شريعة

الأخلاق والإعلام.. خطورة الفَصل وضرورة الوصل (2 – 3)

Feature image

في المقال الأول تحدثنا عن أهمية الأخلاق؛ حيث تمثل فريضة دينية، وضرورة اجتماعية.. وعن أهمية الإعلام؛ باعتباره جزءًا أصيلاً من نسيج حياتنا المعاصرة.. كما أشرنا إلى الصلة التي تربط الأخلاق والإعلام برباط وثيق، أو هكذا يجب أن تكون العلاقة.. وفي هذا الجزء الثاني نتناول أهم الأخلاق المطلوب توافرها في المنظومة الإعلامية.

أهم الأخلاق المطلوب توافرها في الإعلام

إذا اتفقنا على ضرورة الأخلاق للعمل الإعلامي، فهناك عدة أخلاقيات ينبغي أن يتحلى بها الإعلامي، منها:

1- الموضوعية

وهي مصطلح يتردد كثيرًا في المجال الإعلامي، وفي البحث العلمي بصفة عامة. وأزعم أن ضبط هذا المصطلح كفيل بأن يلخص لنا مجموعة القيم والممارسات الأخلاقية المطلوب توافرها في الإعلام .. فما هي “الموضوعية”؟

(الموضوعية) وصْفٌ لما هو موضوعي، وهي بوجه خاص: مسلك الذهن الذي يرى الأشياء على ما هي عليه؛ فلا يشوهها بنظرة ضيقة أو بتحيز خاص”([1]). أي رؤية الشيء كما هي حالته وهيئته، دون زيادة أو نقصان، ومن غير أن يختلف وصف هذه الحالة والهيئة باختلاف المشاهدين لها. وهذا هو بالضبط المقصود بالخبر الموضوعي، أو الخبر الصحفي الصادق؛ أما اختلاف وجهات النظر فمكانه عند التحليل وليس عند الإخبار.

ولذلك كانت “الموضوعية” قيمة جامعة تندرج تحتها جملةٌ من الأخلاق والممارسات الإعلامية المنشودة، مثل: الصدق، التثبت، النزاهة، الفصل بين الخبر والرأي.

فالإعلامي عليه أن ينقل للناس الوضع الحاصل كما هو، بصدق لا كذب معه، وبدقة لا تردد أو شك فيها، وبنزاهة لا تعرف تلوين الخبر أو إبراز جزء منه وكتمان جزء آخر، وبفصل تام بين الخبر الذي يمثل الواقع وبين الرأي الذي يعني القراءة الشخصية لهذا الواقع([2]).

“الموضوعية” قيمة جامعة تندرج تحتها جملةٌ من الأخلاق والممارسات الإعلامية المنشودة، مثل: الصدق، التثبت..

وعن ضرورة الفصل بين الخبر والرأي، يقول جون ل. هاتلنج: “الممارسة السليمة تتطلب أن يكون هناك فصل واضح بالنسبة للقارئ بين ما تقدمه الصحيفة كتقارير إخبارية، وبين الآراء؛ فالمقالات التي تحتوي الآراء أو التفسيرات الشخصية يجب أن يتعرف عليها القارئ بوضوح في صفحة الرأي”([3]).

وهنا ينبغي تأكيد أن”الموضوعية” لا تعني إلغاء شخصية الإعلامي، ولا محو قناعاته الفكرية وتحيزاته؛ بل تعني الصدق فيما ينقل، ثم الباب أمامه مفتوح لتناول ما ينقله بالتأييد أو الرفض، وللمتلقي أن يتفق أو يختلف معه.. ولذا، فثمة فرقٌ بين “الموضوعية” و”الحيادية”، و”الذاتية”.

“الحيادية” هي موقف صفري سلبي، قد يكون مقبولاً في عالم السياسة، لكنه غير متصوَّر في عالم الأفكار، والعمل الإعلامي خاصة. وكثيرًا ما يتم الترويج للسلبية تحت وَهْم الحياد!!

إن الإنسان له عقل وتجارب لا يستطيع الانفكاك منها حتى وهو ينقل الخبر بموضوعية تامة! ولذلك كانت عملية الإعلام في جانبها العملي عملية انتقائية، بمعنى أن الإعلامي تكون أمامه مئات بل آلاف الأخبار، ثم هو ينتقي منها للنشر ما يراه مهمًّا؛ فعملية الانتقاء هذه تجري وفق ضوابط ومحدِّدات كثيرة، منها اختياراته وتحيزاته الفكرية. لكن المهم أنه وهو يختار خبرًا ما للنشر عليه أن يكون موضوعيًّا في النقل، ولا يلون الخبر بقناعاته الشخصية.

وأخطر مجال تَرِد فيه إشكالية الموضوعية والحيادية هو مجال العقائد، والقضايا المصيرية مثل قضية فلسطين مثلاً. وهنا ليس مطلوبًا من الإعلامي أن يتخلى عن قناعاته المؤيدة للحق الفلسطيني، ولكن عليه أن يكون موضوعيًّا، وألا تدفعه هذه القناعات لتزييف الحقائق أو تلوينها، وعليه أن يعلم يقينًا أن الحقيقة المجردة هي خير وسيلة للنصرة والدعاية.

من ينحاز إلى قناعاته الشخصية المؤيدة للحق الفلسطيني سيختار المصطلح الأول، بينما يتمسك بالمصطلح الثاني من يرى أنه أقرب إلى وصف الواقع كما هو.

أما “الذاتية” فهي “ما ينتسب إلى الذات مما يتصل بها أو يخضع لها، فيقال: تفكير ذاتي، وإدراك ذاتي. وهي تقابل: الموضوعية. وقد تطلق توسعًا على ما مصدره الفكر لا الواقع، ومنه: الأحكام الذاتية في مقابل الأحكام الموضوعية، والمنهج الذاتي في مقابل المنهج الموضوعي”([4]). أي أن الذاتية هي رؤية الإنسان الشخصية في مقابل الحقيقة في الواقع الخارج على الذات.

ولذلك كان مجال “الذاتية” الذي يمكن أن تبرز فيه دون إشكاليات هو مجال الأدب بفنونه المختلفة؛ فالأدب تجربة ذاتيه قبل كل شي، ومن ثم، كان مقبولاً أن تأتي الروايات الأدبية عن التاريخ مختلفةً في بعض جوانبها عن التاريخ نفسه، لأن حبكة القصة قد تستدعي مبالغة هنا وإثارة هناك.. وهكذا، مما لا يُسمح به إطلاقًا عند كتابة التاريخ حسب المنهج العلمي لا الأدبي.

أما مجال الإعلام فلا يعرف “الذاتية” إلا في التحليل وكتابة الرأي؛ بل إن الإعلامي كلما اقترب في آرائه وتحليلاته من الحقائق الموضوعية، كان ذلك أدعى لأن يربح ثقةَ القارئِ الباحثِ عما يتفق وعقله، لا عما يرضي نفسه وعاطفته!

إن إحدى المشكلات الأساسية التي يعاني منها خطابنا الإعلامي العربي هي أن الحدود الفاصلة بين الموضوعية والذاتية ليس واضحة بالدرجة الكافية، بل تكاد تنعدم! وإن كثيرًا مما تطالعنا به الصحف والفضائيات لا نستطيع أن نتبين فيه: هل هو يعكس واقعًا حدث بالفعل، أم رؤية الإعلامي لما كان ينبغي أن يقع؟!

2- احترام حق الرد لكل من يتناولهم الصحفي، مع حقه في التعقيب

الأدب تجربة ذاتيه قبل كل شي، ومن ثم، كان مقبولاً أن تأتي الروايات الأدبية عن التاريخ مختلفةً في بعض جوانبها عن التاريخ نفسه

يتعامل الإعلامي مع مئات الأخبار والمواقف والأشخاص والقضايا، ومن الوارد أن يخطئ في تدقيق رقم ما، أو يغفل عن جانب ما، أو يسيء من حيث لا يدري إلى شخص أو هيئة ما؛ والموقف الأخلاقي حيال هذا يوجب على الإعلامي أن يبادر بإفساح المجال أمام الآخرين للتعقيب أو التصويب، ثم يكون له حق الرد والتوضيح، بما يثري العملية الإعلامية ويخدم الحقيقة، والحقيقة وحدها.

ولذلك نصت مواثيق العمل الإعلامي على أن حق الرد والتعقيب مكفول لمن يمسه الخبر من قريب أو بعيد.

وعلى الإعلامي أن يتوافر عنده قدر من الشجاعة الأدبية يمكّنه من الاعتذار علانية إذا ثبت عكس ما قال، دون أن يجد حرجًا في ذلك، بل على العكس سيزيد ذلك من مصداقيته عند المتلقي.

لكن يبدو أن مجتمعنا العربي بوجه عام غابت عنه هذه القيمة، حتى صار العناد إحدى الشيم والمكارم! بينما الإعلام الغربي ترسخ عنده هذا الخلق، حتى فيما يتصل بالمسلمين؛ فقد اعتذرت جريدة “الإندبندنت” البريطانية- في 10 أكتوبر 2012م- كتابيًّا للشيخ راشد الغنوشي، بعد أن نشرت خبرًا عن أنه قبض أموالاً من أحد أمراء الخليج وتبين لها أنه خبر عار عن الصحة.. كما تم تأكيد هذا الاعتذار على لسان صحفيها المشهور “روبرت فيسك” عندما التقى الشيخ الغنوشي لإجراء حوار صحفي معه.

ويبدو لي أنه من العسير أن نتذكر أن صحيفة أو فضائية عربية اعتذرت لأحد، اللهم إلا إذا كان الطرف الآخر في القضية ذا منصب أو مال!

إن الحرية التي تتيحها تشريعات كثير من الدول للإعلاميين، ليس الغرض منها أن يكون الإعلامي في منأى عن المسئولية والمساءلة، بل لأن الإعلامي هو عين المجتمع وضميره؛ ومن ثم عليه أن يوظف تلك الحرية فيما يعود بالنفع على المجتمع لا لخدمة أغراضه الشخصية، والإساءة والتجاوز بحق الأفراد والمؤسسات.

3 – احترام الحقوق والخصوصيات

ويرتبط بالنقطة السابقة، أن الإعلامي عليه أن يحترم الحقوق والخصوصيات؛ فمن الواجب عليه أن يراعي قاعدة أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، وأن يستأذن المصدر قبل نشر الحديث معه، ويلتزم بعدم نشر صور المناسبات الخاصة إلا بإذن أصحابها، إضافة إلى الحفاظ على سرية مصادر المعلومات.

إن المجتمعات الغربية نفسها رغم ما شهدته من ارتفاع سقف الحريات فإنها تقر بوجود قيود بصورة أو بأخرى على الإعلام، وعلى الإبداع بوجه عام

لكننا للأسف أصبحنا نرى الإعلام يعامل من لا زالوا في موضع الاتهام والشك كأنهم أُدينوا نهائيًّا وصدرت بحقهم أحكام غير قابلة للاستئناف! وحتى إذا صدر الحكم بالبراءة فإنه ينشر في بضعة أسطر في زاوية مهملة، هذا إن نشر حكم البراءة أصلاً! بينما خبر الاتهام ينشر بالبنط العريض وفي الصفحة الأولى! دون أن يأخذ الإعلامي في اعتباره كم بيوت يمكن أن تهدم بسبب طريقة النشر هذه، وكم شركات يمكن أن تفلس، وحقوق يمكن أن تضيع!

فهل هذا دور الإعلام في المجتمع؟! هل المطلوب أن يصنع الإعلامي أمجاده على حساب الآخرين، وخصمًا من حقوقهم وخصوصياتهم؟!

4- احترام التقاليد والآداب والمقدسات

لا شك أن الحرية بالنسبة للعمل الإعلامي تمثل أمرًا ضروريًّا لا يمكن الاستغناء عنه، لكن الحرية المطلقة يمكن أن نقول عنها دون مبالغة: مفسدة مطلقة! ففي نهاية المطاف لابد أن تكون هناك أطر عامة وضوابط تحدِّد المسار، وترشِّد السلوك؛ لأن البعض قد لا يفهم من الحرية إلا الفوضى!

إن حرية الرأي – التي هي لازمة للإعلام المتميز- ثمة فرق كبير بينها وبين العدمية والعبثية واستباحة القيم والمقدسات. وإذا كان العمل الإعلامي ينبغي أن تصب غايته في مصلحة المجتمع.. فأي مصلحة تبقى مع هدم التقاليد وازدراء المقدسات؟!

أما دعوات حرية الإبداع، وأنه لا سلطان على العقل إلا العقل، وغيرها من الشعارات البراقة، فيكفي أن نقول إن المجتمعات الغربية نفسها رغم ما شهدته من ارتفاع سقف الحريات- ربما بدرجة لم تتوافر لغيرها- فإنها تقر بوجود قيود بصورة أو بأخرى على الإعلام، وعلى الإبداع بوجه عام؛ غاية ما هنالك أنهم في الغرب بسبب تجربتهم السابقة في الصراع مع الكنيسة إبان عصورهم التي عُرفت بعصور النهضة، فإنهم قد حطموا كل القيود فيما يتصل بالأديان، لكنهم استبدلوا بذلك قيودًا في مجالات أخرى؛ حتى قيل إنك في الغرب تستطيع أن تنتقد الله، لكن لا تستطيع أن تنتقد إسرائيل!


([1]) مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، (القاهرة: المطابع الأميرية، 1983م)، ص: 196، 197، باختصار.
([2]) راجع مقالي: “الإعلام.. الحائر بين الرأي والخبر”، مجلة “التبيان”، عدد رقم 87، شوال 1432هـ، سبتمبر 2011م. والمقال منشور على موقع “إسلام ويب”، على الرابط:
http://www.islamweb.net/media/index.php?page=article&lang=A&id=173055
([3]) هاتلنج، أخلاقيات الصحافة، ترجمة: كمال عبد الرءوف (القاهرة: الدار العربية للنشر والتوزيع، الطبعة العربية الأولى، بدون تاريخ)، ص: 71.
([4]) مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، ص: 196، 197، بتصرف يسير.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة