفهم بالكون والإنسان والقصص والتشريع وغيرها كان بتعليم النبيّ ، وهذا ما جعلهم أعلم الناس بنصوص الوحي ودلالاتها ومقاصدها، وأصفى ذهنًا وفكرًا، وما ثبت عنهم من قضايا الوحي والغيب والتشريع ونحو ذلك لا يمكن أن يكون إلا مما أخذوه عن النبيّ ، لذا كان قول الصحابيّ مهمًّا في بيان معاني نصوص السنّة وأبعادها ومقاصدها، وقد عبّر ابن عبّاس رضي الله عنه عن هذا المعنى في مناظرته مع الخوارج وذكرهم بمكانتهم في العلم وتقدّمهم في الفقه: (أتيتُكم من عند أصحابِ النّبيّ : المهاجرينَ والأنصارِ، ومن عند ابنِ عمِّ النَّبيِّ وصهره، وعليهم نزل القرآنُ؛ فهُم أعلمُ بتأويلِه منكم)([1]).

وما أودّ التأكيد عليه هنا أنّ فقه الصحابة ينبغي العناية به لشدّة الحاجة إليه، ولا يصحّ أن يكون حلقةً ضعيفة في البناء الفقهي (المذهبي)، بل فهومهم ينبغي أن تقدّم على سائر الفهوم، لا لكونهم صحابة فحسب، بل لكونهم شهداء حين ورود النصّ وبيانه وتنزيله([2])، والمنطق يقضي أنّ الشاهد على الواقعة أعلم بملابستها من الغائب. وليس المقصود من هذا عصمة الفهوم الصادرة عن الصحابة، ولكن تبقى فهومهم أولى وأوفق.

حجية الفهم الجمعي وإجماع الصحابة

ثم إنّ الحديث عن ضرورة اعتماد فهوم الصحابة لنصوص السنّة، إنّما نريد به الفهم الجمعي، أو اتفاقَهم فيه، لا الفهمَ الفرديّ – مع تقديره واحترامه -، والفهم الجمعيّ الذي لا يختلفون فيه حجّة، وما خالفه فمرجوح غير معتبر، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 115]

تأصيلات الأئمة لاعتماد فهوم السلف

حكى صالح بن الإمام أحمد عن أبيه في ردّه على من احتجّ بظاهر القرآن وترك ما فسّره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ودل على معناه،… قال أبو عبد اللَّه: (إنّ اللَّه جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه بعث محمّدًا نبيّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون … فكان رسول اللّه صلّى اللَّه عليه وسلّم هو المعبّر عن كتاب الله، الدال على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه من ارتضاه اللّه لنبيّه، واصطفاه له، ونقلوا ذلك عنه فكانوا هم أعلم الناس برسول اللّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وبما أخبر عن معنى ما أراه اللّه من ذلك بمشاهدتهم ما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبّرين عن ذلك بعد رسول اللّه صلّى اللَّه عليه وسلّم)([3]).

وقال الإمام ابن تيمية: (فما ثبت عنه من السُّنَّة فعلينا اتِّباعُه، سواءٌ قيل: إنَّه في القرآن، ولم نفهمه نحن، أو قيل: ليس في القرآن؛ كما أنَّ ما اتَّفق عليه السَّابقون الأوَّلون والذين اتَّبعوهم بإحسانٍ، فعلينا أن نتَّبِعَهم فيه، سواءٌ قيل: إنَّه كان منصوصًا في السُّنَّة ولم يبلُغْنا ذلك، أو قيل: إنَّه ممَّا استنبطوه واستخرجوه باجتهادِهم من الكتاب والسُّنَّة)([4]).

وقال أيضا: (ولا يجوز لأحدٍ أن يَعدِلَ عمَّا جاء في الكتابِ والسُّنَّة، واتَّفق عليه سلفُ الأمة وأئمَّتُها…)([5]).

ونقرأ في السياق نفسه عبارة الإمام الشاطبي: (يترجّح الاعتماد عليهم في البيان من وجهين:

أحدهما: معرفتهم باللسان العربي؛ فإنّهم عرب فصحاء، لم تتغيّـر ألسنتهم ولم تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم؛ فهم أعرف في فهم الكتاب والسنّة من غيرهم، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان؛ صحّ اعتماده من هذه الجهة.

والثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنّة؛ فهم أقعد في فهم القرائن الحالية وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات، أو تخصيص بعض العمومات؛ فالعمل عليه صواب، وهذا إن لم ينقل عن أحد منهم خلاف في المسألة، فإن خالف بعضهم؛ فالمسألة اجتهادية.

مثاله قوله عليه الصلاة والسلام: “لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر”؛ فهذا التعجيل يحتمل أن يقصد به إيقاعه قبل الصلاة، ويحتمل أن لا، فكان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان يصليان المغرب قبل أن يفطرا، ثم يفطران بعد الصلاة بيانا أنّ هذا التعجيل لا يلزم أن يكون قبل الصلاة، بل إذا كان بعد الصلاة؛ فهو تعجيل أيضا، وأنّ التأخير الذي يفعله أهل المشرق شيء آخر داخل في التعمق المنهي عنه، وكذلك ذكر عن اليهود أنهم يؤخرون الإفطار؛ فندب المسلمون إلى التعجيل)([6]).

ضوابط قاعدة فهم الكتاب والسنة

وهكذا وجدنا نصوص ابن تيمية وغيره، تؤكّد على حجيّة اتّفاق الصحابة وإجماعهم في اجتهادهم وبيانهم للسنّة، وفي هذا المقام يَرِدُ سؤال وهو: هل فهوم الصحابة حجّة لازمة لكونهم صحابة أم لكونهم اتّفقوا وأجمعوا؟ والجواب: لا شكّ أنّ الحجيّة قائمة لإجماعهم واتّفاقهم، كما لو أجمع غيرهم من التابعين – مثلا – فيكون حجّةً لإجماعهم لا لأشخاصهم ومكانتهم فحسب، وأمّا اجتهاد أفرادهم من غير اتّفاق فمحلّ اختلاف بين أهل العلم، كما هو مقرّر في علم الأصول.

من هنا أرى أنّ القاعدة المتداولة لدى كثير من أهل العلم وطلّابه وهي: “فهم الكتاب والسنّة بفهم السلف الصالح”، ينبغي أن تضبط على النحو الذي سبق بيانه.

تعليق وتصويب حول حجية قول الصحابي

تعليق: ليس المقصود من هذا البيان أنّ اجتهاد الصحابيّ في فهم الحديث والعمل به غير معتبر([7])، كلّا، ولكن المقصود أنّ الخروج عن فهمه الذي اجتهد فيه إلى فهم آخر لا تثريب فيه، بخلاف ترك الفهم الجمعيّ، غير أنّي أستدرك لأستثني قول الصحابيّ صاحب القصّة أو الشاهد عليها الملابس لها، بل ربما كان هو سببًا في ورود الحديث، فقوله حجّة في ذلك إذا صحّ سند الخبر إليه([8]).

وكذلك إذا انتشر قول الصحابي بين الناس ولم يوجد له منكر ومخالف في زمانهم فهو حجّة أيضا على رأي أكثر العلماء. أمّا إذا لم يشتهر قوله بين الناس لكن لا يعرف له منكر، ففيه خلاف بين العلماء، والذي ذهب إليه أبو حنيفة ومالك وأحمد في الرواية المشهورة أنه حجّة([9]).

ثم ما نؤكده ونصوّبه: أنّ البحث في حجّيّة قول الصحابي ليس من مباحث العقيدة كما قد فهم طائفة من الناس، ليس الأمر مرتبطا بمدح الموافقة للسلف الصالح، أو على ذم الخروج عن مذهبهم([10])، فلا ينبغي الخلط بين مقام التوقير للسلف وبين مقام الاحتجاج بآرائهم، وإنما الأمر يتعلّق بمسألة أصوليّة اختلف فيها أهل السنّة أنفسهم، فلا ينبغي المزايدة فيه أو التوظيف غير المنهجي، فلا يجوز حمل المسألة ما لا تحتمل، وإلا لرمينا كثيرًا من أئمّة السلف كمالك وأحمد وآخرين بخروجهم عن منهج أهل السنّة والجماعة لمخالفتهم بعض أقوال الصحابة، اقرأ – مثلا – ما نقله الميمونيّ عن الإمام أحمد، قيل له: (إن قومًا يحتجّون في النحل بفعل أبي بكر، فقال: هذا فعلٌ ورأيٌ من أبي بكر، ليس هذا عن النبيّ )([11]).

وكذا ما رواه المرّوذي عنه: يقول – يعني الإمام أحمد – إنّ ابن عمر رضي الله عنهما يقول على قاذف أم الولد الحدّ، وأنا لا أجترئ على ذلك، إنّما هي أمة أحكامها أحكام الإماء)([12]).