شريعة

الالتزام الديني بين الواجبات العينية والكفائية

مفهوم التدين لدى الفرد المسلم ولوازمه في إصلاح نفسه ومجتمعه

Feature image

إن من الفكر السائد في المجتمع الإسلامي اليوم استعمال مصطلح “الالتزام الديني” أو ما يسمى “بالتدين” على بعض الواجبات العينية التي يقوم بها الفرد بوصفه مسلما، مثل إقامة الصلاة وأداء الزكاة، وكثرة التردد على المساجد، والتحلي بالأخلاق الفاضلة، والاحتراز عن مساوئ الأخلاق، وحضور جلسات الذكر والعلم، ونحو ذلك، مع أن مصلحتها قاصرة على الفرد نفسه، وأثرها شخصي وهو إصلاح علاقته بربه، ويتغاضى الزخم الكبير من العامة بهذا الحصر للمفهوم عن واجبات كفائية مع كونها هي أعمق معنى وأثرا من الواجبات العينية، لأن خطابها موجه لجميع أفراد المجتمع، ومصلحتها من حيث الأثر أوضح، فإن القيام بها يسقط الحرج عن عامة الأمة، والعمل المتعدي أفضل من القاصر، بل لا تستقر أحوال العامة إلا بها، مثل تجهيز الميت، وطلب العلوم وتحصيلها بشتى تخصصاتها، وإغاثة المستضعفين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورئاسة الدولة وتعيينها، والجهاد، ومقاومة الغزو الفكري والإعلامي ونحو ذلك مما يدخل عند الأصوليين تحت الواجبات الكفائية.

ولعل من أسباب حصر هذا المعنى من الأمة ما ذكره د. المصطفي تودي ، من سوء فهم الأمة لواجباتها الكفائية، وإشكالية التسمية عند العلماء الأصوليين، إهمال العمل الحركي والدعوي للواجب الكفائي، وتداخل مسؤولية الدولة والأمة في القيام بالواجب الكفائي، وأضيف ها هنا مشكلة ضعف الوازع الديني  – وإلى الله المشتكى -.

الشريعة لم تفرق بين الواجبات الكفائية والعينية من حيث الالتزام بهما، لأن المخاطب في كلا النوعين هو المسلم المكلف ابتداء، ويقع أداؤهما منه على وجه الإلزام والتحتم

إن الخطاب الديني والالتزام به يلزم الفرد والمجتمع على حد سواء، فإن الشرع يخاطب الفرد بشكل خصوصي ويعالج حاجات المجتمع بطريق واسعة النطاق، للعلاقة بين الفرد والمجتمع، فالمرء ابن بيئته، ولا يتوقع أن  يستقيم تدين الفرد بدون مجتمعه، لذلك تنوع الخطاب الديني بين هذا وذاك، تارة باعتبار الفرد مسلما مكلفا، وباعتباره واحدا من المجتمع تارة أخرى، وتدين الفرد باعتبار الأول هو تدين فردي أو شخصي، وباعتباره الآخر فهو تدين مجتمعي تضامني.

وهذه الواجبات الكفائية لا تقل أهمية من الواجبات العينية خصوصا أن القيام بها والمحافظة عليها تحقق مصالح الأمة في جميع مقوماتها الحياتية، واستقرار هويتها وتعزيز مصيرها، يقول الإمام الشاطبي: إن الكفائي قيام بمصالح عامة لجميع الخلق. ويقول العز بن عبد السلام: اعلم أن المقصود لفرض الكفاية تحصيل المصالح ودرء المفاسد. ومن هنا يرجح أن الواجب الكفائي مكمل للعيني، لأن الواجب العيني لا يقوم إلا بالكفائي.

كما أن الشريعة لم تفرق بين الواجبات الكفائية والعينية من حيث الالتزام بهما، لأن المخاطب في كلا النوعين هو المسلم المكلف ابتداء، ويقع أداؤهما منه على وجه الإلزام والتحتم، ويثاب عليهما إن أداهما على وجه المطلوب، ويؤثّم إن تركهما بدون عذر، وإن كان هذا الأمر لا يلغي الفروق الموجودة بينهما، ويمكن أن نشير لهذه الفروق بما يتمم الفائدة.

الفروق بين الواجبات العينية والكفائية

ترجع الفروق بين الخطاب الكفائي والخطاب العيني إلى ذات الفعل، وكيفية أدائه، والمصلحة التي تراعى منه.

والخلاصة أن العبرة في الفعل الكفائي ليست بالعدد والأداء فحسب ولكن حصول المنفعة التي رجيت منه

أما من حيث ذات الفعل فالمقصود منه نوع الفعل الذي طلب الشارع القيام به وإيقاعه على الوجه الشرعي، فإن الخطاب الكفائي والعيني على رغم كونهما متساويين من حيث الوجوب، وهما من حقوق الله، إلا أن مقتضى الخطاب في الفروض الكفائية الاشتراك والتكثير، وحدًّه لا يحصر بعدد، مثل الحراثة والعقود، والمناكحات وغيرها، وأما الفروض العينية فهي ما يقع وجوبها على الفرد المعين، لذلك نص عليها الفقهاء أنها فروض على الأعيان ولا تقبل الإنابة.

وأما متعلق الفعل من حيث الأداء، فإن الواجب العيني يسقط الطلب به بمجرد حصول الفعل من المكلف، لأن الخطاب الشرعي فيه متعلق بالفاعل نفسه وهو الفرد المسلم، وإذا أدى الصلاة المفروضة مثلا فإنه شرعا تسقط المطالبة بها بأدائها، وثبرأ بذلك ذمته، وأما الواجب الكفائي فإنه يتعلق بحصول المصلحة من الفعل ذاته دون النظر إلى عدد القائمين به، ومتى تحققت المصلحة التي أرادها الشرع منه على الوجه الصحيح ارتفع الطلب سواء قام به فرد أو الجماعة بأكملها، ولو قام الفرد أو الجماعة بالفعل المأمور به كفائيا، ولم تتحقق منه مصلحته، فإن ذمة أفراد المكلفين تبقى مشغولة حتى يقع الفعل مطابقا لمصلحته، لأن التكليف فيه عام، وهو بهذا الاعتبار فرض عين على الأمة كما عبر عنه الشاطبي في “الموافقات”.

وباعتبار أن الواجب الكفائي يتميز بالتكليف العام أطلق عليه الواجبات التضامنية والتعاونية، ويطلب من جميع المكلفين أداءه والمحافظة عليه، كل حسب القدرة والاستطاعة،  يقول الشاطبي: ” -وإن لم يقدروا عليها- قادرون على إقامة القادرين، فمن كان قادرا على الولاية؛ فهو مطلوب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها؛ مطلوب بأمر آخر، وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها؛ فالقادر إذا مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر؛ إذ لا يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة من باب ما لا يتم الواجب إلا به “.

والخلاصة أن العبرة في الفعل الكفائي ليست بالعدد والأداء فحسب ولكن حصول المنفعة التي رجيت منه.

طلب الشرع من المكلف تكرر الفروض العينية لما يحقق من معاني الثبات على الدين وما يجلب له منفعة الدارين

أما الغاية من أداء الواجبات العينية فإنها تحقق للعبد سعادة الدارين في الدنيا والأخرى، وهو مصلحة للعبد لذات نفسه، ويتدخل الحظ النفسي عند المكلف، فإن العبد مأمور بحفظ دينه ونفسه قياما بضروريات حياته وبحفظ عقله لإدراك الخطاب وبحفظ نسله من أجل بقاء ذكره وبعيدا عن اختلاط نسبه بغيره، وبحفظ ماله استعانة على إقامة هذه الضروريات، ولو سلب من العبد هذا القدر من الحظوظ كان مسلوب الاختيار. في حين أن المقصد من الواجبات الكفائية القيام بمصالح عامة لجميع الخلق،  لتستقيم الأحوال العامة، فلا تتدخل فيها الحظوظ النفسية، لأن الغاية منها إقامة حياة الناس وإيثار مصالحهم.

ومن هنا كره الفقهاء القدامى التقاضي على الأمور العامة التي للناس فيها مصالح عامة، مثل: أخذ الأجرة على الإفتاء، أو المردود على القرض أو الإنفاق، أو الأخذ الرشا أو الهدايا لأصحاب الولايات العامة، يقول الشاطبي: لأن استجلاب المصلحة هنا مؤد إلى مفسدة عامة تضاد حكمة الشريعة في نصب هذه الولايات. وعلى هذا المسلك يجري العدل في جميع الأنام، ويصلح النظام، وعلى خلافه يجري الجور في الأحكام، وهدم قواعد الإسلام.

وبناء على هذا المعنى طلب الشرع من المكلف تكرر الفروض العينية لما يحقق من معاني الثبات على الدين وما يجلب له منفعة الدارين، كما أشار القرافي في “الفروق”، فإن مصلحة الفروض العينية تتكرر بتكررها، كالصلوات الخمس مصلحتها الإجلال والتعظيم لله تعالى، وهو يتكرر حصوله بتكرر الصلاة، في حين أن فرض الكفاية لا تتكرر مصلحته بتكرره كإنقاذ الغريق، وغسْل الميِّت ودفنه، فإن تكرار فعل النزول بعد شيل الغريق أو تجهيز الميت لا تحصل منه مصلحة.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة