شريعة

كتب التفسير من الاجترار إلى المراجعة (2)

الإسرائيليات ... وقدسية القرآن الكريم

Feature image

إنّ أغلب الإسرائيليات المبثوثة في أمهات كتب التفسير خطرها عظيم وشرها مستطير، فيما تثير من بلبلة حول قدسية القرآن الكريم، بما تضمنته من أباطيل وخرافات، نُسب الكثير منها إلى الرسول ﷺ وإلى أصحابه رضي الله عنهم ، لقد تكدست مادةٌ غزيرةٌ من النّصوص التوراتية، والرّوايات اليهودية، وترسبت داخل كتب التفسير منذ القِدم، ولا زالت أمهات كتب التفسير لم تتخلص منها بعد .

وقد بلغت الخطورةُ ذروتَها في هذا الشأن حين يدق ناقوسَ الخطر شيخُ الأزهر الذهبي فيقول: «لا أكون مبالغا ولا متجاوزا حد الصّدق إن قلت: إنَّ كُتب التّفسير كلّها قد انزلق مؤلفوها إلى ذكر بعض الإسرائيليات، وإن كان ذلك يتفاوت قلة وكثرة، وتعقيبا عليها وسكوتا» [1].

إذا كان للإسرائيليات هذا الدّور الخطير ، فإنها تُطرح علينا جملة من التساؤلات تتمثل في كيفية تسرب هذه الإسرائيليات إلى القرآن الكريم ؟

لماذا كان التّردد على أحبار اليهود لمعرفة أسرار بعض الآيات القرآنية ؟

ما هو حجم مسؤولية من أسلم من اليهود في ترويج هذه الإسرائيليات ؟

ولماذا رُفعت إلى الرسول ﷺ؟

وما مدى صحة نسبتها إلى كعب الأحبار ؟ ووهب بن منبه ؟

اضطربت الآراء الإسلامية في الإجابة عن هذه الأسئلة ؛ لاختلاف زوايا البحث حولها . وأغلبَ الآراء تكاد تُجمع على هذه الحقائق الآتية :

تحاشى كثيرٌ من التّابعين وعلماءُ الحديث الرِّواية عن بعض الصحابة الذين اشتهروا بترديد مرويات أهل الكتاب .

– انزلقت كتبُ التّفسير المتعددة بما جمعته من إسرائيليات حتى لا يكاد يخلو منها كتاب تفسير .

– تقمصت هذه الإسرائيليات أفكارا يهودية نفذت إلى الفكر الإسلامي بخطة إسرائيلية ماكرة عملت على تلويث هذا الفكر . وإن اختلف العلماءُ في تعديل وجرح رواتها. وذلك طبقا لاختلافهم حول مدى صحة ثبوت ونسبة هذه الروايات إلى أصحابها، إلا أنّ هناك شبه إجماع على أن أقوال الصحابة في التفسير هذا حكم المرفوع إلى النبي ﷺ وإن وضعوا لذلك شرطين متلازمين :

الأول : أن يكون مما لا مجال للرأي فيه، كأسباب النزول، وأحوال يوم القيامة، ونحوها .

الثاني : أن لا يكون الصحابي معروفا بالأخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا، أي غير معروف برواية الإسرائيليات [2].

وتبعا لما سبق، تحاشى كثيرٌ من التّابعين وعلماءُ الحديث الرِّواية عن بعض الصحابة الذين اشتهروا بترديد مرويات أهل الكتاب .

ومن أدلة ذلك شهادة أبي هريرة لعبد الله بن عمرو بن العاص، بأنه كان أكثر مادة في الحديث منه، لأنه كان قارئا كاتبا، وبالمقابل فإن هذه الأفضلية التي أقرَّ بها أبو هريرة للصحابي الجليل، جاءت مرويات عبد الله بن عمرو أقل من مرويات أبي هريرة، والسبب في ذلك أن عبد الله بن عمرو كان بحوزته كتب من أهل الكتاب تبلغ حمل بعيرين، تحصل عليها من موقعة اليرموك، فمن ثم تحاشى بعض الرواة الرواية عنه خشية أن تختلط عليه الروايات [3].

– إن كتب التفسير التي تُعزى إلى الصحابة والتابعين أكثر من أن تُحصى ، ففيها المقبول والمردود ، وقد أضيفت إلى الكثير من هذه الكتب الإسرائيليات التي تحوي على خرافات اليهود وأباطيلهم، تراكمت فيما بينها لتشكل مادة ضخمة ينبغي علينا أولا تمحيصها بمعرفة الصحيح والحسن منها .

– أثارت قضية عدالة وتجريح الذين أسلموا من اليهود أمثال كعب الأحبار، ووهب بن منبه جدلا واسعا احتدم حولها نقاشٌ حادٌ بين العلماء المسلمين، سواء منهم الأقدمين أم المحدثين، إلا أنَّ هناك إجماعا على أنّهم كانوا جسرا عبرت منه أخبار اليهود ومروياتهم في الفكر الإسلامي، ولو أنّ هذه الأخبار نُسبت صراحة إلى هؤلاء لهان الأمر، لأنها تعزو ذلك إلى التوراة، لكن خطورتها تكمن في أن أكثرها ينسب إلى الصحابة. والأخطر من ذلك كله أن تلحق مباشرة بالرسول ﷺ.

وتبعا لهذه الخطورة وما تحمله من معتقدات فاسدة نميل إلى رأي أشهر المحققين المتأخرين بداية من ابن خلدون [4]، مرورا بالشيخ رشيد رضا [5]، ونهاية بالشيخ الذهبي، وأنه آن الأوان لتنقية تراثنا من هذه الأدران لخلوها من أية فائدة تذكر، ووجدنا من بين العلماء المتأخرين من يرى أن من الخير للمفسر أن يتحاشى الروايات الإسرائيلية ويجنب بذلك كتاب الله هذا الذي لا نعرف إن كان صدقا أو كذبا، وحتى وإن استند البعض إلى حديث رسول الله ﷺ في جواز رواية أخبار بني إسرائيل ، فإن ذلك مرده الاستشهاد وليس الاعتقاد .

الإسرائيليات نُسبت إلى الصحابة الذي أسلموا ، وقد يكون سببُ ذلك للعلم بما فيها من غرائب وعجائب ، ولم يلفتوا الانتباه إلى بطلانها اعتمادا على تجلي ذلك فيها . ويمكن أن يكونوا قد أشاروا إلى كذبها وعدم صحتها ، ولكن الرواة لم ينقلوا هذا عنهم

وإن جَهِد ابنُ خلدون في العثور على أعذار للأقدمين في تناول هذه الإسرائيليات ، باعتبار أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية فاستهوتهم هذه المرويات وتشوفوا إلى معرفة قصة الخليقة[6]  وكنه الوجود ، فكانوا يسألون عنها أهل الكتاب، لإشباع نهمهم الفكري. أما في عصرنا هذا فالحال يختلف ولا عذر للمسلمين في ذلك، بعد أن كشفت دسائسهم من جهة، وكذلك إذ علمنا بأن عددا هائلا من هذه المرويات لم تنص عليه الكتب المقدسة، التي أضحت في متناول الجميع من جهة أخرى .

هذه هي جوانب الخطورة على قدسية القرآن الكريم وعقائد المسلمين من رواية الإسرائيليات ، وإن كان أعظمُها على الإطلاق هو ارتباطها الوثيق بالتفسير. إن أغلب كتب التفسير سواء ما كان بالمأثور حرفا، أو غلب عليه المأثور، أو كان بالرأي أو الاجتهاد، لم تكد تخلو جميعها من الإسرائيليات الملفقة .

وقد كان أبو إسحاق النظام يقول : «لا تسترسلوا إلى كثير من المفسرين، وإن نصبوا أنفسهم للعامة، وأجابوا على كل مسألة، فإن الكثير منهم يقول بغير رواية على غير أساس، وكلما كان المفسر أغرب عندهم كان أحب إليهم» [7].

إننا نتفق مع أبي شهبة في نقده لمقولات كعب الأحبار وغيره، لأنها من الإسرائيليات التي معظمها مبدل أو محرف، ولا حاجة للمسلمين مع خبر الله تعالى ورسوله إلى شيء من هذا بالجملة ، فإنه دخل فيها على الناس شر كبير وجر عليهم البلاء [8] .

خلاصة القول إن الإسرائيليات نُسبت إلى الصحابة الذي أسلموا ، وقد يكون سببُ ذلك للعلم بما فيها من غرائب وعجائب ، ولم يلفتوا الانتباه إلى بطلانها اعتمادا على تجلي ذلك فيها . ويمكن أن يكونوا قد أشاروا إلى كذبها وعدم صحتها ، ولكن الرواة لم ينقلوا هذا عنهم . والغالب أنها قد تكون مدسوسة على الصحابة من قبل اليهود .

وأما ما يحتمل الصدق والكذب منها وليس فيه ما يتعارض مع النقل المتواتر الصريح أو بديهيات العقول ، فأوردوه بما فهموه من الإذن لهم في روايتها . وهذا النوع أقل خطورة من الأول، ومع هذا فإنه لا فائدة تُذكر من الاشتغال به ؛ لأنه يَحجبُ جمال اللفظ والعبارة والإيقاع للقرآن الكريم وما ينبغي أن يكون عليه تفسيره .

 


 

[1]  محمد حسين الذهبي، الإسرائيليات في التفسير والحديث، ص95.

[2] أبو شهبة، الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، ص79، نقلا عن ابن حجر، نزهة النظر شرح نخبة الفكر، ص43.

[3] المرجع نفسه، ص80.

[4] ابن خلدون، المقدمة، (بيروت: دائر الرائد العربي، ط5، 1402هـ/1982م) ص439، 440.

[5] رشيد رضا، تفسير المنار، (بيروت: دار المعرفة، ط، د.ت) ج1، ص9.

[6] ابن خلدون، المقدمة، ص439، 440.

[7] الجاحظ، الحيوان، ج1، ص343.

[8] الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، ص148.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة