في زحمة الأروقة المزدحمة بالكتب والروائح العابقة بورق المعرفة، يتحول معرض الدوحة الدولي للكتاب إلى مختبر حيّ للثقافة العربية المعاصرة. هنا، لا تقتصر الفعاليات على عرض الإصدارات فحسب، بل تمتد لتصبح منصة حوارية تجمع بين عذوبة الشعر النبطي والفصيح، وعمق النقاشات الفكرية حول دور المثقف في زمن التحولات، وأحدث الإصدارات المتخصصة في القانون والعمل الرقمي وإدارة رأس المال البشري.
بين سطور القصائد الوطنية وجدليات الهوية، ودقائق الكتب القانونية والإدارية، يرسم المعرض لوحة متكاملة تثبت أن الكلمة لا تزال جسرًا يربط بين الذاكرة العريقة ومستقبل يتشكل بخطى واعية، وأن الثقافة في الدوحة ليست ترفًا فكريًا، بل حاجة مجتمعية ونافذة على العالم.
شاعرات الخليج يرسمن لوحة إبداعية في حب قطر
افتتحت وزارة الثقافة أمسية شعرية نسائية استثنائية في قلب معرض الدوحة الدولي للكتاب، جمعت بين عذوبة اللفظ وقوة المعنى، بحضور نخبة من المسؤولين والمثقفين، على رأسهم سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي، وسعادة السيد محمد ياسين صالح وزير الثقافة السوري، والسيد مبارك بن عبدالله آل خليفة الوكيل المساعد للشؤون الثقافية بوزارة الثقافة.
أدارت الأمسية الإعلامية بدرية حسن، التي استهلّت حديثها بقولها: «في الكلمة سحر، والقصائد مهما تغيرت أزمانها ما زالت قادرة على أن تفتح في الروح نافذة من جمال»، مشيرة إلى أن هذه الأمسية تمثل تلاحمًا شعريًا خليجيًا يمتد بين قطر والسعودية، بصوت امرأتين تؤمنان بأن «الحرف حياة».
وتألقت في سماء الشعر الفصيح الأكاديمية والشاعرة الدكتورة زينب المحمود، أستاذة علم اللغة بجامعة قطر وحاملة لقب «فصيحة قطر»، التي شددت على العلاقة الجدلية بين اللغة والهوية، واصفة العربية بـ«سلاح الشاعر المفكر ومفتاح الوعي الذي يرتقي بالإنسان». وأكدت أن قالب الشعر، بفضل سجعه وقوافيه، يوصل الرسائل المجتمعية إلى القلوب أسرع من أي خطاب آخر، قبل أن تلقي مجموعة من قصائدها الفصحى، بينها قصيدة وطنية بعنوان «قطر الحضارة» وصفت فيها الوطن بالرفعة والتمام.
أما في بحور الشعر النبطي، فأبحرت الشاعرة السعودية العنود الواصلية، نجمة مسابقة «مثايل» بموسمها الثالث، بالحضور في رحلة وجدانية عذبة. وأوضحت أن الإلهام ينتهي بمجرد بدء الكتابة، معتبرة القصيدة «طريقتنا الخاصة في البكاء والتعبير عما عجزت عنه الدموع»، وتعاملت مع كلماتها كبنات أفكار تمارس معها غريزة الأمومة. وخصت قطر، قيادة وشعبًا، بأبيات صاغتها بحب قبل هبوط طائرتها في الدوحة، قدمت خلالها قصيدة «شرف الخصومة» ومجموعة من النصوص الوجدانية التي كشفت عن مخاوف الشاعر ومصادر إلهامه.
وفي لمسة إنسانية مؤثرة، ألقت سعادة الوزيرة لولوة الخاطر قصيدة بعنوان «زمان التيه وعصا موسى»، مستحضرًا فيها معاناة قطاع غزة والأحداث الجارية، مما أضفى على الأمسية بعدًا إنسانيًا وسياسيًا عميقًا.
إصدارات متخصصة.. القانون والعمل في عصر الرقمنة
تواكبًا مع التحولات المتسارعة في أنماط العمل عالميًا، دشّن المعرض كتاب «الموجز في عقد العمل عن بُعد» للدكتور مبخوت البوفريج المري، الصادر عن دار الوتد للكتب والمطبوعات. ويأتي الإصدار في وقت يشهد فيه سوق العمل تحولًا جذريًا نحو النمط الرقمي، حيث يسلط المؤلف الضوء على الجوانب القانونية والتنظيمية لعقد العمل عن بُعد، معرّفًا إياه بأنه التزام بأداء مهام مادية أو ذهنية دون التواجد في مقر المنشأة أو الاعتماد على مرافقها التقليدية. ويتناول الكتاب الفروق الجوهرية بين هذا العقد والعقد التقليدي، والتزامات العامل عن بُعد، وحقوقه، والسلطات الإدارية لصاحب العمل، مقدمًا إطارًا قانونيًا حديثًا يسهم في تعزيز الوعي التشريعي وتنظيم بيئات العمل المعاصرة.
وفي إطار إثراء المكتبة العربية بالمراجع المهنية، أطلقت الكاتبة والباحثة القطرية سلوى حسين الباكر سلسلة متخصصة في إدارة الموارد البشرية، تضم ثلاثة كتب تجمع بين العمق الأكاديمي والتطبيق العملي. وتستهدف السلسلة طلبة الجامعات والدراسات العليا، بالإضافة إلى مديري وموظفي إدارات الموارد البشرية في القطاعين العام والخاص. وتشمل السلسلة:
- المفاهيم والأسس النظرية في إدارة الموارد البشرية: قاعدة معرفية شاملة تتناول التحليل الوظيفي، الاستقطاب، التدريب، والعدالة التنظيمية في عصر التحول الرقمي.
- التدريب والتطوير: يركز على تحديد الاحتياجات التدريبية، تصميم البرامج، قياس الأثر، واستشراف مستقبل التدريب في ظل الثورة الصناعية الرابعة.
- استراتيجيات إدارة الموارد البشرية: طرح تحليلي يربط النظريات الإدارية بالتطبيق الواقعي، ويتناول التخطيط الاستراتيجي، إدارة المواهب، وصناعة القرار التنظيمي.
وأعربت الباكر عن امتنانها للدكتورة عائشة جاسم الكواري الرئيس التنفيذي لدار روزا للنشر، مؤكدة أن السلسلة تنطلق من حاجة ماسة إلى مراجع عربية حديثة تُعد كوادر قادرة على مواكبة تحديات سوق العمل المعاصر. وتجلب الكاتبة معها خبرة تمتد لنحو 21 عامًا في العلاقات العامة والموارد البشرية، حيث عملت في شركة رأس لفان للكهرباء وأسهمت في مبادرات تطويرية وتدريبية مؤسسية عديدة.
حوارات فكرية.. المثقف العربي بين منع الانهيار وبناء الوعي
في إطار الفعاليات الحوارية، عقدت ندوة «المثقف العربي في الأزمات»، التي ناقشت التحديات الفكرية والثقافية في ظل المتغيرات السياسية والتكنولوجية المتسارعة. شارك فيها د. خالد الجابر المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، والكاتب القطري خليفة آل محمود، ود. لقاء مكي باحث أول في مركز الجزيرة للدراسات، وأدارها الإعلامي محمد الحمادي.
وأكد د. الجابر أن المثقف العربي انتقل من سؤال «كيف نبني المستقبل؟» إلى «كيف نمنع الانهيار؟»، مشيرًا إلى أن النهضة الحقيقية لا تُبنى بالشعارات بل بالمؤسسات والمعرفة والحرية، وأن المثقف داخل الدولة الضعيفة قد لا يغير الواقع بمفرده، لكنه يحافظ على وظيفة العقل النقدي. بدوره، شدد آل محمود على ضرورة انخراط المثقف في قضايا المجتمع بعيدًا عن الخطاب النخبوي المغلق، مطالبًا بخطاب ثقافي واقعي قادر على التأثير وتماسك المجتمع. أما د. لقاء مكي، فركز على الدور الاجتماعي والدعوي للمثقف في مواجهة الدعاية الموجهة والخطابات الدخيلة، ورفع الوعي بالتحديات الرقمية والهوية الوطنية.
وتزامنًا مع هذا الحراك الفكري، دشنت الكاتبة الجازية راشد سعود السليطي إصدارها الأول «العمل الرقابي لديوان المحاسبة في نطاق الاختصاصات والمعوقات»، بالتعاون مع دار الوتد. ويتناول الكتاب الدور الرقابي كعنصر أساسي في دعم كفاءة الأداء المؤسسي وترشيد الإنفاق والحد من الهدر المالي، بما ينسجم مع مبادئ الحوكمة والتنمية المستدامة. ويناقش الاختصاصات الرقابية وأبرز المعوقات التي تؤثر في فعاليتها، مقدمًا طرحًا علميًا يثري المكتبة القانونية والإدارية.
“عقد المشموم” يستعيد عبق الماضي القطري
وفي زاوية التراث والذاكرة، وقعت الكاتبة والإعلامية زهرة السيد كتابها الجديد «عقد المشموم» بجناح دار روزا للنشر. يوثق الكتاب الصادر عن شركة الخليج للنشر والطباعة جانبًا من التراث القطري والحياة الاجتماعية القديمة عبر مقالات سبق نشرها في الصحف المحلية، انتقت منها الكاتبة ما يرتبط بذاكرة المكان والإنسان القطري بلغة أدبية تستحضر عبق الماضي.
تستعيد الكاتبة عبر صفحات الكتاب تفاصيل الطفولة في «الفريج» القديم، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع، مقدمة نصوصًا تحمل أبعادًا إنسانية وتراثية، إلى جانب ملفات أدبية من مجلة «هي وهو». وقدّم للكتاب سعادة الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري وزير الدولة ورئيس مكتبة قطر الوطنية، مشيدًا بالدلالات الوجدانية للعنوان، وقال: «جيلنا يتذكر تمامًا (عقد المشموم)… مرتبطًا بالأعياد والأفراح وكل المناسبات الجميلة. واختياره عنوانًا يعيد القارئ إلى مرحلة اتسمت بالبساطة والمودة والترابط الاجتماعي، بما تحمله من عادات وتقاليد وألعاب شعبية ومصطلحات بحرية”.
