فكر

أين العمل الاجتماعي بطابع إسلامي؟

Feature image

كثرت المناقشات حول قضايا اجتماعية مختلفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت تمثل المجال العام لحرية التعبير، خصوصا مع توافد اللاجئين المسلمين إلى الدول الغربية، وبدأ الحديث عن حماية حقوق اللاجئين، وهو أمر أراه يهم عامة الناس والمهتمين بالتنمية الاجتماعية، أو الموارد البشرية بشكل خاص.

ويلاحظ من خلال أدبيات الدول المتطورة، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR، هناك مساع أممية منظمة، وبقينا في دولنا الإسلامية نقبل الدور السلبي (دور التصويت على القرارات وتقديم تبرعات مادية)، أما رصد الأبحاث العلمية وبناء المراكز التي تعنى بالقضايا الدولية فهي قضية هامشية..

وتطلع علينا صحائف إخبارية بأحداث ممارسة العنف والضرب مع الأبناء في المدارس والبيوت، يتجادل الناس بعد ذلك عن مدى موافقة القرار المانع لأقوال الفقهاء والتربويين ومخالفته.. أليس هو الأمر ذاته الذي يعاني منه المهاجرون المسلمون في دول مثل أستراليا وبريطانيا .. حيث لا يعرفون كيف ينسجمون مع مجتمع متقدم، يحال بعضهم على مراكز التأهيل أحيانا، ويجبر البعض الآخر على التخلي عن ابنه لأنه لا يحسن تربيته حين يضربه ويعنف عليه، ويسلم إلى أسر نصرانية ..

أمثلة كثيرة .. لا حاجة إلى تعدادها .. تدل على ضعف اهتمام العالم الإسلامي الحالي بهذا الجانب الإنساني المتجذر في ديننا.. جانب العمل الاجتماعي!

ومؤشرات التنمية الاجتماعية  العالمية لعام 2016[1] تثبت هذه الحقيقة المريرة وتؤكدها، فإن أول دولة إسلامية التي تظهر في هذا التصنيف العالمي وهي الإمارات العربية المتحدة  جاءت في المرتبة الثامنة والثلاثين بالتحديد، تليها الكويت في الرابعة والأربعين، وبعدها ماليزيا .. وهكذا نرى أن عالمنا الإسلامي متراجع تماما في معدلات خدماتها الاجتماعية بما يشمل أبعاد توفير الحاجات الأساسية، وتوزيع الفرص، والرعاية الصحية الاولية، والأمن الشخصي .. وغيرها.

مفهوم العمل الاجتماعي

يقع العمل الاجتماعي بعدة صيغ ومفاهيم وإن كان مدلولاتها في المؤدى تقريبا واحد، من ذلك: الخدمة الاجتماعية، والتضامن الاجتماعي، والعمل الإنساني، والعدالة الاجتماعية، والعمل الخيري.. وغاية جميع هذه المسميات واحدة هي مساعدة الأشخاص الذين يقاومون وضعية صعبة – اجتماعية، نفسية، تربوية، صحية، أسرية، أو اقتصادية – من أجل إزالة هذه المعوقات والمشاكل التي تكدر صفو حياتهم.

العمل الاجتماعي نظام قانوني تكافلي يعمل على مساعدة الأفراد والجماعات والمجتمعات الإنسانية من أجل تجاوز مشكلاتهم وتأهيلهم لحياة أفضل.

وقد تعددت تعريفات العمل الاجتماعي لا سيما مع اعتماده كمهنة مستقلة وعلم من العلوم الاجتماعية المتخصصة، بل اعتبرت الدكتورة ندى الطيبة – أخصائية في العمل الاجتماعي الصحي ومحاضرة في جامعة قطر[2] – أن العمل الاجتماعي لا يمكن تحديده بتعريف جامع وذلك بسبب توسع مجالاته وخضوعه للمتغيرات المختلفة في المجتمع وسياسات الدولة الحاضنة، أو المؤسسات القائمة عليه. لكن يمكن مختصرا أن نعرف العمل الاجتماعي بما يميزه من خصائص وقيم فهو نظام قانوني تكافلي يعمل على مساعدة الأفراد والجماعات والمجتمعات الإنسانية من أجل تجاوز مشكلاتهم وتأهيلهم لحياة أفضل.

وحسب الدكتور علي بن إبراهيم النملة، فإن العمل الاجتماعي هو الأداء المناط بكيانات إدارية ، حكومية كانت أم غير حكومية تعمل على تحقيق الرفاه الاجتماعي، وهو في المحصل النهائي عمل خيري بالمفهوم الشامل للعمل الخيري وإن تعددت أهدافه ووظائفه[3].

واختار علي زروق بشكل أدق، أنه نظام قانوني تكافلي عقلاني ومنظم يعمل على مساعدة الأفراد والجماعات والمجتمعات الإنسانية في المجالات المتعددة والمتجددة، إذ يقوم على تحسين أحوال الأفراد ماديا ومعنويا وفكريا وتنمية قدراتهم للاعتماد على ذاتهم[4].

نرى التقارب الواضح بين هذين التعريفين وهما بالدرجة الأولى تعريف وصفي ويؤكد هذا اختيار الدكتورة ندى أنه لا يمكن تحديد معنى العمل الاجتماعي بشكل دقيق خصوصا حينما يعتبر مجالا مهنيا تخصصيا لا يمكن لأي شخص أن يتقلده إلا ضمن أطر علمية معينة. لكن يتميز بأنه:

– عمل منظم قانوني

– يحقق هدفا معينا وهو العناية بالمجتمع الإنساني أفرادا، وجماعات

– عن طريق مؤسسات مدنية متخصصة.

نشأته وتطوره إلى مهنة

اتفق الباحثون أن العمل الاجتماعي يرتبط بتاريخ الوجود الإنساني فكان سائدًا في المجتمعات الإنسانية منذ القدم، ولكن بدايته باعتباره مهنة تركز على تحقيق أهداف محددة كانت في القرن التاسع عشر الميلادي. وكان ظهورها استجابة للمشكلات الاجتماعية التي نتجت عن الثورة الصناعية وما ترتب عليها من زيادة الاهتمام بتطبيق النظرية العلمية على جميع جوانب الدراسة المختلفة.

وفي أثناء القرن العشرين، بدأت مهنة العمل الاجتماعي تعمتد بشكل أكبر على البحث والممارسة العملية القائمة على مناهج البحث والتجربة، كما أنها حاولت تحسين مدى كفاءة وجودة العمل الاجتماعي الذي يتم تقديمه.

وفي العصر الحديث أصبح العاملون في مجال العمل الاجتماعي يشتغلون بالعديد من المهن والوظائف المختلفة في أماكن عديدة، حتى لا يكاد تخلو مؤسسة تعليمية وغيرها من أخصائي اجتماعي، ويعد الأخصائيون الاجتماعيون الذين يمارسون العمل الاجتماعي باعتباره مهنة هم هؤلاء الأفراد الذين يحملون شهادة مؤهل في مجال الخدمة الاجتماعية وغالبًا ما يكونون أيضًا قد حصلوا على تصريح بمزاولة هذه المهنة أو تم تسجيلهم بها رسميً[5].

مجالات العمل الاجتماعي  

لا يكمل الحديث عن هذا التخصص المتميز حتى نعرف مجالاته الواسعة ونصحح التفكير الانطباعي الذي غالبا لا يساعد على الفهم السليم، وهو حصر العمل الاجتماعي على الأعمال الخيرية الاستغاثية أو الأعمال التطوعية، نختصر هذه المجالات في قسمين رئيسين:  التنمية الاجتماعية، والرعاية الاجتماعية.

القسم الأول – التنمية الاجتماعية وتشمل:

1- تحقيق الثقافة الاجتماعية بالتوعية والتثقيف الاجتماعي (ثقافة الأسرة – تربية الأولاد – الدفاع المدني، الإسعافات الأولية، والحفاظ على البيئة والنظافة العامة..)

2- التأهيل المهني الأولي (خياطة – طباعة – أعمال يدوية – طبخ ..)

3- الوقاية من الأمراض الاجتماعية (التدخين – المخدرات – الخمور – الظاهرات والسلوكيات الاجتماعية السيئة، كالتصدع الأسري – والعنف الأسري – وانحراف الشباب ..)

4- الترفيه

القسم الثاني – الرعاية الاجتماعية، وتقدم هذه الخدمات الرعائية بمقابل أو من دون مقابل عن طريق الدور الإيوائية والمراكز التأهيلية.. وتشمل:

1- دور التربية الاجتماعية (رعاية الأيتام)

2- دور الملاحظة للجانحين

3- دور التوجيه للمتمردين على ذويهم

4- دور المسنين لغير المعولين من ذويهم

5- مراكز تأهيل المعوقين جسديا وفكريا – ويطلق عليها مراكز التأهيل الشامل

6- مراكز الحماية الاجتماعية التي تقوم بالحد من العنف الأسري من قبل الأزواج أو الوالدين لأبنائهم أو العكس أحيانا.

وربما يلحق بهذا النوع مع ظهور اللجوء إلى الدول الغربية مراكز رعاية اللاجئين والمغتربين …

التنظير أو التلفيق!

نرى التفوق الملفت للغرب في مجال العمل الاجتماعي في جميع حيثياته، التنظير والتطبيق، التنظيم والتفعيل، رغم تميز مجتمعاتهم في مستوى رفاهة المعيشة وتوزيع الفرص بالتساوي بين شعوبها، نطالع مؤشرات مختلفة في الرعاية والرفاهة حتى في الأمن الأسري والمجتمعي نجد الغرب سباقا.

أما في عالمنا الإسلامي رغم ما نملكه من شرائع إسلامية شاملة لجميع شؤون الحياة، فما زلنا نتخبط على مستوى التنظير والتفعيل.. نستورد مقررات فكر العمل الاجتماعي من الغرب، ونوظفها على علاتها، على غرار ما علمنا أن هذه النظريات مادية بالمستوى الأول.

قال الباحث د. عبد الله باريسي إن العمل الاجتماعي مفعوم بالنظرة الغربية المادية سواء من جهة التأهيل والرعاية والتشخيص والعلاج.. رغم وجود حاجة مستمرة إلى إدماج الأبعاد الروحية والدينية فيه، وكذا اعتبار للفروق العرقية والدينية[6].

وقد حاول بعض الباحثين المسلمين دراسة العمل الاجتماعي من المنظور الإسلامي في أبحاث علمية قيمة منهم على سبيل المثال:

1-  عبد الله بريسي (2005)، أستاذ مشارك حاليا في جامعة زايد، الإمارات العربية المتحدة، وهو البحث الوحيد حسب علمي الذي أعد نموذجا عمليا (model) بطابع إسلامي لمعالجة وتأهيل ذوي الاحتياجات الاجتماعية.

2- ندى الطيبة وماريا حاريس (2015)، في مقال ” مفهوم التعافي من منظورالصحة العقلية في ثقافة المسلم”[7]  ركزتا على جانب التفكير الديني والإيماني لدي المريض المسلم. وهذه الدراسة طريق ممهدة إلى إدراج الفكر الإسلامي إلى عالم العلاج النفسي للأخصائيين المجتمعيين.

3- وركز القرناوي وغرهام (2000)[8] على أهمية اعتبار عقيدة المسلم وأدائه الصلاة للأخصائي الاجتماعي في معالجة المسلم، وهي دراسة قيمة اعتمدها عبد الله بريسي من حيث استخدام القرآن الكريم ضمن الطرق العالجية المناسبة لثقافة المسلم.

وغالب الدراسات التي قدمت في مجال العمل الاجتماعي في العالم العربي والإسلامي يعتمد على إطار نظري غربي، ويحاول أحيانا التدليل على بعض المعيقات الاجتماعية في مجالات العمل الاجتماعي السابقة من المنظور الإسلامي، لكنه لا يعدو تذييلا واستشهادا من النصوص الجزئية.. ولا أراه إلا تلفيقا وتجميعا!

 


[1]  http://www.socialprogressimperative.org/publication/2016-social-progress-index-2/
[2]  ألقت محاضرة عن العمل الاجتماعي في مادة السياسات العامة، بعنوان دور العمل الاجتماعي في السياسات العامة، بكلية الدراسات الإسلامية، جامعة حمد بن خليفة قطر، تاريخ 19/ 2 / 2017.
[3]  علي بن إبراهيم النملة (2014)، العمل الاجتماعي والخيري: التنظيم  – التحديات  – المواجهة: مكتبة بيسان للنشر، بيروت، ط2.
[4]  علي زروقي (2013)، الواجب الكفائي والعمل الاجتماعي أية علاقة ؟ مجلة الفقه والقانون، العدد (8)، صفحة: 88: المملكة المغربية.
[5]  وجدي محمد بركات (2005)، تفعيل الجمعيات الخيرية التطوعية في ضوء سياسات الإصلاح الاجتماعي بالمجتمع العربي المعاصر، المؤتمر العلمي الثامن عشر، كلية الخدمة الاجتماعية، جامعة حلوان، ص 2.
[6] Abdullah Barise (2005), Social Work with Muslims: Insights from the Teaching of Islam, Critical Social Work/archive 6(2) – University Of Windsor. Retrieved (2/20/2017) from: http://www1.uwindsor.ca/criticalsocialwork/social-work-with-muslims-insights-from-the-teachings-of-islam
[7] Eltaiba N. & Harries M. (2015), Reflections on Recovery in Mental Health: Perspectives From a Muslim Culture: Social Work in Health Care, 54:725–737, Taylor & Francis Group, LLC.
[8] Al-Krenawi A. & Graham, J (2000), Islamic theology and prayer Relevance for social work practice: International Social Work 43(3): 289–304

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة