شريعة

المفتي.. مبادر أم تحت الطلب؟

Feature image

“مع تجدد الحادثات وتعدد النوازل صارت الفتوى تُستدعى من كل طريق لأنْ تدلي بدلوها في أعيان وأفراد وفتاوى الأمة، مع ما يستأهله ذلك من مسار يجب أن يُتبع في فتاوى الأمة؛ فيكون طلب الفتوى من فرد أو من جماعة أو مؤسسة، أو التعرض لها من غير طالب؛ بحيث تصير قضية رأي عام تحتاج من المفتي التصدّر لها، وقصده الوصول إلى الجواب الكافي والشافي عنها، ويصير المستفتى ليس هو المقصود أيا كانت جهته؛ بل المقصود تحديد المصلحة الكلية للأمة، ويصير طلب الفتوى مناسبة لذلك.. وهذا الأمر يحتاج إلى مزيد من التأمل…” (د. سيف الدين عبد الفتاح الفتوى وأصول الفقه الحضاري)

تلك أحد الإشكاليات التي نتجت عن تداخل الفتوى مع المجال العام بصورة معكوسة، فمن خلالها لم تعد الإشكالية في التداخل والاشتباك بصورة خاطئة، بل صارت الإشكالية في عدم فهم المفتي _أيا كان .. فردا او مؤسسة_  لدوره الحقيقي الذي يتخطى كونه مقدما لخدمة إلى كونه أحد صناع الحدث بمظلة المقاصد العليا للشريعة!

وهذا يعني أن يكون المفتي على وعي تام بالواقع ومآلاته وسياقاته المختلفة، وأطرافه الفاعلين بعيدا عن الايديولوجيا او القناعات المبنية على مواقف حزبية او مذهبية او قومية او عرقية..

وهذا يعني ايضا أن يكون قادرا من الأساس على التفريق بين ما ينبغي أن يكون فيه مقدم خدمة بالمعنى الحرفي، وبين أن يكون مبادرا صانعا للحدث او مشاركا فيه من أوله، بدفعه مقاصد الشريعة لتتصدر طريقة تفكير المجتمع كله، وبالتالي يكون اشتباكه مع المجال العام اشتباكا إيجابيا يعود على المجتمع والأمة وحالتها الفكرية بالنفع…

وكل ما سبق يجب أن يسبقه بالضرورة الإجابة على سؤالين غاية في الاهمية:

الأول: في أي نوع من الأحداث يجب أن يكون المفتي مبادرا وأحد صناع الحدث؟

الثاني: كيف يمكن أن تكون بنية الفتوى ومنهجيتها في حال المبادرة غير مصادمة للمجال العام ودافعة بالمقاصد الشرعية الكبرى للواجهة؟

أعتقد بأن الإجابة على هذين السؤالين وفهم أبعادهما كفيلة بأن تنقل مؤسسات الفتوى نقلة حضارية تستعيد معها دورها الحقيقي في بناء المجتمعات والاشتباك بإيجابية مع المجال العام بكل تفاصيله..

قضايا الأمة

وللإجابة على السؤال الأول الذي سألناه عن الأحداث التي ينبغي أن يكون المفتي فيها مبادرا وأحد صناع الحدث يجب أن يكون مصطلح “الأمة” حاضرا أو مؤطرا لهذا التحديد، بمعنى أن كل ما يمكن وصفه بقضية أمة ينبغي ان يكون القائم بالفتوى أحد المساهمين الأساسيين في بلورته برؤية وافية..

لكن الخطير في تعامل كثير من المؤسسات والمفتين مع مثل تلك الأحداث هو عدم إدراك حدود تلك القضايا وواجبهم أثناء تعاملاتهم معها، ولذلك لزم التأكيد على بعض الامور أثناء التعامل مع هذه القضايا، ومنها:

– أن تلك القضايا ليست في حاجة إلى فتاوى عادية وإنما تحتاج إلى دراسات لواقع الأمة ومستقبلها بصبغة إفتائية اجتهادية، وهو ما اطلق عليه البعض (فتاوى المآل والاستشراف)

– أن تعامل مؤسسة الإفتاء او المفتي الفرد مع تلك القضايا يجب أن يكون بطريقة استراتيجية تستهدف استثمار إمكانات الأمة في ضوء معرفة حقيقية بواقعها..

– أن يكون تعامل المفتي أو المؤسسة تعاملا كليا لا تعاملا “بالقطعة”، بمعنى أن يكون قادرا على ربط قضايا الأمة واقعا وتنظيرا، وهذا الامر تحديدا يجنب مؤسسات الفتوى او المفتي الوقوع في شرك الاخطاء التاريخية التي تنتج عن عدم ربط الوقائع الكبرى بعضها ببعض.

– أن يؤكد القائم بالفتوى في مثل تلك القضايا أو النوازل على فكرة أن “الامة” هي الهدف، وهي القبلة التي يجب ان يتوجه إليها الجميع، وأن مصلحتها المرعية بالمقاصد الشرعية يجب ان تكون القول الفصل في المسألة بعيدا عن المصالح القطرية أو القومية أو المذهبية او الفئوية أو الحزبية أو الشخصية..

هذه المحددات الأربع _في نظري_ هي أركان تلك القضايا التي ينبغي أن يبادر المفتي ليكون صاحب دور فيها، فينتج ما يسمى بـ “فتاوى الأمة” التي يقول عنها د. سيف الدين عبد الفتاح: “فتاوى الأمة تعني أن تتعرف على مقتضيات ومتطلبات ومكنونات مفهوم الأمة، من حيث مصالحها وقضاياها والأدوار المنوطة بها والخطاب المتوجة إلى فئاتها، ووعي الأمة وتكوينه والمقاصد المتعلقة بالأمة، والنظر المتكامل لقضاياها المتنوعة وتحدياتها الكلية، الأمة في فتواها وجب أن تكون إستراتيجية وحضارية ومستقبلية بما يعبر عن ضرورات تأسيس علوم للتدبر والتدبير بما يتعلق بعناصر الأمة الجامعة بما يحرك دافعيتها. فتاوى الأمة حالة تحرك عموم الأمة” (الفتوى وأصول الفقه الحضاري)

البنية والمنهجية

وهذه هي إجابة السؤال الثاني الذي سألناه عن كيفية أن تكون بنية الفتوى ومنهجيتها في حال المبادرة غير مصادمة للمجال العام ودافعة بالمقاصد الشرعية الكبرى للواجهة؟

وهو السؤال الأهم لأن كثيرين لا يحسنون صياغة فتاواهم، بحسبانهم قد اعتادوا على سؤال مليء بالمعطيات من المستفتي فيبنون فتاواهم على معطيات يقينية ويحملون المستفتي المسئولية كاملة..

أما في حالة المبادرة فإن المعطيات تكون محض اجتهاد وفهم للواقع كل بطريقته.. وهنا تكون الحرفية التي تنقسم إلى شقين: الاول حرفية قراءة الواقع وتفكيكه وفهمه، والثاني حرفية الصياغة التي تلامس هذا الواقع ولا تصطدم به، والقادرة في الوقت نفسه على تقديم حلول عملية مستبطنة مقاصد الشريعة كما أسلفنا..

وهنا أيضا كما في السؤال السابق ينبغي أن يراعي القائم بالفتوى فردا أو مؤسسة مجموعة من الأمور لتخرج مشاركته سليمة على مستوى منهجيتها وعلى مستوى بنيتها.. ومنها:

– ضرورة تحديد مصالح الأمة بعيدا عن أي مصالح اخرى، وهو إطار مهم لتغليف مشاركة القائم بالفتوى ليقود من خلالها الجميع بلا مآرب شخصية..

– ضرورة تحديد الادوار والمسئوليات بلا مواربة، مع مراعاة للفوارق ما بين الأفراد والمؤسسات وما بين واجبات الفرد وواجبات الدولة في سياقها القومي الحديث.

– أهمية التاكيد على التعامل مع السوابق التراثية المشابهة بعصرنة الطرح وجعل المقاصد الشرعية حكما فاصلا بين الأشباه.

– التشاركية.. وهو المحدد الأهم في ظل التداخل الحاصل في الواقع والذي لا يستطيع القائم بالفتوى أن يحيط به، بمعنى أن يكون أساتذة العلاقات الدولية وعلوم الطب والهندسة بأنواعها والفلك وعلماء النفس والاجتماع… كل هؤلاء جزءا من صناعة المبادرة الإفتائية القائمة على معرفة دقيقة وعميقة بالواقع محل التعامل..

هذه الأطر الاربع أيضا تعتبر سياج البناء الاحترافي القائم على منهجية منضبطة لمشاركة فاعلة لمؤسسات الإفتاء مع بعض أحداث الأمة التي ينبغي أن يقودوا فيها قاطرة التعامل بروح مقاصدية تبتعد عن فقه وفتاوى “افعل ولا تفعل” وتقترب اكثر من فقه وفتاوى التزكية والعمران والتنمية!!

 

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة