فكر

تجديد النظر في التراث

إطلالة على كتاب سؤال المنهج.. في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد

Feature image

 

في كتابه الصادر هذا العام “سؤال المنهج.. في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد”، يرسم الفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن معالم رؤية جديدة للتجديد وللنظر في التراث. ورغم أن الكتاب عبارة عن مجموعة أبحاث ودراسات قديمة نشرت في أزمان مختلفة ومجلات متعددة ومناسبات متباينة، إلا أنه موزون بمنطق واحد متناسق. ويكاد يكون هذا الكتاب هو خلاصة فكر طه ورؤاه في التجديد والفلسفة والمنطق. وكأن تلك الدراسات والأبحاث كانت بذورا لفكر طه ثم طورها بعد ذلك في كتاباته اللاحقة.  والكتاب حلقة في المشروع الفكري لطه، وفصل مكمل لكتبه، وخصوصا منها كتاب “تجديد المنهج في تقويم التراث”. وضمن أقسام الكتاب التي تاولت الفلسفة والمنطق ونقد التراث يهمنا هنا هذا القسم الأخير؛ الذي عرض فيه طه رؤيته للتجديد ولاعادة النظر في التراث.

 

حيث نرى من خلال الكتاب أن الفيلسوف طه عبد الرحمن لا يرفض بالمطلق الأطروحات التي تدعو إلى التجديد وإعادة النظر في التراث، ولكنه يوضح بشكل بينٍ مقصوده بإعادة النظر في التراث والدعوة إلى تجديده؛ حتى لا تلتبس الأمور، وحتى لا يختلط ما هو حق بما هو عين الباطل. فتجديد النظر في التراث ليس معناه عند طه إعادة النظر في النص التراثي أو “تجديد التراث”؛ كما يتبادر للذهن لأول وهلة وكما هو مقصود في أغلب أطروحات دعاة التجديد، وإنما تجديد النظر في التراث هو عند طه يعني “إعادة النظر في النظر السابق في التراث”. وفرق ما بين هذا والذي قبله أن “الأول يتعلق بالتراث نفسه، بينما الثاني له تعلق بالنظر في التراث”.

 

والظاهر أن طه و”دعاة التجديد” يطلقون “التراث” على كل المعارف الإسلامية بما فيها الكتاب والسنة، وقصر مصلح “التراث” على النظر البشري دون الكتاب والسنة رأيٌ للشيخ القرضاوي.

 

ويرى طه أن دعاة التجديد أو دعاة إعادة قراءة التراث (ولا يحبذ طه استخدام هذا المصطلح “قراءة”؛ لأنه في رأيه مفهوم منقول قلق) وقعوا في أخطاء منهجية كبيرة، من أبرزها وقوعهم في “النظر التجزيئي في التراث”، وقد تجلى ذلك في أمور، أهمها:

 

أولا. اكتفاؤهم بالنظر في مضامين التراث ونقدها، بدل النظر في الوسائل والآليات التي نتجت وتفرعت عنها تلك المضامين، مع أن المقتضى المنهجي يوجب أن يتم النظر في الوسائل أولا، قبل النظر في المضامين. يقول طه: “ولما قصر أهل النظر في التراث عن اكتساب الملكة المنهجية الضرورية لهذا النظر، فإنهم صاروا إلى انتزاع المضامين من النصوص انتزاعا غير معلل ولا محدد؛ فهو غير معلل لأنه ترك الاستناد إلى الأسباب الموصلة إلى هذه المضامين؛ وهو غير محدد، لأنه في ترك الرجوع إلى الأسباب، الوقوع في سوء إعادة صوغ هذه المضامين وفي سوء أداء مقاصدها” (ص51).

 

والمقصود بالوسائل والآليات هنا: هو “أدوات إنتاج الخطاب” (وفق تعبير الفيلسوف الراحل محمد عابد الجابري رحمه الله)، كأصول الفقه، وعلوم اللغة من نحو وصرف وبيان وبلاغة، وعلوم الحديث: (مصطلحه، وعلله، ونقد رجاله). فالنظر التكاملي يقتضي النظر أولا في هذه الأدوات، ونقد قدرتها المنهجية، قبل النظر في الخطاب الناتج عنها، ونقده أو نفي صلاحيته !!

 

ثانيا. التوسل لنقد التراث بآليات منقولة؛ حيث أن دعاة “تجديد التراث” غلب عليهم-في قراءة نصوص التراث- استخدام آليات منهجية منقولة، تأسست في سياق حضاري مغاير للسياق الحضاري الذي نما في ظله التراث العربي الإسلامي. وعلى العكس مما شاع لدى لحداثيين ودعاة التجديد من الاحتفاء المبالغ فيه بالوافد المنقول من الحضارات الأخرى، وقبوله مسبقا؛ دون اختباره ولا تمحيصه، ومن تهميش التراث، حتى كأن القاعدة عندهم وإن لم يصرحوا بها، هي “أن كل وافد مقبول، وكل أصيل مرفوض حتى تثبت موافقته للوافد المنقول”. على العكس من هذا فإن القاعدة عند طه أن “كل منقول مرفوض حتى تثبت فائدته، وكل مأصول مقبول حتى يثبت عدم فائدته”.

 

وانطلاقا من هذه القاعدة يرى طه أنه لنقل الأدوات الوافدة إلى تراثنا العربي والإسلامي، لا بد –أولا- من التمكن من أسباب تلك الأدوات في مصادرها، ونقدها من داخلها حتى نثبت مدى قدرتها المنهجية. ولا بد –ثانيا- من فحص تلك الأدوات، والتأكد من وجوه المناسبة بينها وبين نصوص التراث. مع تأكيده على “أن الأسباب المنهجية قد تصح، ولكنها تظل غير معتبرة، لكونها لا تثمر إلا القليل من النتائج، فيبقى مضمون النص التراثي الذي طبقت عليه خارجا، في أغلب جوانبه، عن مدى إجرائية هذه الأسباب”(ص52).

 

وثالث مظاهر التجزيئ لدى دعاة التجديد، هو إدعاؤهم العقلانية، واتكاؤهم عليها فيما يقررون من مقدمات ونتائج. وكأن العقلانية منهج منضبط، لا يختلف عليه اثنان. وهنا يرى طه أن الفيلسوف “الذي يتعاطى تأسيس النقل على العقل يصاب بأمراض قلبية، في مقدمتها الغرور، ذلك أنه يجعل من عقله الناقص المحدود معيارا للوحي الذي هو كلام لا حد له”.

 

من ناحية ثانية يؤكد طه بشأن العلاقة بين القانون والأخلاق، أن الوسطية الإسلامية تقوم على أمران: أحدهما: تأسيس القانون على الأخلاق، وثانيهما: تسديد الأخلاق بالقانون.

 

وعلى العموم فالكتاب رحلة فكرية ممتعة وشائقة، سعى من خلاله الفيلسوف طه عبد الرحمن إلى نقد “نقد التراث” برؤية جديدة، وأدوات جديدة. والذي يبحر في الكتاب سيفاجأ بقدرة طه على التفكيك والبناء، وبراعته في هدم التابوهات وهز المسلمات.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة