بين شاشة هاتف ذكي يفتح أبواب العالم، وقلب أم يحلم لأبنائه بالمستقبل الآمن، تقف التربية الوالدية اليوم كجسر يربط بين الأصالة والمعاصرة. فكيف نرشد أبناءنا في فضاء رقمي لا يعرف الحدود، ونحصّنهم بقيم تربوية راسخة في آن واحد؟ سؤال يطرح نفسه بقوة على كل أسرة قطرية اليوم، وكان حاضراً بقوة في حلقة نقاشية استثنائية عُقدت في الدوحة بمناسبة يوم الأسرة، تحت عنوان “التربية الوالدية والتحديات المعاصرة: من الوعي إلى الممارسة”.
الأسرة القطرية أمام مفترق طرق
تمكين الوالدين لم يعد مجرد مهمة تربوية، بل ضرورة استراتيجية في عصر تتسارع فيه التحديات الرقمية والاجتماعية. بهذه القناعة تم تنظيم حلقة نقاشية رفيعة المستوى في الدوحة بمناسبة يوم الأسرة في دولة قطر، جمعت صانعي السياسات والمختصين والأسر، لترجمة الوعي النظري إلى أدوات عملية يومية.
ففي عالم يتسارع فيه نبض التكنولوجيا، وتتداخل فيه الحدود بين الواقع الافتراضي والحياة اليومية، تقف الأسر اليوم عند مفترق طرق حاسم: كيف نربي جيلاً ينشأ بين يديه مفاتيح العالم الرقمي، ونحمي في الوقت ذاته قيمه وهويته واستقراره النفسي؟
هذا السؤال الجوهري كان محور الحلقة النقاشية التي جمعت صانعي السياسات، والخبراء التربويين، والأسر في حوار مفتوح حول أحد أهم تحديات عصرنا: تمكين الوالدين ليكونوا بوصلة أبنائهم في فضاء رقمي متلاطم الأمواج.
لم تعد التربية الوالدية اليوم ممارسة تقليدية تُورَّث جيلاً بعد جيل، بل أصبحت مهارة حياتية قابلة للتعلّم والتطوير، تحتاج إلى وعي متجدد، وأدوات عملية، ودعم مؤسسي مستدام. ففي ظل طفرة التواصل الرقمي، وتنوع مصادر التأثير على الناشئة، وتغير أنماط العلاقات الأسرية، يجد الكثير من الآباء والأمهات أنفسهم أمام معادلة صعبة: كيف يوازنون بين منح أبنائهم حرية الاستكشاف، وضمان سلامتهم النفسية والاجتماعية في آن واحد؟
من هنا، تأتي أهمية هذه الحلقة النقاشية التي نظمتها وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة بالتعاون مع معهد الدوحة الدولي للأسرة، عضو مؤسسة قطر، لتؤكد أن الاستثمار في مهارات الوالدية ليس خياراً ثانوياً، بل هو مسار وقائي استراتيجي يدعم تماسك الأسرة، ويبني جيلاً واعياً قادراً على توظيف التكنولوجيا دون أن يُستَخدمَ بها.
هدفت الحلقة إلى تسليط الضوء على أبرز التحديات التي تواجه الأسر في عصرنا الحالي، مع التركيز على تمكين الوالدين بالمهارات والأدوات اللازمة لتحويل المعرفة التربوية إلى ممارسات يومية مستدامة.
تحديات رقمية واجتماعية متسارعة
جمعت الحلقة النقاشية نخبة من الخبراء والمختصين والأسر لمناقشة التحديات المتزايدة التي يواجهها الوالدون. تركز النقاش على أهمية إعداد الأفراد لمرحلة الأبوة والأمومة، وتعزيز فهمهم لأساليب التربية والتنشئة السليمة. كما شددت على ضرورة بناء بيئات أسرية داعمة تلبي الاحتياجات النفسية والاجتماعية للأبناء عبر مختلف مراحل النمو، خاصة في ظل التحديات الرقمية المتنامية، وتسارع وتيرة الحياة، وتغير أنماط العلاقات داخل الأسرة.
الاستثمار في الوالدية دعامة للتماسك الأسري
أكدت الدكتورة شريفة نعمان العمادي، المدير التنفيذي لمعهد الدوحة الدولي للأسرة، على أن الاستثمار في مهارات الوالدية يعد من أهم المسارات الوقائية الداعمة لتماسك الأسرة. وأوضحت قائلة: “تمكين الوالدين يبدأ من تزويدهم بالمعرفة العملية والمهارات القابلة للتطبيق في الحياة اليومية، بما يساعدهم على بناء علاقات أكثر توازناً مع أبنائهم، والاستجابة بوعي للتحديات النفسية والاجتماعية التي قد تواجه الأسرة، ومن هنا تأتي أهمية تعزيز الحوار المجتمعي حول التربية الوالدية باعتبارها ممارسة مكتسبة تتطور مع المراحل المختلفة لنمو الأبناء”.
من جانبها، شاركت الدكتورة مريم المالكي، المدير التنفيذي لمركز التربية الوالدية (كنف)، رؤيتها حول أهمية تزويد الوالدين بالمهارات العملية والمسارات الداعمة التي تساعدهم على الاستعداد لمراحل الوالدية المختلفة، وتعزز قدرتهم على بناء علاقات أسرية صحية ومتوازنة. كما قدمت تصوراً كاملاً عن رؤية وأهداف وبرامج مركز “كنف” الذي افتتح مؤخراً، مؤكدة أنه يمثل منصة وطنية متخصصة لدعم الوالدين وبناء قدراتهم التربوية.
الشبرمي: التربية الوالدية تواجه عصر رقميا جديدا
في تصريحات صحفية، أشار أديب الشبرمي، أخصائي المناصرة في معهد الدوحة الدولي للأسرة، إلى أن التربية الوالدية تمر بالعديد من التحديات في هذا العصر. وشدد على أن “الطفل في المنزل قد يذهب به الهاتف إلى شرق الأرض ومغاربها، لذلك فالتربية الوالدية أمامها تحديات جديدة مختلفة ومتنوعة”.

وأوضح الشبرمي أن الحلقة النقاشية استضافت أخصائيين قدموا نصائح غاية في الأهمية حول كيفية الانتقال من الوعي إلى الممارسة في قضايا التربية الوالدية. ودعا الآباء والأمهات، في حال واجهوا صعوبة في التعامل مع مواقف تربوية معينة أو لم يكن لديهم الوعي والمهارة اللازمة، إلى ضرورة التواصل مع المؤسسات المختصة في هذا المجال دون تردد، خاصة وأن الدولة توفر كل الجهود والإمكانات وبشكل مجاني لدعم الأسر وتعزيز مهارات التربية لدى الوالدين.
كما نوه الشبرمي بالدور المهم للمؤسسات المختصة كمعهد الدوحة الدولي للأسرة، الذي يقدم العديد من البحوث والدراسات في مجالات الأسرة والتربية، وينظم الدورات والندوات، ولديه برنامج “تنشئة” الخاص بالطفل والكثير من البرامج الأخرى، مؤكداً أن من أهم أهداف هذه المؤسسات تعزيز مهارات التربية وحفظ كيان الأسرة.
دور المؤسسات الداعمة: جسر بين الوعي والممارسة
تناولت الحلقة النقاشية أيضاً دور البرامج المتخصصة، والمدارس، والمؤسسات المجتمعية في دعم الأسر. تم التأكيد على أهمية تقديم مسارات إرشادية تساعد الأفراد على الاستعداد للأبوة والأمومة، وتطوير أساليب تربوية مرنة تعزز الأمان النفسي والتواصل الفعال داخل الأسرة. ويعكس هذا التوجه التزام وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة ومعهد الدوحة الدولي للأسرة بمواصلة دعم الأسرة من خلال مبادرات وحوارات مجتمعية تسهم في تمكين الوالدين، وتعزيز المهارات الوالدية، وترسيخ بيئة أسرية أكثر توازناً واستقراراً في دولة قطر.
نحو أسرة قطرية واعية ومستقرة
تؤكد هذه الحلقة النقاشية على الأهمية القصوى للتربية الوالدية في بناء مجتمع قوي ومستقر. فمن خلال تضافر الجهود بين المؤسسات الحكومية والمجتمعية والخبراء، يمكن للأسر القطرية أن تواجه التحديات المعاصرة بثقة ووعي، محولةً المعرفة النظرية إلى ممارسات تربوية فعالة تضمن تنشئة أجيال قادرة على مواكبة التطورات والمساهمة في بناء مستقبل مشرق.
