إن ميزان النفس الحقيقي ينطلق من قاعدة أن هم المرء مسبار ذاته؛ فـ ما أحسن أن يتفرس المرء في نفسه حتى يعرف حقيقتها، ويسبر أغوارها؛ إذ كلُّ العطب يأتي من قِبَل جهل المرء بهَمِّ نفسه، فـ همُّك وما تريد هو الباب الأعظم لمعرفتك بنفسك؛ قال الله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لها سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 18-19].
والكثير يشتغل بما ضُمن له ويفرط فيما طُلب منه وهذا لعمري هو الخذلان!!!
ومن أعظم الوصايا التي تجلّي هذا المعنى وصيّة الشيخ عبد القادر الجيلاني -رحمه الله- لغلامه حين قال له: “يا غلام! لا يكن همك ما تأكل، وما تشرب، وما تلبس، وما تنكح، وما تسكن، وما تجمع؛ كل هذا همُّ النّفس والطبع، فأين همُّ القلب؟! هَمُّك ما أهمَّك، فليكن همك ربك -عز وجل- وما عنده”.
ولكن كثيراً من الناس يفقدون البوصلة في زحمة الحياة، فينقضي العمر فيما يضرهم ولا ينفعهم، ويبددون الجهد فيما لا يرجع عليهم بكبير فائدة، ويَفْرقون من مواجهة أنفسهم، والسماع لنداء الفطرة، والانغماس في شواغل ومشتتات فتكون بمثابة “تخدير” مؤقت للوعي، وإسكات لصوت الفطرة، فيخسرون في الدارين، وإنَّ هذا لهو الغباء القاتل.
عن كأس العالم أحكي ولا أفتي
إنّها الساحرة المستديرة كما يحلو للبعض أن يسميها، ولكنها الساخرة التي تأكل العمر، وتضر بالبدن، وتوغر القلوب، وإن أسَرَّت حيناً أحزنت أحياناً، وإنّ العجب لا ينقضي ممَّن يدعي أنه رياضي وهو لا يمارس الرياضة، بل يفعل عكس ما يدعي فيشرب الدخان وغيره في أثناء المشاهدة !!!
إنّ ما يخسره المرء وهو يشاهد كرة القدم، أضعاف ما يجده من لذة عابرة؛ فما أحوج المرء إلى قربٍ من الله -عز وجل- يؤنسه، ومن عملٍ يُتقنه فيُبارَك له في رزقه، وإلى جلسةٍ مع زوجه وأولاده يسمع لهم، وإلى تعلم شيءٍ ينفعه…
إنَّ جهل الإنسان بما ينفعه ويضره خطأ قاتل، وهذا ما لا يرتضيه العاقل، فمن عرف ما يريد، واهتم بما يرفعه؛ أبدًا لا يلتفت إلى ما يُضعف مِشيته.
نموذج ملهم: عاقل أهل الأندلس
ومن أمثال هؤلاء الملهمين يحيى بن يحيى الليثي -رحمه الله-؛ فلمّا رحل إلى الإمام مالك -رحمه الله- وهو صغير، وسمع منه وتفقه (وكان مالك يعجبه سمته وعقله)، وقد رُوِي أنّه كان يوماً عند مالك-رحمه الله- في جملة أصحابه، إذ قال قائل: “قد حضر الفيل!”، فخرج أصحاب مالك لينظروا إليه غيره (أي: وبقي يحيى مكانه)، فقال له مالك: “لِمَ لا تخرج فترى الفيل، لأنه لا يكون بالأندلس؟”، فقال له يحيى:
“إنما جئت من بلدي لأنظر إليك، وأتعلمَ من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل”؛ فأُعجِب به مالك، وسماه “عاقل أهل الأندلس” [1].
كم ألهتنا الفيلة! مقطع ريلز، وشورتز، وتيكتوك، وسيارة، وثوب، ومباراة كرة قدم… إلخ، وصرفتنا عمّا نريد، وبقينا في سجن الأماني، وقد قيل: “الأماني بضاعة النوكى -أي: الحمقى-“.
إنّه من المباح مشاهدة حيوان غريب، والترويح عن النفس، ولكن وقت المسلم أضيق من أن يشغل شيئاً منه بمباحٍ لا يجني من ورائه شيئاً لنفسه، أو لقضيته التي تشغله ليلاً ونهاراً. متى نتعلم من مثل هذا؟ فالنجاح ليس ضربة حظ أو هبة تُعطى للكسالى والبطالين والحمقى؛ إنّما هو عطاء من المنان إلى من أخذ بالأسباب، ولم يتلهَ بالألعاب، وتوكّل على الكريم الوهّاب.
الاشتغال المرضي بالناس (الفضول وتتبع عورات الآخرين)
وهذه هي الداهية الكبرى في هذا الزمان؛ اشتغالٌ بالخلق عن الخالق، وتتبعٌ للأخبار وتفاصيل حياة النّاس لحدِّ أن نسي النّاس أنفسهم، ويا ليته كان شُغلَ من يبحث عن خيرٍ ليوصله؛ وعن ضرٍ ليدفعه، بل هو شُغل من يبحث عن العورات، ويفتش عن الثغرات، ويعدد السقطات، ويطلق لسانه في أعراض الناس بالغيبة، ويا لها من سقطة!
والغيبة: أن تذكر إنساناً بما يكرهه لو سمعه، فأنت مغتاب ظالم وإن كنت صادقاً، وقد بيّن النّبي ﷺ معنى الغيبة ببيان لا يحتاج بعده إلى بيان؛ فلمّا سأل: يا رسولَ اللهِ، ما الغِيبةُ؟ قال: “ذكرك أخاك بما يكره”. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: “إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته” [2].
احذر خداع النفس وتزكيتها بالتجريح
واحذر نفسك أن تخدعك بانتقاص مَن ظاهرهم الصلاح وديدنهم الإصلاح، وهو أن تُفهِم المقصود من غير تصريح، فتقول: “أصلحه الله، فقد ساءني وغمني ما جرى عليه، فنسأل الله تعالى أن يصلحنا وإياه”؛ فإن هذا جمعٌ بين خبيثين:
أحدهما: الغيبة إذا حصل به التفهيم.
والآخر: تزكية النّفس والثناء عليها بالتجريح لغيرك والصلاح لنفسك.
ولكن إن كان مقصودك من قولك (أصلحه الله) هو الدعاء، فادعُ له في السر، وإن اغتممت بسببه، فعلامة ذلك أنّك لا تريد فضيحته وإظهار عيبه؛ وفي إظهارك الغم بعيبه إظهارٌ لتعييبه.
ويكفي المرء زاجراً عن الغيبة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12]؛ فقد شبّهك الله بآكل لحم الميتة، فما أجدرك أن تحترز منها!
علاج الغيبة والاشتغال بالآخرين
ويمنعك عن الغيبة أمر لو تفكرت فيه، وهو أن تنظر في نفسك: هل فيك عيب ظاهر أو باطن؟ وهل أنت مقارف معصية سراً أو جهراً؟ فإذا عرفت ذلك من نفسك، فاعلم أنّ عجزه عن التنزه عما نسبته إليه كعجزك، وعذره كعذرك، وكما تكره أن تفتضح وتُذْكر عيوبك، فهو أيضاً يكرهه؛ فإن سترته ستر الله عليك عيوبك، وإن فضحته سلّط الله عليك ألسنة حداداً يمزقون عرضك في الدنيا، ثم يفضحك الله في الآخرة على رؤوس الخلائق يوم القيامة.
وإن نظرت إلى ظاهرك وباطنك فلم تطلع فيهما على عيب ونقص في دين ولا دنيا، فاعلم أن جهلك بعيوب نفسك أقبح أنواع الحماقة، ولا عيب أعظم من الحمق! ولو أراد الله بك خيراً لبصّرك بعيوب نفسك، فرؤيتك نفسك بعين الرضا غاية غباوتك وجهلك، ثمّ إن كنت صادقاً في ظنك، فاشكر الله تعالى عليه، ولا تفسده بثَلْب النّاس والتمضمض بأعراضهم؛ فإن ذلك من أعظم العيوب [3].
والعافية أن تجعل من قول النّبي ﷺ: “إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” [4] نمط حياة، وميزان تفريق بين ما تُقبل عليه، وبين ما تَنصرف عنه.
